Wednesday, November 09, 2011

رواية "أسد قصر النيل"

كتبت - رهام محمود



أرض طيبة احتلها كل أفاكي العالم على مدار التاريخ، واختار أهلها الحقيقيون المنفى البعيد عن المدينة، في العشوائيات الجاهزة دائما لاستقبالهم، لكن تلوثا جينيا أنتج منهم سلالة رديئة، كانت أشد وطأة على أهليهم حتى من حكام طيبة القدماء، وعلى الرغم من هذا فإن شخصيتهم الحقيقية لم تتلاشى. وهم يحاولون التملص من فكرة الجمهورية، والعودة بشكل منظم للملكية حتى لو كان تحت أسم الجمهورية .



في هذه الأجواء تدور رواية الدكتور زين عبدالهادي الجديدة "أسد قصر النيل" والمنتظر صدورها عن دار "ميريت" المصرية للنشر ، وتتضمن فصولها العشرين صورة حية لواقع المصريين طيلة عهد مبارك .





سارد الرواية يبدو من الصفحة الأولى أنه الكاتب نفسه، وهو ينظر للشوارع المصرية فيجد تذاكر أتوبيسات ويانصيب وأغطية زجاجات المياه الغازية وأعقاب السجائر وبطاقات شحن المحمول ، وحينما يعبر لكوبري قصر النيل يشعر أنه علامة مدينة "طيبة" أو الإسم القديم لمصر، والتي كانت تعد ملتقى للعواصم الأربعة للبلاد، ويقول في نفسه : حتما ستستيقظ تلك الأسود وتثور ضد الظلم وحتى لو فني الناس فلن تفنى تلك القطعة المهيبة التي كانت مسرحا للكثير من حوادث التاريخ منذ العصر الملكي .



وحينما التفت حوله نظر لمطربين شعبيين ومنهم عدوية وبعرور وهم يغنون لسكان العاصمة العشوائية المجهولة ، وسكانها غير معنيين إطلاقا بما يحدث في عواصم مصر الملكية والجمهورية .



مصر في الرواية بلد يعرفها العالم المتحضر من خلال الآثار ولاعبي الكرة ورجال الأعمال ، وخاصة الذين يهربون الحبوب الزرقاء للرجال أو الذين يبيعون الأراضي أو المدن الجديدة والملاهي، أو شراء وبيع شركات القطاع العام دون اعتراض من أهل "طيبة" وهو االاسم الذي يرمز به لمصر .



وقد استطاع حاكم طيبة أن يدخل على شعبه حيلة التوريث، وهو مطمئن لعدم اعتراضهم، فهم منقسمون بين ثمانية مليون موظف، ضمنهم مليونان في عاصمة قاف، ومليونان يعيشون في العاصمة الفكرية ولا يحبذون التعبير عن أنفسهم، وغالبا يعيشون في أماكن منعزلة .



أما العاصمة المجهولة لمصر فهي الأكثر سكانا ويزيدون عن الثلاثين مليون وليس لهم صوت مؤثر في طيبة ، أما الصحفيون القوميون فهم أفضل فئة تجيد فن المسكوت عنه ، والحزب العظيم الذي يرأسه حاكم طيبة يجد أعضائه لذة استثنائية في الحديث للإعلام بلا توقف .



ورغم كل ذلك فالراوي يجد غباء في هؤلاء الحكام الذين يصدقون أنهم يمكنهم التخلص من شعبهم بهذه السهولة .



خلال الرواية يعرج الراوي على أحياء القاهرة، وبعض المسيحيين فيها، وبعضهم مثل "كمال إسطفانوس" وهو مسيحي كاثوليكي يعتز بكلمة الحاج علامة على قربه من المسلمين ، كما يعرج على مشكلات اجتماعية مثل العودة من المهجر وخاصة أمريكا وما واجهته شقيقة الراوي من شذوذ زوجها . وتصور الرواية أحياء الجامعة والتي يصمت فيها رجال الأمن على أصحاب المحال المخالفة للمصنفات بعد أن يتلقوا رشاوى، وتنتشر في هذه الأحياء السرقة ضمن ظاهرة اللصوصية العامة في مصر والتي تبدأ من الموظف الحكومي ولا تنتهي بأراضي الدولة .



كما تطرقت الرواية لما يجري بأمن الدولة من انتهاك حاد لحقوق المواطنين تحت اسم مكافحة الإرهاب ، ومن ذلك إجبار المساجين على الشذوذ بشكل عنيف .





ثم يعود الراوي لأهل طيبة ويصفهم بينما هو واقف أعلى كوبري قصر النيل : لم تغير كل الديكورات الملكية من طباع أهل هذا المكان، فقد ظلت شكوكهم ومخاوفهم تنمو ، وشعورهم بأن ثمة خطأ فادح يجري، والبشرية كلها تتقدم بينما هم فقط يندفعون للخلف.



وسكان طيبة أيضا لا يعرفون أهمية لانتخاب عضو يمثلهم لأن السنوات الخمس التي سيقضيها أيهم في مجلس الشعب لن يعرفهم فيها ، وحينما يسعى أحدهم لتحسين دخله بكشك صغير ويسعى لقرض يواجه بمن يصعب عليه مهمته ويخبره بأن عليه أن يسدد فوائد كثيرة وهم تائهون في العالم الجديد ، ينزلقون من العصر الزراعي للصناعي للمعلوماتي بلا أي مقدمات .



وسكان طيبة أيضا لا يعرفون كتابة الحاضر ويتقنون كتابة التاريخ، وذلك لأنهم يعلمون أن تجربتهم عريقة لا يستطيع شعب إدراكها، ولكنهم يعيشون لحظة تعسة .



تصادف في الرواية المهمشين في ضواحي القاهرة، كسعيد رئيس الجمعية التعاونية الذي يسرق الفراج والسمك، وعم علي الشماع عامل النظافة الذي يكتب الشعر



يقول الكاتب في النهاية : " كش ملك.. لاتنتهي لعبة الشطرنج إلا بعد أن يتنحى الملك ثلاث مرات، ليسقط بعدها ولايعود للرقعة مرة أخرى.. الملوك يؤمنون بقدرتهم على العودة دائما.. لم يثبت أبدًا في التاريخ أن ملكا ما فعل ذلك.. فقط ملك الشطرنج".



ومن وثائق الرواية حادث موت عمرو موسى عبد اللطيف الذي انتحر على كوبري قصر النيل وكان بحوزته خطاب لحبيبته "لا استطيع أن أعيش بدونك ‏فقررت أن أموت والقي بنفسي من أعلى كوبري قصر النيل.. ظروفي ‏المادية السيئة هي السبب"..

Friday, July 22, 2011

المسلمون سيعودون للنهوض


عرف الإمام محمد عبده بأنه أحد أبرز المجددين في الفقه الإسلامي بالعصر الحديث وأحد دعاة الإصلاح والدعوة للتحرر من كافة أشكال الإستعمار، وقد تعرض بسبب ذلك للسجن والنفي .. وفي كتابه "الإسلام بين العلم والمدنية" ينادي عبده بالسلطة المدنية الإسلامية ، كما يرد على المستشرقين الذين يعيبون يتهمون الإسلام بالوقوف وراء تأخر أبنائه .

عُنِيَ الإمام بالعقل، لدرجة أنه قال: لكلِّ مسلم أنْ يفهم كتاب الله دون وسيط من سلف أو خلف، وفق ما يؤهله لذلك من معرفة، فإِن لم يسمح له إلمامه بالعربية، وآدابها وأساليبها، وأحوال العرب، وما كان عليه حال الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بفهم الحقيقة فعليه أن يسأل العارفين، وعليه حينئذ أن يطالبهم بالدليل على قولهم.

وقرب نهاية القرن التاسع عشر‏,‏ كتب الإمام محمد عبده مؤكدا أن المنهج الإسلامي لا يعتمد على المعجزات والخوارق وإنما على الدليل العقلي، والإيمان ينبع من التأمل في جو من الحرية وليس من القهر والإجبار .

ومن أصول الإسلام البعد عن التكفير، فإذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل علي الإيمان‏. ويقر الإسلام أن الاختلاف بين البشر هو القاعدة السائدة والغالبة‏,‏ وليس لأحد من المختلفين في الرأي أو الرؤية أن يدعي احتكار اليقين أو امتلاك الحقيقة المطلقة ‏.‏


شبهات حول الإسلام

يرد عبده في كتابه هذا على وزير خارجية فرنسا آنذاك المسيو هانوتو، الذي كتب في بدايات القرن الماضي مقالات عدة حول الإسلام والمسلمين، في جريدتي "الجرنال" الباريسية، و"الأهرام" القاهرية، استشعر فيها خطر الإسلام المجاور لأوروبا ، فهاله كثرة المسلمين وانتشارهم، ثم يطرح هانوتو سؤالاً مغالطاً ،هو :"إذا كان الإسلام لا يحول دون التقدم كما يقول المسلمون ، فلماذا إذاً تقدم المسيحيون في الغرب في حين تأخر المسلمون في الشرق؟".

أثار هذا السؤال حفيظة الإمام الذي دافع عن الإسلام موضحاً حقيقته، ومبرزاً الجوانب المشرقة في تاريخ المسلمين، قائلاً: "إن أول شرارة ألهبت نفوس الغربيين فطارت بها إلى المدنية الحاضرة كانت تلك الشعلة التي سطع بها العرب في بلاد الأندلس وعمل رجال الدين المسيحي على إطفائها فما استطاعوا، وإن الناظر في التاريخ لتحمر عيناه من مناظر الدماء التي سفكها الآريون المسيحيون".

فلا علاقة إذاً بين الدين المسيحي، من حيث هو كذلك وبين المدنية والتقدم ،كما أنه لا علاقة بين الإسلام، من حيث هو كذلك، بتأخر المسلمين؟

وإن صح الحكم على الأديان بما يشاهد في أحوال أهلها وقت المحن، جاز لنا أن نحكم بأن لا علاقة بين الدين المسيحي والمدنية الحاضرة، فإن الإنجيل يأمر أهله بالانسلاخ من الدنيا والزهد فيها، ويوجب عليهم إذا سلبهم السالب قميصا أن يعطوه الرداء أيضاً، ولكن هل خطر ببال مسيو هانوتو أن يجعل ما لله لله وما لقيصر لقيصر كما أوصى الإنجيل؟

الحق أن جهل هانوتو بالإسلام ومصادره الحقيقية هو ما أوقعه في اشتباهاته تلك فالإسلام" دين علم وعمل، بل إن المسلمين لو رجعوا إلى حقيقة دينهم لأدى بهم ذلك إلى استنبات الأرض وإعداد القوة والاهتمام بالصناعة ، فقد أقام المسيحيون في الأرض قروناً طويلة "في العصور الوسطى" ولم يأتوا بفلكي واحد في حين أخذ المسلمون يبحثون في هذه العلوم بعد وفاة نبيهم ببضع سنين".

السلطة المدنية

في كتابه يؤكد عبده أنه ليس في الإسلام ما يسمى بالسلطة الدينية بأي وجه من الوجوه، ويفرد لهذه المسألة مساحةً واسعة من كتابه، مشيراً إلى أن الإسلام أزال تلك السلطة ومحا أثرها، فالإسلام دين وشرع، وقد وضع حدوداً ورسم حقوقاً، وليس كل معتقد في ظاهر أمره بحكم يجري عليه في عمله، فقد يغلب الهوى وتتحكم الشهوة فيغمط الحق.

ولم يدع الله لأحد سلطانًا على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، وليس لمسلمٍ على آخر إلا حق النصيحة والإرشاد، ومن ثم يراقب المسلمون دولتهم ويردونها إلى السبيل السوي إذا انحرفت عنه.

والخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم بل الأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه ولا قداسة لشخصه.

يضيف الإمام بكتابه: ولم يجعل الإسلام للفقهاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي.

العلم والدين

يشير الإمام بكتابه إلى أن المسلمين قد ضلوا في فهم معنى العلم على خلاف آبائهم رغم أن الإسلام حفزهم على طلبه في كل مكان، وقد ظنوا أن غاية ما يفرضه الدين هو الوضوء والصلاة والصوم في صورها الأدائية.

والعلم يستطيع به المسلم أن يكشف سراً من أسراره في خليقته، أو يستنبط حكماً من أحكام شريعته، فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه، يقصد أن المسلمين توقفوا عن البحث في الدين واكتفوا بالنقل وحده من السابقين عليهم.

ولكن الإمام يتفاءل بأنه ما دام القرآن يتلى بين المسلمين فإننا لا نرتاب إلى عودتهم إلى مثل نشأتهم ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم.

وينبذ الإمام في كتابه الاختلاف في العلم، مشيراً إلى أنه في السابق كان كل فريق يأخذ عن الآخر ولا يبالي بمخالفته له في رأيه، مسجدهم واحد وإمامهم واحد وخطيبهم واحد، فلما جاء دور الجمود أخذ المتخالفون في التنطع وأخذت الصلات تتقطع وامتازت فرق وتآلفت شيع كل ذلك على خلاف ما يدعو إليه الدين.

Wednesday, June 22, 2011

"بيوت بيضاء"


تستلهم الرواية الأولى الصادرة للأديبة المصرية هدى توفيق من أحداث غربتها في عمان، والتي اصطدمت فيها بأوجاع الصداقة وفراق المحبين والموت أيضا .. وقد عادت لتروي ما شاهدته .

المؤلفة أصدرت قبل رواية "بيوت بيضاء" أربع مجموعات قصصية الأولى بعنوان "أن تصير رجلاً"، "عن عاقر وأحول"، "كهف البطء" و"مذاق الدهشة".

تحدثت المؤلفة لـ"محيط" عن روايتها التي استغرقت عامين ونصف، مؤكدة أن الأبطال تعاملت معهم في الغربة، لكن الرواية مدعومة بشخصيات من نسج خيالها ومنهم "أم بدر".

أما أول قراء الرواية فكان د. عبدالمنعم تليمة، الناقد الأدبي المعروف، والذي أرشدها كثيرا حتى لا تكون كتاباتها مفككة أمام القاريء .

الرواية تعبر عن أن الغربة لا ترتبط بمكان، فقد أعيش في وطني وأشعر بالغربة أيضا، وفي عمان نشاهد أبطال الرواية يشعرون بالغربة النفسية ومنهم أم بدر وفاطمة البلوشية، وتطرقت الرواية كما تقول مؤلفتها عن مشكلات المرأة والرجل في المجتمع العربي .

وترى الكاتبة أن الحزن الطاغي على روايتها سببه أوضاع مصر وميراثها ، معتبرة أن الحزن طابع الشعوب المتخلفة بوجه عام ، فنراه يغلف أدب إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكنه يجعل الأدب أكثر نجاحاً لأنه يقترب ويحكي عن آلام البشر.

ورغم ظهور الرواية إلى النور بعد ثورة 25 يناير، إلا أن توفيق تقول أنها رصدت الفساد في روايتها بشكل إخباري، كما رصدت مؤشرات ما قبل الثورة وتعامل جهاز الشرطة العنيف مع المواطنين، ولكن الواقع أسوأ كما تقول .

إمرأة مدانة

تبدأ الرواية بالحديث عن صديقة البطلة المفضلة، وهي امرأة لم تتزوج بعد رغم اقترابها من سن الأربعين، قابلتها البطلة بعد رحلة عودتها من عمان التي سافرت إليها للعمل كمدرسة، وتقترب الرواية أكثر من حياة بطلتها لنعرف أن فاطمة البطلة عاقر بلا أولاد، طلقها زوجها ليتزوج بأخرى لتنجب له لكنه رحل عن الدنيا في يوم زفافه!.

تقول البطلة عن علاقتها بصديقتها: "..رغم أي اختلاف بيننا فكلتانا يشعر بالوحدة، وحدة الروح والجسد، وكلتانا يجمع صفة المرأة عاثرة الحظ، المدانة بالفشل والنقص، لأنها لا تحمل بطاقة المرور في مجتمعنا، فهي عانس وأنا مطلقة وأرملة".

تحكي البطلة عن ممارسات الشرطة العنيفة بحق صديقتها، فقد ألح الضابط عادل شوقي على صديقتها للتعارف عليها مدفوعاً بإحساس التباهي وهو يحاول اصطياد تلك الفتاة العانس وبعد أن صدته لفق لها قضية ودخلت على إثرها السجن .

تعلّق البطلة: تلجأ البطلة للبوح على الورق لتعبر عن رحلتها إلى عمان مخاطبة صديقتها في نفسها قائلة: "..لعل تلك الثرثرة تعيد إلى ذاكرتي الأوقات السعيدة لتلك الذكريات الماضية، إلى حين حضورك، فقد كان لي ماض مع بشر هناك بعضهم كانوا أبرياء وعظماء مثلك".




عودة اضطرارية

تبدأ البطلة حكيها عن السفر إلى عمان قائلة: ".. لا أشعر بأي أسى لأنني غادرت مسقط منذ خمس سنوات بعد الحادث الذي ماتت فيه صديقتي القديمة فاطمة البلوشية، التي كنا أنا وهي نتشارك الاسم ذاته، وكان أحباؤنا وأصدقاؤنا العرب والمصريين يطلقون علينا فاطمة المصرية وفاطمة البلوشية للتمييز بيننا، حين علمت بوفاتها إثر حادث أليم قبل زفافها بأيام، عرفت أنني لن أستطع أن استمر في العيش هناك بدون فاطمة، رغم محاولات الأصدقاء لإقناعي بالبقاء، حينها قررت أن أقطع صلاتي بكل شئ، وأن اطرح عني كل ما له علاقة بحياتي السابقة، وأعود إلى مدينتي الصغيرة".

كما تحكي البطلة عن ظروف سفرها بعد أن طلقها زوجها لعدم إنجابها، أنه كان هروباً من واقع لا أريد أن أحياه، وتقول: "..الحق أن هذه المصائب الثلاث وهي عدم إنجابي وطلاقي وموت زوجي، تجعلني سعيدة على نحو من الأنحاء فلقد اختفى الآن وللأبد بعض شهود الإثبات على حياتي المتسربلة بالعار، لن يكون هناك من سيتذكرني في تلك السنوات القادمة المضطربة من حياتي الباقية".

تصل البطلة إلى مسقط وترى بيوتها البيضاء، وتحكي لنا عبر فصول ممتدة عن سكن المعلمات ومن فيهن، والقصص التي تدمي الروح، لنتعرف على عدد من الشخصيات النسائية في الرواية، وقصة كل منهن، وتصفهن البطلة في الرواية، بأن لديهن أكثر من سبب للصمت والعمل والإنشغال بقوة للنسيان، والتركيز بإتقان لتحقيق أفضل كفاءة، وإرضاء الكفيل الذي هو إله على الأرض في تلك اللحظات!.

كانت فاطمة البطلة تقوم كل خميس بتدوين وتفريغ كل ما يستحق اهتمامها ويشغل تفكيرها في مذكراتها "يوميات العباقرة"، لم تكن تستهويها حياة النزق التي تحياها المعلمات الأخريات، فتعلقت بابن احداهن "سيف" الذي أنار حياتها، وكأنه أتى إلى عمان من أجل فاطمة المحرومة من الأمومة لتجد طفلها الذي كانت تتمناه، لكن لأن أيام فاطمة لا تبتسم لها على الدوام سيرحل سيف مع والدته إلى الإمارات تاركاً عمان، وقلباً أحبه.



المؤلفة

فراق جديد

رحلت فاطمة إلى بلدة أخرى في عمان للعمل بمعهد تدريبي للغات والحاسب، تديره سيدة مصرية تعيش بعمان منذ أربعين عاماً ، وقد تجاوزت الآن الستين من عمرها.

تعرفت فاطمة البطلة في المعهد على الأستاذ عبد العزيز العماني التي وقعت في حبه فيما بعد، ومحمد المصري معلم الحاسب الآلي التي رأت مصرعه بعينيها، وأسرة الدكتور عبد الله وهو بهائي وهم جميعهم أصدقاء فاطمة عبد الناصر مديرة المعهد .

تفقد فاطمة البطلة كل من تحبهم بالفراق أو الموت بدء من سيف الطفل، ورحيل فاطمة عبد الناصر بعد مؤامرة أحيكت ضدها لتفقد حضن وملاذ دافئ، ثم محمد المصري الذي تحترمه، وأخيراً عبد العزيز العماني الذي طلب منها عقد قرانهما في مصر لأن القانون العماني يجرم الزواج من أجنبية، ثم السفر سوياً لبعثة إلى لندن، لكن الظروف لم تمكنها من الحصول على جواز سفرها من الكفيل ، ولهذا دفعت حبيبها لأن يتركها ويرحل.

سافرت فاطمة إلى "الرستاق" للعمل في معهد تملكه ابنة الكفيل، وتسكن في بيت كفيلها التي تعرفت على زوجتيه، إحداهن تدعى أم بدر وهي كفيفة، توفى ابنها وهو شاب صغير لكنها تأبى التصديق وتظن أنه سيعود يوماً وتقسم أنه يحدّثها ولم يمت.

وعلى هذه الأسطورة تقول البطلة: ".. لابد أن رينيه ديكارت كان صادقاً حين قال: بالرغم من شكوى الشعراء من الحب، لن تكف البشرية عنه، كما لم تكف الصدف عن حدوثها"، الصدف التي تراها الكاتبة كما تقول على لسان البطلة هي أكثر الأشياء انتشاراً وذيوعاً في العالم.

بعد أن علمت البطلة بموت صديقتها العمانية فاطمة البلوشية، تحولت إلى حجر أصم بارد وفقدت الرغبة في العيش في عمان، ومن ثم اتخذت قرار السفر تقول: " ..وأنا أرتب حقائبي عمني سلام عميق، وقد انقطعت الحكاية وسيحل غد جديد في وطن آخر، كل ما أتلهف عليه الآن هو الرحيل للعودة إلى حضن منزل أمي القديم، وأنام نوماً عميقاً بدون صداع، ولا تقلب في الفراش، ولن أشكو من الفراغ الكئيب الذي كان يجثم على صدري، ويجمد مشاعري كالصنم، ولكن هل سيتحقق هذا في الوطن الأم، أم انه بداية لضياع واغتراب آخر أكبر وأوسع المدى؟".

بقلم/ سميرة سليمان



Saturday, June 18, 2011

النسيان ترياق المحبين!


تفتتح الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي كتابها "نسيان دوت كوم" الصادر عن دار "الآداب" اللبنانية بالحديث عن الكاتب بصفته مرشداً عاطفياً، مقتبسة قول كامي لورانس " بماذا يفيد الأدب إن لم يعلمنا كيف نحب؟.

أما المفاجأة كما تقول فكانت القصيدة التي تركها محمود درويش قبل رحيله كوصية لشاعر شاب، مشيرة إلى أن فكرة هذا الكتاب جاءتها لمساعدة الشابات، قائلة: "..لا أحد يعلمنا كيف نحب .. كيف لا نشقى..كيف ننسى..كيف نتداوى من إدمان صوت من نحب..كيف نكسر ساعة الحب..كيف لا نسهر.. كيف لا ننتظر.. كيف نحبط مؤامرة الذكريات وصمت الهاتف. كيف نخرج من بعد كل حب أحياء وأقوياء وربما سعداء، هل من يخبرنا ونحن نبكي بسبب ظلم من احببنا أننا سنضحك مما اليوم يبكينا؟".

تقول مستغانمي: كتبت دليل النسيان بسخرية كبيرة، أريدكن أن تضحكن، لا شئ يستحق الأسى، في النهاية ما النسيان سوى قلب صفحة من كتاب العمر، وإن لم تفعل فستظل تعثر على الصفحة نفسها مستنسخة في كل صفحات حياتك ، لهذا يسعى الكاتب لتخفيف وزن هذه الصفحة وقلبها نيابة عنكم !

تحكي الكاتبة عن أحد المحبين وقد حياها في معرض للكتاب بالجزائر وقال أن حبيبته طلبت كتابا لمستغانمي، الأمر الذي أسعد الكاتبة، وجعلها تعدهما بثلاثة أيام إقامة في أي فندق جزائري يختارانه بعد زواجهما .

حزب النسيان

تقول مستغانمي : الأدب يتغذى من الذاكرة لا من الحاضر، ذلك أن ذكرى الحب أقوى أثراً من الحب، وكشف لي تهافت الجميع على فكرة الكتاب حجم البؤس العاطفي في العالم العربي، الأمر الذي دفعني للتوقع بأن يتجاوز الكتاب أهدافه العاطفية إلى طموحات سياسية مشروعة فقد صار ضرورياً تأسيس حزب عربي للنسيان.

تقول الكاتبة: أراهن أن يجد هذا الحزب دعماً من الحكام العرب لأنهم سيتوقعون أن ننسى من جملة ما ننسى منذ متى وبعضهم يحكمنا، وكم نهب هو وحاشيته من أموالنا، وكم من دمائنا علقت على يديه.

نحتاج أن نستعيد عافيتنا العاطفية كأمة عربية عانت دوماً من قصص حبها الفاشلة، بما في ذلك حبها لأوطان لم تبادلها دائماً الحب، حينها فقط عندما نشفى من هشاشتنا العاطفية المزمنة بسبب تاريخ طاعن في الخيبات الوجدانية يمكننا مواجهتهم بما يليق بالمعركة من صلابة وصرامة.

ذلك أنه ما كان بإمكانهم الاستقواء علينا لولا أن الخراب في أعماقنا أضعفنا، ولأن قصص الحب الفاشلة أرقتنا والوضع في تفاقم بسبب الفضائيات الهابطة التي وجدت كي تشغلنا عن القضايا الكبرى، وتسّوق لنا الحب الرخيص والعواطف البائسة فتبقينا على ما نحن عليه من بكاء الحبيب المستبد ونسيان أنواع الاستبداد الأخرى.


الفصول الأربعة

تُقسم الكاتبة فصول الحب إلى فصل اللقاء والدهشة، فصل الغيرة واللهفة، فصل لوعة الفراق، و
فصل روعة النسيان، وتقول عنهم: إنها رباعية الحب الأبدية بربيعها وصيفها وخريفها وأعاصير شتائها.

وتبرر سبب اختيارها للنسيان لتكتب عنه لأن عليه يؤسس الحب ذاكرته الجديدة، ومن دونه لا يمكن لحب أن يولد، ولأنه الفصل الذي يتفوق فيه الرجال على النساء، ويذهلوننا بقدرتهم على التعافي والشفاء.

ولمغادرة شتاء الحب والدخول في ربيعه على النساء – كما تقول المؤلفه – التعافي تماما من ذكريات الحب الماضية، وتقبل فكرة النسيان كما يفعل الرجال .

ثم تورد قصة أستاذ ياباني طلب من تلاميذه تعريف الثلج، أحدهم أجاب إنه بداية الربيع، كان التلميذ مشروع شاعر، وكان بذلك التعريف يختصر لنا ميلاد الحب من صقيع النهايات والخيبات، أي مما سيذيبه النسيان غداً ويغذي بجداوله مروج الحب الجديد.

ثم تتساءل : ماذا لو تعلمنا ألا نحب دفعة واحدة، ساخرة من العاشقات بعبارتها "ويل لخل لم ير في خله عدوّاً".


زلزال

أكبر لغزين في الحياة كما تقول مستغانمي هما الموت والحب، كلاهما ضربة قدر صاعقة لا تفسير لها خارج المكتوب، لذا تتغذى الأعمال الإبداعية الكبرى من الأسئلة الوجودية المحيرة التي تدور حولهما.

وتقول إذا كانت الهزات العاطفية قدراً مكتوباً علينا، كما كُتبت الزلازل على اليابان، فلنتعلم من اليابانيين إذن، الذين هزموا الزلزال بالاستعداد له، عندما اكتشفوا أنهم يعيشون وسط حزامه.

صنعت اليابان معجزاتها بعقلها، وصنعنا كوارثنا جميعها بعواطفنا، فالإنسان العربي جاهز تماماً لأن يموت ضحية الكوارث الطبيعية أو الكوارث العشقية، لأنه يحمل في تكوينه جينات التضحية الغبية للوطن وللحاكم المستبد.

ماذا لو أعلنا الحب كارثة طبيعية بمرتبة إعصار أو زلزال أو حرائق موسمية، لو جرّبنا الاستعداد لدمار الفراق بتقوية عضلة قلبنا الذي صنعت سذاجته وهشاشته الأغاني العاطفية والأفلام المصرية التي تربينا عليها.


رجل حقيقي

تقول مستغانمي بكتابها الساخر : ما تريده النساء من الرجال لا يُباع، ولا يُمكن للصين ولا لتايلاند أن تقوم بتقليده، فهن تردن الشهامة والفروسية والأنفة وبهاء الوقار ونبل الخُلق وإغراء التقوى والنخوة والإخلاص لامرأة واحدة والترفع عن الأذى وستر الأمانة العاطفية والسخاء العاطفي.

والرجولة في تعريفها الأجمل وفقاً للكاتبة تختصرها مقولة كاتب فرنسي "الرجل الحقيقي ليس من يغري أكثر من امرأة بل الذي يغري أكثر من مرة المرأة نفسها"، تلك الرجولة التي تؤمن أن العذاب ليس قدر المحبين ولا الدمار ممراً حتمياً لكل حب ولا كل امرأة يمكن تعويضها بأخرى.

مضيفة : سنظل نحلم أن تكون لنا بالرجال الحقيقيين قرابة أن نكون لهم أمهات أو بنات..زوجات أو حبيبات كاتبات أو ملهمات.

وتستشهد بما قالته الأديبة والشاعرة غادة النسيان: "ما أندر الرجال الذين نفشل في نسيانهم، ولكن إذا مرّ أحدهم بصفحة الروح، دمغها إلى الأبد بوشمه".

سلام روحي

"من كان الله معه فما فقد أحداً، ومن كان عليه فما بقى له أحد" تقول الكاتبة أن السلام الروحي يأتي قبل الهناء العاطفي، فهو أهم من الحب، كل عاطفة لا تؤمن لك هذا السلام هي عاطفة تحمل في كينونتها مشروع دمارك.

واجهي المشاكل العاطفية أو النفسية بالإيمان، وجاهدي الحزن بالتقوى، بقدر إيمانك يسهل خروجك من محن القلب وفوزك بنعمة النسيان، لأن الإيمان يضعك في مكانة فوقية يصغر أمامها ظلم البشر.

عليك بالصلاة التي بها وحدها نستطيع أن نحقق بين الجهد والعقل والروح اتحاداً يكسب العود البشري الواهي قوة لا تتزعزع..اسعدي بكل موعد صلاة، إن الله بجلاله ينتظرك خمس مرات في اليوم وثمة مخلوق بشري يدب على الأرض يبخل عليك بصوته وكلمة طيبة.. لكن رب هذا الكون ينتظرك ويحبك.


بقلم /  سميرة سليمان

Thursday, June 16, 2011

كيف تخرج من الأزمات منتصراً؟


كان الحكيم الهندي (يوجي) يقول: "إذا رأيت حجراً في الطريق فأزله، ولا تنتظر حتى تتعثر به" ، وعن فن إدارة الأزمات كتب خبير الموارد البشرية الأستاذ بجامعة كاليفورنيا ستيف ألبريخت كتابا هاما بعنوان " إدارة الأزمات .. فن الدفاع عن النفس للشركات" صدرت ترجمته للعربية عن الشركة العربية للإعلام العلمي "شعاع" .. السطور التالية تحمل أهم الفوائد من الكتاب الهام.

في المقدمة يقول المؤلف أن الأزمات أصبحت سمة من سمات الحياة المعاصرة ؛ الأزمة هي ذلك الحدث السلبي الذي لا يمكن تجنبه أياً كانت درجة استعداد المنظمة، والذي يمكن أن يؤدي إلى تدميرها أو على الأقل إلحاق الضرر بها.


قائمة الأزمات

يقول المؤلف: عندما يشتد قلقك وتوترك، ينصحك خبراء إدارة الضغوط بكتابة قائمة بالمشكلات التي تؤرقك؛ فرؤية هذه المشكلات على الورق تمنحك الإحساس بإمكانية إدارتها والسيطرة عليها.

كما ينصح المؤلف بأن تكتب قائمة بالأزمات المحتملة، وأن تضع لكل واحدة منها درجة احتمال معينة، ثم تحدد المهارات الخاصة التي يتطلبها التعامل مع كل منها، ومقياس لقياس النجاح، وفي النهاية حاول أن تحدد حجم الفجوة؛ أي الفارق بين المهارات التي تستدعيها الأزمة والمهارات التي تمتلكها أنت وبين الموارد التي تحتاجها الأزمة وموارد الشركة/ القسم الذي تديره.

وليست الحوادث من قبيل انهيار جدران المصنع أو انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 24 ساعة هي وحدها التي تندرج تحت مصطلح أزمة؛ فهذه الأزمات تجلب للشركة قدراً من تعاطف الرأي العام والحكومة وتصبح فرصة لمزيد من العلاقات الإيجابية، لكن هناك أنواعاً من الأزمات التي تنفجر بفعل فاعل والتي ينتهزها المنافسون للانقضاض عليك وتتطلب يقظة من جانب شركتك واستعداد دائم للأسوأ.

فإذا وجدت مثلا مدير لأحد الأقسام ينشر ثقافة العنف أو الرشوة والمحسوبية داخل الشركة وبالتالي يحتمل أن يشعل أزمة حقيقية، أو أن تجد عميلا يهرع إلى أقرب محامي ليقاضيك إثر تضرره من استخدام منتجاتك بما يضر صورة شركتك أمام الرأي العام، كل ذلك يستدعي التفكير في طرق معالجة الأزمة والتحسب لها قبل نشوبها.




يضرب المؤلف أيضا أمثلة للأزمات الخارجية التي ينبغي على صاحب الشركة أو المكتب أن يخطط لمعالجتها، منها الدعاوى القضائية ضد الشركة، حملات المقاطعة من جانب الرأي العام قائلا: لايهدف أصحاب حركات المقاطعة، في الغالب لتحقيق ربح مادي، ولذا يجدر بك الابتعاد عن محاولة التسوية المالية وإلا شهروا بك أكثر وأكثر، وذلك على العكس من أسلوب التعامل مع أصحاب الدعاوى القضائية.

وهناك كذلك حملات الإعلام المضادة، وهنا يشرح المؤلف: يفضل في حالة التعامل مع وسائل الإعلام أن تكسبها إلى جانبك منذ البداية. فالعديد من المسؤولين عن تشغيل هذه الأداة الرهيبة لا يهتمون بالبحث عن الحقيقة الكاملة بقدر ما يندفعون للتعبير عن مشاعرهم أو مشاعر مروجي الإشاعات الذين يذهبون إليهم بقصص تسيء لشركتك. فإذا كانوا يشعرون بوجودك ويتفهمون موقفك وشخصيتك فلن يصدقوا كل ما يلقي به مروجو الإشاعات عنك.

ويحذر المؤلف من المخاطر التي تنبع من داخل شركتك، ومنها سيادة الشعور بالفشل بين العاملين، وخاصة إذا كان ذلك مصحوبا بنجاح المنافسين، وهو ما يصيب العاملين بمزيد من التوتر ، ويقول عن ذلك "في مثل هذه البيئة تركد الاتصالات وتعشش العناكب في زواياها المظلمة لتزيدها ظلاماً، يتحول كل يوم من أيام مثل هذه الشركات إلى أزمة.. أزمة للنجاة من الموت" .

تجارب الآخرين




يوجه الكتاب إلى أن جوهر الإدارة هو إدارة الأفراد للقيام بالعمل، وليس المطلوب أن ينشغل المديرون بمشكلات الصيانة والبرمجة وحدها، كما ينبغي عليهم التفكير في الأزمات المتعلقة بالمنتج نفسه، فمثلا شركات الأغذية تكون على أهبة للتعامل مع مسألة الأغذية الفاسدة.

ويرى المؤلف أن المدير الكفء عليه "إجهاض الأزمة" أو يعني هذا المصطلح القضاء على الأزمة قبل أن تولد ، وذلك بإزالة أسبابها المحتملة، ويتطلب هذا أن تتقبل النقد وتزن التحذيرات وتدرسها دون إهمال.

فعقب أزمة "ماكدونالدز" قامت شركة "ستاربكس" الشهيرة و"دنكن دونتس" بإعادة تقييم طريقة تقديم القهوة لعملائها. أما مطاعم "ويندوز" فقد أوقفت بيع الشيكولاتة الساخنة بصفة مؤقتة.

ولاحتواء أي أزمة ينبغي برأي المؤلف الاعتراف بها مبدئيا؛ فكثيراً ما نتجاهل البوادر الأولى للأزمة مثلا نقول أن الانخفاض الحاد في رقم الإيرادات يرجع إلى كساد الموسم بصفة عامة، وتكاسل الموظفين يعود إلى حرارة الجو، وتتوالى هذه التبريرات حتى تجد نفسك أمام الأزمة وقد تفاقمت، لذا كن مستعداً دائماً، فكما قال أحد مدرسي الكيمياء: "أحذر عندما تشم غازاً عديم الرائحة، فمن المحتمل أن يكون أول أكسيد الكربون".

وينبغي كذلك تخصيص موارد معينة وفريق بعينة للتعامل المباشر مع الأزمة، مع وضع خطة طارئة للتغلب على الأزمة بشكل جذري وسريع.

ولابد من الاستعانة بشخصية ذات مصداقية وخبرة للتصدي لقرارات حل الأزمات، وخير دليل على فعالية هذا الأسلوب هو نجاح "لي إياكوكا" ـ الإداري الأول لشركة "كرايسلر" ــ والذي كان يسوق لمنتجاته ويخاطب العملاء بنفسه، ويبذل لهم الوعود ويعتذر عن الهفوات.

لكن هذا لا يعني أن مجرد تواجد الشخصية الإدارية الأكبر يكفي وحده لفك لعنة الأزمة، فهذه الشخصية الإدارية يجب أن تتمتع بالقبول، وأن يري فيها الآخرون المصداقية اللازمة. فها هو "داريل جيتس" رئيس شرطة لوس أنجيليس يتدخل في الأحداث الدامية التي هزت المدينة عقب عرض شريط فيديو يصور أفراداً من الشرطة يعذبون الزنجي "روني كنج" بعد القبض عليه.

لكن شخصية "داريل جيتس" المتزمتة والرافضة للاعتراف بالخطأ أو للاعتذار وتهدئه مشاعر الجماهير الثائرة، زادت من التمرد، وكانت النتيجة خسائر تزيد عن 800 مليون دولار، نتيجة تحطيم الممتلكات أثناء أحداث الشغب وامتناع بعض أفراد الشرطة عن منع هذه الأحداث، تعبيراً عن امتعاضهم.

إن ما يريده جمهور الناس عقب الأزمة، هو شخصية ذات مصداقية تعبر عن قدرتها على قيادة الأمور إلى بر الأمان. وكما أن هناك وقتاً آخر لإرخاء العنان، وكما يعرف المدير الذكي متى يقفز إلى منصب الديكتاتور ليفرض أوامره المركزية على الجميع، عليه أيضاً أن يعرف متى يمثل دور الغائب، ويرخي العنان دون أن يفلته.

قواعد ذهبية




يضع المؤلف قواعد سبع لإدارة أي أزمة يقول فيها: احذر الكذب واحذر نشر كل الحقائق أمام كل الناس، بل اقصر هذا على مجموعة معينة من أولي الثقة.

والنصيحة الثانية يقول فيها: لا تضع نفسك محل المتهم الذي يطلب البراءة، وإلا سيطالب الناس برأسك، والجدير أن تعرض بشجاعة قدرتك على إنقاذ الموقف والوعد بتصحيح الأخطاء مع اتخاذ خطوات فعلية لذلك، أما النصيحة الثالثة فتنصح مدير الشركة أن يكون مركزياً في صناعة القرار وتنفيذه، على أن يكون الرأي شورى بين أكبر عدد ممكن من ذوي العقل الراجح.

وينبغي كذلك تعزيز العلاقات وقنوات الاتصال مع الخصوم ومع المساندين وتوسيع دائرة المساندة، وتحفيز الحماس في العاملين دائماً، متابعا: وحذار أن تلجأ إلى الصراخ والصوت العالي، وعليك أن توفر الحماية والأمان لأعوانك ومساعديك، وألا تبخل بأي شيء.

ومن النصائح الهامة أن تدرس مصالح ومناهج عمل الأطراف الأخرى المتورطة في الأزمة، والتنبؤ باستجابتها، مع محاولة إخماد الحرائق قبل اشتعالها واضطرامها، وذلك بأن تستمع لجميع أبواق التحذير..

بقلم /  أبوبكر خلاف



Friday, June 10, 2011

المرأة وأيقونة الضعف في روايات محمد البساطي


تكاد أغلب الروايات العربية تكرس صورة نمطية، عن المرأة العربية.. كضحية المجتمع الأبوي، ولا يمكننا إنكار هذه الحقيقة، مثلما لا يمكن تجاهل أن الرجل العربي -أيضا- ضحية، فيلجأ إلى التنفيس عن مختلف ألوان القهر، التي يكابدها في حياته اليومية بممارستها على الكائن الأضعف.. لكن هذا القهر يكون أبشع حين تكتب المرأة عن المرأة، فبدل تشريح المعاناة الحقيقية للمرأة، تجعل الروائيات الجسد محور أحداث الرواية/البكائية.

لقد استطاع نجيب محفوظ أن يحفر في الوجدان العربي شخصية "أمينة" في ثلاثيته الشهيرة، ففاقت شهرتها كل شخصيات نجيب محفوظ، ولا يخفى على القارئ اللبيب الدور الخطير للسينما والتلفزيون، حين تم نقل الثلاثية إلى الشاشتين، في حين لا أحد يستطيع أن يستحضر أية شخصية في روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، رغم أنهما كرسا كل كتاباتهما - تقريبا- للدفاع عن هذا الكائن الهش المهمش.

أما الكاتب المصري محمد البساطي، فمثلما رسم لنفسه مسارا إبداعيا متفردا عن أبناء جيله، فقد أبدع في "خلق" شخصيات أنثوية خالدة، لها ألقها الخاص، بل إن القارئ يدهش من قدرته الفائقة على الغوص في أعماقهن؛ هذه القدرة التي تجعله يتوهم كاتب الرواية امرأة وليس رجلا، فضلا عن ذلك فمحمد البساطي ليس كاتبا "نسوي" النزعة، وإنما كاتبا إنسانيا كرس إبداعه للكتابة عن مختلف أشكال القهر الذي يتعرض لها الإنسان العربي، سواء كان رجلا أو امرأة، طفلا أو عجوزا، وهذا ما يتضح جليا في رواية "جوع".






"فردوس" :

تعد "فردوس" بطلة الرواية التي تحمل اسمها من أشهر نساء محمد البساطي وأكثرهن عذوبة، وهي تكاد تتماهي إلى حد ما وشخصية "سعدية" في رواية "بيوت وراء الأشجار".

ترصد الرواية تفاصيل معاناة تلك المرأة الجميلة الوحيدة المحرومة، التي تخلص منها أخوها بتزويجها للفلاح "موافي"، رغم أنه متزوج، والذي سرعان ما سيهجرها، ويعود إلى ضرتها، بعد أن تأكد من عقمها، ويبدأ ابن زوجها "سعد"، المراهق في التحرش بها، فتحلم بفتوته التي افتقدتها في الزوج الغائب، وتقع ضحية صراع داخلي، يؤججه تلصص المراهق مع أترابه عليها، حتى وهي في بيتها، ويعبر عن اشتهائه الصامت لها بالحديث عن كلام أقرانه، الذين يحاصرونه بأسئلتهم عنها.

ينجح "سعد" في اختراق قلاع عزلة الخالة "فردوس"، وتشي انتظاراتها لزياراته الليلية، وتجد نفسها مدفوعة لأن تخرج بحثا عنه بين أقرانه، عندما افتقدت حضوره.. ويباغتها، في الليلة التالية، بإشارته إلى أن رفاق السوء أدركوا أنها خرجت للبحث عنه، رغم تسترها بعباءتها و بالليل، فقد عرفوها من خلال "الشبشب" الذي لا ينتعله سواها.

ومثلما تغاضت عن تحرشاته، لا تعترض على استيلائه على طعامها، الذي تخزنه لليوم التالي، حتى تستريح من الطبخ، بعد أن يتسلل إلى بيتها، وتفلت منه الصيحة في المطبخ :

-"مهلبية يا خالة. مهلبية. وثلاثة أطباق. يا قوة الله.".

ولكي لا تنهار، تقاوم بالحلم، بعد أن تستيقظ في الليل، تمضي إلى النهر، هائمة بين الحقول.. مقتربة باستيهاماتها من أولئك العشاق الصغار.

وعند تفكيرها في ترك بيتها، تأخذ معها كل متاعها، كي لا تترك أي شيء لضرتها، وهذا المتاع ليس سوى "أربع قطع صابون"، "شباشب" و "البيض تسلقه وتأخذه لكي لا تترك شيئا لأحد"، وتكوم كل ما لديها في صرتها، تسحب العنزة و تغلق باب الدار خلفها! لكنها تعود في نفس الليلة، بعد أن تتذكر قسوة معاملة زوجة أخيها لها، التي تعاملها كخادمة...
وحين بدأت تستأنس بحكايات سعد، وتجد في حضوره بعض السلوى، يفاجئنا محمد البساطي، وكعادته في أعماله السردية، بأن تعلم وهي في بيت ضرتها، أن سعدا سيتزوج إحدى قريباته.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك من اتهم البساطي بالسطو على فكرة رواية "مديح زوجة الأب" (وفي ترجمة أخرى"امتداح الخالة")، لكن لـ"فردوس" فرادتها السردية واللغوية، وشتان بين العملين، ومناخيهما، كما أن الكاتب قد عايش هذه التجربة عن قرب في طفولته، لهذا أضفى سحر القرية على رواية "فردوس" ألقا سرديا، تفتقده الروايات التي تتطرق إلى مثل هذه العلاقات الآثمة، فتغرق في "فضائحية" و"ابتذال" روايات الأبواب المغلقة.




"دق الطــبـول":

في رواية "دق الطبول" تشدنا شخصية زاهية، الوصيفة المصرية لإحدى السيدات الخليجيات، وهي تبوح لجارها المصري، في كل ليلة، بحكاياتها اللا متناهية، وكأن هذا البوح إشباع لشهوة الحكي /الكلام لدى المرأة في المجتمعات العربية الشفاهية، تلك الشهوة المتوارثة عن الجدة شهرزاد.

تبدأ بالحديث عن السيدة خديجة، وقراءة ألف ليلة وليلة، ثم استدراج السيدة لها إلى تلك اللعبة، لكي تسترد زوجها.. فيعود إليها ويبيع "شقة الحرية"، (ومعذرة إن استعرنا عنوان غازي القصيبي)، وذلك بإغرائه بالخادمة والاتفاق معها على أنها ليست على علم بعلاقتهما... هذه العلاقة ستثمر ابنا، ستحرم منه زاهية، وينسب لخديجة التي لم يسبق لها أن أنجبت، والمدهش أن زاهية متزوجة ولها بنت، وتواجدها في الإمارة كان بهدف مساعدة أسرتها.

يقيم سالم/الرضيع في حجرة لوحده، وتقاوم زاهية دموعها حين تنزل لترضعه، وحتى المربية تصدها. وكانت تفضل أن ينام في حضنها، وتربت على ظهره... يكبر سالم ويلعب في الحديقة مع المربية، متجاهلا أمه، ولا يستريح لغير المربية، ويرتمي في حضن خديجة (السيدة) ولا يهتم بها، يزداد ابتعادا كلما كبر، وتكتفي بمشاهدته من بعيد...




"أوراق العائلة" :

ماذا يحدث حين تتزوج امرأة جميلة ومتعلمة رجلا أميا، مهووس بالتحرش الجنسي بكل االنساء؟
ظهور شخصية الجدة زينب في المتن الحكائي، سيمنح الرواية هالة من الشفافية والشجن، فبعد الشهور الأولى لزواجها، وبعد أن اشتد خصامها مع أب السارد/الجد شاكر صارت تتناول الزوجة الشابة (الجدة زينب) عشاءها مع الجد كامل في غرفته، بينما زوجها في حجرته يغير ملابسه مستعدا للسهر خارج البيت.. في الأفراح والموالد، وأحيانا، يسافر مع رفاقه إلى "كازينوهات" المنصورة.

بعد أسبوع من زواجها، تظهر الجدة زينب للبنات بوجه تعلوه الكدمات، لكنها لا تشكو ولا تهدد بالعودة إلى بيت أهلها.. وبعد تحضير الغداء، تحرص على الذهاب- بنفسها بدل الخادم- إلى الحقول، راكبة الحمار، وفي طريقها تمر برجال القرية، وهم مسترخين على كراسي المقاهي، والنساء على المصاطب، وبعد أن يتناول الجد كامل طعامه، يجلسان - معا- تحت شجرة التوت، وهو يعد الشاي. وبذهابها كل يوم، يبدأ التهامس حولهما، ولن تتوقف عن الذهاب الى الحقول إلا بعد الشهر الثالث من الحمل، ويستمر الهمس الآثم حتى بعد ولادتها، حيث سيندهش الجد شاكر (الزوج) عند سماعه بخبر إنجابها، وقد كان غائبا عن البيت كل تلك المدة، فيتلقى التهاني في البيت صامتا شاردا، وبعد يوم وليلة، يعود إلى حياته السابقة، و ستكون المرة الوحيدة التي يرى فيها ابنه، وقد بلغ عاما.. من خلف زجاج المقهى، والجد كامل يتجول به على متن فرسه..

ويزور بيت أهل الجدة زينب، يبلغ والدها بأنه ينوي الطلاق، فلا يعارض، وفي نفس الليلة يتوقف "الحنطور" أمام البيت، وينصت الجد كامل مطرقا.. بعدها تخرج الجدة زينب حاملة بعض الأغراض، التي تخص الطفل/ والد السارد.
وسيعتاد الجد كامل على الذهاب كل جمعة إلى بيت الأهل.. يوقف الفرس على بعد خطوات، يرسل في طلب الحفيد، (المثير أن تعلق الجد الشديد بحفيده، ومن قبل، كان يعامل ابنه (الجد شاكر) و والدته بقسوة). لا يحاول أن يطرق الباب ولا أحد يخرج إليه من الكبار، وفي وقفته وهو ينتظر حفيده، يسمع صرير شيش شباك يفتح، ويلمح بطرف عينه الجدة مورابة ترقب خروج ابنها.

تغدو عليلة، طريحة الفراش، ذابلة، كما تروي إحدى زائراتها، وبعد خمسة أشهر من طلاقها تموت. و حين طلب الجد كامل من حفيده/ الراوي أن يصطحبه في الخارج وفي وقت متأخر... وقبالة البيت، يشير إلى ذلك الشباك، حيث كان يراها خلف الشيش، عندما يجيء لاصطحاب حفيده/ والد السارد.. ويلمح ذراعها على قاعدة الشباك. يعرفها من خلال الخاتم، ذي الفص الأحمر، ويرى خصلة من شعرها تطير، بعد أن تسربت من فتحة الشيش.. طوال الوقت تنتظرهما في وقفتها تلك، وهي قلقة. وعند موت الحفيد/ والد السارد يهتف الجد كامل ملتاعا: " أخذته. ماكانت لتتركه طويلا معنا".

*****
لقد استطاع محمد البساطي من خلال الهشاشة والشجن والشفافية رسم شخصيات تتسلل إلى قلوب قرائه، بدون استئذان.. فتأسره بعفويتها وسحرها وشجنها، دون محاولة استجداء عواطف ودموع القارئ بطريقة ميلودرامية فجة، والتعبير بصدق عن معاناة نصف المجتمع... بدون المتاجرة بها، بحثا عن مآرب أخرى.


بقلم الناقد المغربي هشام بن الشاوي

Saturday, May 21, 2011

"زعماء وعملاء"


يحاول الحاكم العربي أن يصدر نفسه لأبناء شعبه على أنه راعيهم، وحامي حماهم، ومن ثم لا حاجة لأن يفكروا أو يعملوا لأنه يقوم بذلك بالنيابة عنهم، وفي النهاية تصبح الشعوب العربية لا حاجة لديها لأن تربح، لأن الحاكم يربح بالنيابة عنهم أيضا!.

هكذا يقدم الصحفي المصري محمد الباز لكتابه " زعماء وعملاء: الخيانة والفساد على فراش الحكام العرب" والذي صدر قبل أكثر من عامين عن دار "كنوز" ولكنه يتضمن معان مفيدة في نظرتنا للحكام العرب، وموقف الشعوب منهم المتراوح بين السخرية اللاذعة والعزاء.

نكتة الحكام

قبل حرب العراق، كان موقف الحكام العرب صادمًا للجميع، حيث بدا الجميع مسلوبي الإرادة غير قادرين حتى على التصريح بالرفض.. ولذلك اقتربت النكتة من أثوابهم وأشعلت فيهم النار ولم تدع أحدًا ليطفئها، ومن تلك النكات أن حاكما عربيا وجد مصباح علاء الدين ولما خرج له العفريت قال له الحاكم: عاوزك ترجع لي أبويا اللي مات من عشر سنين فقال له العفريت هذا صعب جدًا فقال له الحاكم طيب أنا عاوز أكون حاكم محبوب لكل الشعب، رد عليه العفريت ساخرًا: لا أجيب لك أبوك أسهل!.

هكذا قالت النكتة رأيها بصراحة فالشعوب لا تحب حكامها بل تدعو عليهم كل صباح وترجو من الله أن يستجيب لدعائها.

أيضاً لم يترك الشعب المصري أحدا إلا وجرحه بالنكتة حتى الذين أحبهم، وهو ما جعل عبد الناصر نفسه يتوتر، فبعد أن أعلن أنه سيتنحى ألهبه الشعب المصري بالنكتة للدرجة التي دفعته لأن يطلب من المصريين أن يخففوا من التنكيت، من تلك النكات قيل: ثلاثة لا يدخلون الجنة، شمس بدران، وعبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر، الأول ترك الجيش بدون عدة والثاني مات حبا في وردة، والثالث تنحى وقت الشدة!.

ومنها ما يدل على ديكتاتورية عبدالناصر، فنرى نكتة تقول : التقى صديقان أيام عبد الناصر فبادر أحدهما الآخر: هل علمت أن فلانا خلع ضرسه من أنفه، فرد عليه ولماذا لم يخلعه من فمه؟ فقال له هو حد يقدر يفتح فمه!.

لم يتغير الأمر في عهد السادات، فقد أطلق المصريون كما يشير الكتاب كما هائلا من النكت على السادات، ومنها أن عبد الناصر جاء للسادات في المنام وقال له: يا أنور، فرد عليه أفندم ياريس، فقال له إنت بتقول إنك عملت تنظيم الضباط الأحرار ماشي، وبتقول إنك اللي ما عملت الثورة ماشي، وبتقول أنك الوحيد اللي حاربت الفساد ماشي، لكن قل لي بذمتك أنت كنت تقدر تقول يا جمال.. كده حاف؟.



الرئيسين الراحلين انور السادات و جمال عبد الناصر

كاريزمة الرؤساء

الرئيسين الراحلين انور السادات و جمال عبد الناصر


وفقاً لدراسة يتضمنها الكتاب، فقد كان ناصر يعتمد في قراراته السياسية الكبرى على شخصيته الكاريزمية الملهمة وحب الجماهير له وإيمانها بزعامته مصريا وعربيًا ودوليًا، وكان أسلوبه في صنع القرار يعتمد كثيرا على القراءة التفصيلية الدقيقة لكل ما يحصل إليه من بريد، إضافة إلى حرصه على الاستماع إلى إذاعات العالم المختلفة وقراءة الصحف المصرية والأجنبية ومناقشة الموضوعات المختلفة مع القادة العرب وزواره الأجانب.

كما أنه كان حريصًا على تعدد مراكز صنع القرار، بأن يطالب أكثر من جهة بدراسة الموضوع الذي هو بصدد اتخاذ قرار فيه مثل التنظيم السياسي والمخابرات ومجلس الوزراء وبعض المختصين المقربين اليه ويثق فيهم، ثم إعادة الموضوع إليه بعد دراسته لاتخاذ القرار المناسب بشأنه.

الرئيس السادات كان ينتمي إلى الطبقة الوسطى الريفية وقد أثر تنشئته الاجتماعية والثقافية كثيرًا في شخصيته، كانت حياته درامية بدأت في القرية ثم في بيت بكوبري القبة وفصله من الخدمة في الجيش واشتغاله ببعض المهن الشاقة، واشتراكه في بعض التنظيمات السياسية السرية، والاغتيالات السياسية، انعكس كل ذلك على سمات شخصيته التي كانت تتسم بالدهاء والخشونة وقوة الاحتمال وحب المغامرة والخداع والتخفي والتنكر والسرية وقد أثر ذلك بدوره في كثير من أعماله وسلوكه وقراراته التي كان أهمها قرار حرب أكتوبر 1973 وقرار الانفتاح الاقتصادي 1974 وقرار زيارة القدس 1977.


اتسم أسلوب السادات بالفردية أحيانًا والصدمة أو المفاجأة أحيانًا أخرى في اتخاذ قراراته، ورغم أن السادات كان يحيط نفسه بمجموعة من المستشارين إلا أنه لم يكن يستجيب لأرائهم، بل أنه كثيرًا ما كان يتخذ عديد من القرارات دون الرجوع إليهم أو بالمخالفة لأرائهم، ويشهد على ذلك الرئيس الأمريكي نيكسون الذي زار مصر أيام السادات، ليقول: "كثيرًا ما كان السادات يتجاهل وزراءه ويتخذ قرارات بنفسه".


ويتحدث الكتاب أيضا عن كيفية اتخاذ الرئيس مبارك قراراته، مشيراً إلى أن جذوره تمتد إلى الطبقة الوسطى الريفية، وهو في ذلك يشبه الرئيس السادات، ويحدد د. صلاح بيومي صاحب دراسة "قرارات الرؤساء" سمات الرئيس على ضوء هذه التنشئة يقول: تتسم شخصية مبارك بالهدوء والإتزان والثقة في النفس والصبر وقوة التحمل، وترى الدراسة أن أهم قرارات مبارك هي الإفراج عن معتقلي سبتمبر 1981 وقرار التحكيم في قضية طابا 1986 وقرار إدانة الغزو العراقي للكويت 1990 .

تؤكد الدراسة أن اسلوب مبارك في صنع القرار السياسي يقوم على الدراسة الموضوعية العقلانية المتأنية من مستشاريه المتخصصين وطرح البدائل لاختيار البديل أو القرار المناسب للأزمة أو المشكلة.

ورغم اعتياده دراسة ومناقشة قراراته مع بعض مساعديه أو مستشاريه، إلا أن ذلك لا يمنع من اتخاذه قرارات فردية في أوقات أخرى.



بيل كلينتون

الرئيس ممثلا ً

يشير الكتاب إلى أنك إذا أردت أن تكون رئيسًا عظيمًا... فلابد أن تكون ممثلا ً عبقريًا.. لتستطيع أن تقنع ناخبيك بوجهة نظرك هذا إذا كنت في بلد ديمقراطي يأتي الرؤساء فيه عبر صناديق الانتخابات، أو تسيطر على شعبك وتظل جاثمًا على صدره هذا إذا كنت في دولة من دول العالم الثالث يأتي فيها الحاكم بانقلاب ولا يرحل إلا بالموت..

في مصر مثلا يقول مؤلف الكتاب: كل من كتب عن الرئيس السادات إلى عشقه للكاميرات وحرصه على الظهور أمام الجمهور بشكل حدده هو دون تدخل الآخرين.. ويرى الكاتب الأمريكي آرثر ميللر في كتاب له أن رؤساء أمريكا كلهم ممثلون والخلاف بينهم في درجة الاحتراف.

لقد نجح كلينتون في أن يصل إلى البيت الأبيض مرتين.. ورغم أن الأمريكان اكتشفوا في النهاية أنه كان يكذب عليهم طوال الوقت.. لكنهم كان يصدقونه ليس لأنهم سذج.. ولكن لأن كلينتون كان ممثلا عبقريًا.. يقول ميللر: "إنه على الرغم من فضيحة الاعتذار المثيرة للاشمئزاز التي غادر بها كلينتون البيت الأبيض.. إلا أنه ترك منصبه بكم هائل من الإنجازات، ارتبط بهالأمريكان.. تعاطفوا معه.. وجدوا أن المأزق الذي تعرض له يكفي جدًا ليغفروا له خطاياه".



القذافي

تراجع القذافي

يقول مؤلف الكتاب : اهتم الجميع بما صرح به القذافي.. وما رماه تحت أقدام أمريكا وإسرائيل من استعداده للتخلي عن كل أسلحة الدمار الشامل التي يملكها، ثم حاول التأكيد أنه أصبح رسولا ً للسلام فدعا كلا من سوريا وإيران أن تحذو حذوه.. وفوق ذلك ولأول مرة تنازل عن عنفه في الحديث عن إسرائيل.. وهو العنف الذي كان يميزه ويبعث بالحرارة في الأحاديث التي كان يدلي بها.. لكن لم يفكر أحد لماذا فعل القذافي ما فعل؟! لماذا قضى على كل أساطيره عن المقاومة للغرب بجرة قلم؟!..

منذ سنوات ظهر أبناء القذافي على الساحة السياسية في ليبيا.. وقد مثل ظهورهم تحولا ً سياسيًا في بناء السلطة ومستقبلها .. وتم تقسيم المهام على الأبناء وأصبح كل واحدة منهم يعرف دوره.. (فمحمد) يشرف على قطاع الاتصالات و(سيف) صرف اهتمامه كله للشئون الخارجية والعلاقات الدولية، (الساعدي) اهتم بالرياضة هذا غير نشاطه الاقتصادي الهائل داخل ليبيا. و(المعتصم) اتجه إلى القوات المسلحة بينما اهتمت (عائشة) بالجوانب الثقافية والاجتماعية!.

يؤكد الكتاب أن ابن القذافي سيف كان وراء تغيير القذافي الأب لموقفه من الغرب، وبرر سيف ما حدث بأن ليبيا تتعهد بتوفير كل المطلوب منها للمؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة.. ولذلك فلابد أن يقوم المجتمع الدولي بحمايتها، ويترتب عليه كذلك اتفاقيات تعاون مشترك عسكري وأمني مع أمريكا، تشمل مناورات مشتركة في المستقبل !

لكن مؤلف الكتاب يعتبر أن القذافي لم يتراجع عن مواقفه، وما فعله فقط هو الكف عن التصريحات العنترية، فهو من الأساس لم يتصد عمليا لأمريكا إلا في خطب وأحاديث فضائية، ثم اكتشف بعدها أن الصياح داخل السرب الأمريكي أكثر ربحا فانضم للفريق .. ولا عزاء بعد ذلك لكل المهزومين العرب.




بقلم / سميرة سليمان

Wednesday, May 18, 2011

مبارك الإبن وحيتان المال


القاهرة: يصدر قريباً للدكتور وحيد عبدالمجيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام كتاب جديد بعنوان "ثورة 25 يناير قراءة أولى" عن مركز الأهرام للطبع والنشر.

في كتابه يرى د. عبدالمجيد أنه حينما يستحيل الإصلاح في إطار نظام سياسي فاسد سياسياً واجتماعياً، تصبح الثورة هي الحل.

ومن هنا لم يكن أحد أن يتوقع أن يكون يوم 25 يناير هو بداية ثورة شعبية تحقق في 18 يوما ما عجز الإصلاحيون عن إنجاز نذر يسير منه عبر سنوات طويلة، خاصة في ظل ما كان واضحاً من فشل جهود الإصلاح في السنوات الثلاث السابقة للثورة حيث أكدت التعديلات الدستورية التي تم إقرارها عام 2007 أن باب الإصلاح قد أُغلق نهائيا، وأن الأمل الصغير للغاية الذي لاح من بعيد عام 2005 غدا سرابا.

وحتى عندما نشبت الثورة التونسية ونجحت في إنهاء حكم أحد أبرز الرؤساء المتسلطين، لم يستوعب أركان الحكم في مصر احتمال انتقال الثورة لمصر، كذلك جزمت دوائر غربية رسمية وإعلامية بأن ثورة تونس لن تصل إلى مصر.
ومثال ذلك ما ذكره المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيليب كراولى، "أن كرة الثلج التونسية لن تمتد إلى دول أخرى في المنطقة. وكان كلامه هذا قبل 72 ساعة على مظاهرات 25 يناير التي أشعلت الثورة المصرية، وبدورها أكدت مجلة "تايم" الأمريكية أن شباب مصر ليسوا مؤهلين للثورة لأن التعليم الذي تلقوه فقيراً لا يوفر المهارات اللازمة للمعارضة المؤثرة.

أما في مصر فلم يكن أكثر المتفائلين بمظاهرات 25 يناير يتوقع أن تكون بداية ثورة يقل مثلها. بسبب الإحباط المتراكم عبر ثلاثة أجيال على الأقل، كما أن الفشل الذي مُنيت به جهود الإصلاح منذ منتصف ثمانينات القرن نفسه أضعف ثقة من سعوا إليه في قدرتهم على التغيير.


الرئيس المصرى السابق محمد حسنى مبارك

باب الإصلاح

يؤكد المؤلف على أن المنهج الثوري كان أبعد نظرا من نظيره الإصلاحي في الرهان على إسقاط مبارك بضربة واحدة، بينما كان الإصلاحيون على حق عندما نبهوا إلى أن تنحى مبارك أو استقالته أو رحيله لا يكفى لبناء مصر الحرة العادلة، وأن الثورة لا تحقق أهدافها بمجرد غيابه عن المشهد، وأن الإصرار على خريطة طريق محددة للمرحلة الانتقالية وما بعدها لا يقل أهمية.

تحت عنوان "باب الإصلاح موصداً" يرى المؤلف أنه لم تكن هناك أي جدية في الحديث عن إصلاح تدريجي في بنية سياسية أصابها الجمود، لكن تعديل المادة 76 من الدستور أقام حواجز منيعة أمام إجراء انتخابات رئاسية تنافسية مفتوحة.

فالأحزاب التي أنهكتها القيود الأمنية والإدارية والصراعات الداخلية لا تستطيع المنافسة. كذلك أغلق التعديل الباب أمام غيرهم بسبب استحالة الحصول على تأييد 250 عضوا في المجالس "المنتخبة" والتي تخضع لسيطرة النظام الحاكم.

فزاعة الإخوان

أتاحت نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت نهاية 2005 فرصة لاستخدام الإخوان "كفزاعة" بكثافة لا سابقة لها حيث أسفرت تلك الانتخابات عن حصول "الإخوان" على 88 مقعدا تمثل نحو 20 في المائة من مجموع مقاعد مجلس الشعب.

وقد تزامن إشهار "الفزاعة الإخوانية" في مصر بما حققته في انتخابات 2005 البرلمانية مع توسع دور تيار الإسلام السياسي في المنطقة من الكويت والبحرين شرقا إلى الجزائر غربا، إضافة لفلسطين حيث فازت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي.

ويرى عبدالمجيد أن تأثير "الفزاعة الإخوانية" التي ابتكرها النظام كان ضعيفاً داخلياً بينما كان له تأثير قوي بالخارج، حيث أن نظام الحكم في مصر كان يسوده قلق من الوضع الدولي، خاصة سياسة إدارة جورج بوش في ذلك الوقت، فكان الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس ينتقدون الأوضاع السياسية في مصر، وقالت رايس في إحدى خطبها "إن عدم تحقيق الإصلاح في مصر يضر مصالح الولايات المتحدة، وأن الأنظار تتجه إلى الانتخابات فيها بأمل أن تكون نزيهة ومفتوحة وتنافسية".

ولذلك، فما أن نجحت "الفزاَّعة الإخوانية" في تحقيق أثرها المبتغى خارجيا ووقوع الرئيس الأمريكي جورج بوش وأركان إدارته تحت حصارها إلى جانب غرقهم في مستنقع العراق وفشلهم في تحقيق أملهم بشرق أوسط كبير حتى بدأ نظام الحكم في التخلي تدريجيا عن خططه التي زعمها بهدف الإصلاح.

وأعقب ذلك قيام المتحلقين حول نجل الرئيس السابق جمال مبارك بالشروع في الإمساك بمقاليد الأمور بطريقة أظهرت نزعة فاشية مخيفة لم تظهر بوضوح تام إلا قبل أشهر على اندلاع ثورة 25 يناير، كما كانت عملية إجراء التعديلات الدستورية، التي شملت 34 مادة ليس من بينها أي من المواد الأساسية التي يتطلب الإصلاح تغييرها، مؤشرا قويا على ذلك.

مبارك امتداد لفرعون

تحت عنوان "الصيغة المملوكية في نظام مبارك" كتب د. وحيد عبدالمجيد في الفصل الأول من كتابه الجديد أن السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق شهدت اختلافاً في مشهد قمة السلطة فلم يعد الرئيس يمسك بجميع الخيوط بين يديه ويهيمن على كل كبيرة وصغيرة في البلاد. وإن ظل هو من يحدد الاتجاه، كما بقى هو "الكبير" الذى يتضاءل الجميع بجواره علنا وفى حضوره. ولكن هذا الحضور كان يتقلص فعليا.

وبحسب المؤلف فإن تراجع قدرات الرئيس السابق الجسدية والذهنية أثر بالضرورة على حضوره الذي كان طاغيا من قبل، مما أدى لخلق مساحات فارغة يتحرك فيها أصحاب نفوذ من بيروقراطية الدولة ورجال المال والأعمال سعيا لكل منهم لملأ ما يتيسر له من هذا الفراغ. ونتج عن ذلك خلق نمط من التفاعلات يقوم على تحالفات وصراعات متغيرة حكمتها العلاقات الشخصية والشللية وتقاطعات المصالح القديمة والمستجدة.


ميدان الثورة

ويشير عبدالمجيد إلى الاعتقاد الذي شاع في أن النظام السياسي المصري يحمل، منذ منتصف خمسينات القرن العشرين، سمات فرعونية فالرئيس المصري مطلق السلطة وفق نصوص الدستور منذ إصدار دستور 1956 وحتى أخر تعديل أجرى عام 2007 في دستور 1971. حيث يتولى الرئيس السلطة التنفيذية ويمارسها تفصيلا، إلى جانب هيمنته على السلطتين التشريعية والقضائية، في الوقت الذي يعتبر أيضا حكما بين السلطات وأبا للشعب يرعاه ويسهر على مصالحه.

ويقيم الدستور، على هذا النحو، نظاما فرديا مطلقا لا هو رئاسي ولا "برلماسى" .. نظام يدور حول الرئيس الفرد الذي يصبح كل ما عداه. ويؤكد عبدالمجيد على أنه ليس في إمكان أي شخص ممارسة هذه السلطات كلها بشكل حصري طول الوقت.

وبالتالي يتعين على الرئيس أن يمارس سلطاته وأن يحكم من خلال رجال قريبين إليه، وقد يكون بين هؤلاء من يؤدون المهمات المطلوبة منهم باعتبارها واجبا عليهم سواء تجاه الرئيس أو الوطن. ولكن لابد أن يكون بينهم أيضا من يؤدون هذه المهمات بما يحقق مصالح خاصة بهم.




جمال مبارك

مبارك الابن .. وحيتان المال

يسلط المؤلف الضوء في هذا الجزء من كتابه على جمال مبارك والذي عاد إلى مصر منتصف تسعينات القرن الماضي بعد فترة عمل في لندن باحثا عن دور مميز يقوم به، وكان حينها مبارك في منتصف فترته الثالثة بالحكم.

وعقب عودته بدأ جمال الاتجاه سريعاً إلى العمل العام، فأسس أو أُنشئت من أجله، جمعية اجتماعية عُرفت باسم "جمعية المستقبل". وحرص جهاز الأمن، على ضم مجموعات من الشباب إليها، وبين عامي 1998 و1999 شاع أنه يتجه إلى تأسيس حزب جديد يعتمد على الجمعية التي أنشئت من أجله ويحمل اسم "حزب المستقبل" لتكون هذه بداية نوع من تبادل السلطة بين حزبين رئيسيين على نسق النظام الحزبي البريطاني الذي كان هو مغرما به.

ويوضح المؤلف أن الحديث عن هذا السيناريو تبخر تماما عقب انتخابات مجلس الشعب عام 2000 حين فشل مرشحو الحزب الوطني الرسميون في الحصول على أكثر من 38 في المائة من المقاعد، بعد أن سقط معظمهم في مواجهة منشقين خاضوا تلك الانتخابات مستقلين. وكانت هذه الانتخابات هي الأولى التي أُجريت تحت إشراف قضائي كامل على عملية الاقتراع، وليس على مجمل العملية الانتخابية.

ومن هنا برزت صورة جمال مبارك كما لو أنه "الفارس" القادم على حصانه ليأخذ الحزب الوطني في طريق جديدة تحت شعار "الفكر الجديد"، بعد أن أصبح أحد أعضاء لجنة ثلاثية عقدت لقاءات موسعة في كثير من المحافظات لتحديد المشاكل التي تواجه الحزب وكيفية حلها، ثم أضيفت للهيكل التنظيمي الحزبي ما عرف بـ "الأمانة العامة للسياسات" وتفرعت عنها لجان نوعية موازية لتلك التى كانت موجودة أصلا .

وكان الهدف من وراء ما سبق هو بناء مكانة متميزة لمبارك الابن في قمة حزب السلطة، الذي لم يكن إلا جهازا من أجهزة نظام الحكم يعتمد على جهازيه الأمني والإداري أشد الاعتماد. وبدا المشهد، إذن، منذ البداية مرتبطا برغبة في ضمانة خليفة يرث السلطة وليس بتطوير حزب أو تحديثه.

ويرى المؤلف أن الشعار الذي اتخذه جمال عند إقامة الأمانة العامة للسياسات بالحزب الوطني وهو "الفكر الجديد" لم يكن إلا غطاء لتسويغ الزواج بين السلطة والثروة وما اقترن به من تغير في أنماط التفاعلات داخل نظام الحكم.

وكان تشكيل حكومة أحمد نظيف الأولى فى يوليو 2004 بداية نقطة تحول أخذت معالمها تكتمل مع توزير بعض حيتان المال والأعمال ووضع موارد الدولة بين أيديهم، بعد أن صاروا هم الرافعة الأساسية لمشروع التوريث، الذين أخذوا في الترويج له.



بقلم / مي كمال الدين

Wednesday, May 11, 2011

هموم ضاحكة


"الضحك سلعة أساسية في مصر، والنكتة من الصناعات الثقيلة التي اشتهرت بها مصر والتي يتم تصدير انتاجها بالكامل للخارج" ويتساءل يوسف عوف الكاتب الذي رحل عنا منذ عامين ونحتفي بذكراه : لماذا انتكست صناعة الضحك في مصر؟ هل تم تأميمها أم أن ثقب الأوزون والزحام والأزمة الاقتصادية قد زادوا من جرعة الاكتئاب ؟

وفي كتاب يوسف عوف "هموم ضاحكة" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، يعد المؤلف رؤية نقدية باسمة لبعض سلبيات المجتمع تكشف كثيراً من المواقع والشخصيات على حقيقتها، كما تلقي الضوء على بعض السلوكيات والعادات المرفوضة.

طعام مصري فاتك

يورد عوف في بداية هذا الفصل المثل القائل "طبعك والا اشتريته" والمقصود به أن المخاطب قد شب على طبع معين من زمن ومن الصعب تغييره، وهكذا كل المصريين فقد توارثوا طباعهم وأصبح من الصعب تغييرها.

يحكي الكتاب عن سيد كامل المتزوج من سويدية أتى بها إلى مصر لتعيش مع أسرته المكونة من والدته وأخواته البنات وتُصدم الوافدة الجديدة من تقاليد المصريين في الطعام، منها دسامة الطعام أو كمياته الكبيرة .

تعيش الزوجة على الجبن والبيض فقط، فيقترح زوجها أن تتولى هي الطبيخ يومياً، وبالفعل يحدث وتطبخ لهم فيليه وبطاطس بيريه وخضار سوتيه فيكون يوماً أسوداً على العائلة وينقلب البيت إلى مناحة، وتقول والدته عنها أنها من أسرة "غلابة" ما عندهمش جمعيات استهلاكية زينا فهم لا يعرفون السمن!.

وتلاحظ الزوجة السويدية أن الاحتفالات في مصر تقتصر على الطعام، فمثلا في عاشوراء يتم تبادل أطباق للطعام، وحين تسأل زوجها عن مناسبة هذا العيد يكتفي بالرد قائلاً: ما اعرفش أنا كل اللي اعرفه أننا بناكل فيه عاشورة، وهكذا في ليلة 27 رجب، وفي النصف من شعبان، وفي كل مرة تنتظر أن يفعلوا شيئاً بعد الطعام أي شئ يفيد أن هناك احتفالاً أو عيداً ولكن لا يحدث سوى الطعام فقط.

تصاب الزوجة السويدية بفاجعة في شم النسيم عندما تراهم يأكلون الأشجار وتقصد بها الكرات، والحلبة، والملانة وتكون الطامة الكبرى عند فتح صفائح الفسيخ والسردين، وتصرخ من الرائحة، ثم تلجأ الزوجة إلى سفارتها لتحتمي بها بعد ما حدث في عيد الأضحى حين وقفت مع أسرة زوجها في المطبخ، فتشاهد إحداهن بتنظيف الكرشة، بينما تقوم الأخرى بغسيل الأمعاء لزوم الممبار، أما الثالثة فتقطع اللحم بالساطور، ثم تقوم بتحمير الكبد والكلاوي لزوم الإفطار.

ترفع السفارة باسم الزوجة دعوى طلاق بسبب التضرر من الطعام، فترفض المحكمة الدعوى لأنه لا ضرر ولا ضرار في الطعام المصري!.

ولا تجد الزوجة بداً من أن تعتاد الطعام المصري ويصل بها الحال في النهاية إلى أن يتحول جسمها إلى النمط المربع ويظهر لها "كرش" وتمنح الجنسية المصرية ويصبح اسمها تفيدة!.

   
    مصر       

مهرجان يومي

يقول عوف في كتابه أن المواطنين يختلفون في أمور كثيرة، ولكنهم يجمعون على أمر واحد بل يشاركون في تحقيقه وهو المهرجان اليومي الكبير للقمامة وذلك انطلاقاً من المفاهيم التالية:

- الشارع هو المكان الطبيعي لإلقاء القاذورات والفضلات بعيداً عن صناديق الزبالة والأقفاص المعلقة حيث أنها أملاك للدولة كتب عليها "حافظوا على نظافة مدينتكم" لذا يجب عدم المساس بهذه الأقفاص لتظل نظيفة.

- الرصيف مقام خصيصاً لكي يستوعب زبالة المحلات ومواد بناء العمارات وورش السيارات وباعة الفانلات، وممنوع أن يزاحمهم فيه المشاه.

- جميع الشرفات والنوافذ "نوافذ البيوت والسيارات والقطارات" عبارة عن فتحات مخصصة لكي تنطبق منها قذائف المهملات وفضلات الأطفال ومياه الغسيل.

- داخل البيوت الزبالة مسئولية ساكن الشقة، وبمجرد إخراج الصحيفة من الشقة تتبعثر المسئولية على سلم العمارة.

- الطرقات المظلمة وأسفل الأشجار وخلف الأكشاك هي دورات مياه فلكلورية بديلة للحكومية التي أزيلت من زمن.

- المناور في العمارات عبارة عن فراغات هندسية أنشئت خصيصاُ لكي تكون قناة اتصال ووسيلة تعارف بين ساكن الدور العلوي وساكن الدور الأرضي، وذلك بأن يلقي الأول على الأخير يومياً بتحية الصباح مجسدة في حلة طبيخ بايت.

- مصر هي هبة النيل، والزبالة هي هبة مصر للنيل.


أزمات متجددة

-ينتقد الكاتب الساخر يوسف عوف قرارات الدولة، ومنها بيع القطاع العام فيقول، وجد جحا أن النمل يلاحق برطمان السكر في كل مكان، فشطب كلمة سكر من عل البرطمان وكتب بدلا منها ملح حتى يبعد عنه النمل.

وجدت الدولة أن الفشل يلاحق القطاع العام في كل أعماله فشطبت كلمة "العام" وأطلقت عليه بدلا منها اسم قطاع الأعمال حتى تبعد عنه الفشل.

ومن القطاع العام إلى رؤساء المؤسسات يقول: لا يجب أن نسئ الظن برئيس مؤسسة يسافر إلى الخارج وبصحبته جميع أعضاء مجلس الإدارة على حساب المؤسسة، فقد اتضح أنهم يقومون بجولة بين ربوع أوروبا وأمريكا لدراسة أنجح الطرق وأحدث الأساليب المتبعة هناك في ضغط المصروفات وترشيد الإنفاق!!.

وينتقد الكتاب ديكتاتورية الحكام حين يقول أن هناك صفة غريبة تنفرد بها دول الجنوب "العالم الثالث" دون دول الشمال، وهي أن الحاكم فيها لا يترك كرسيه إطلاقاً إلا في حالة من ثلاث: اغتيال أو انقلاب أو موتة ربنا!.

وفي ظل أزمة الإسكان المستحكمة وأثناء قيام تربي بدفن ميت فشل طوال حياته في العثور على سكن يؤكد التربي أنه سمع الميت بعد أن وسده التراب وهو يتنهد ويقول الحمد لله أخيراً لقيت أربع جدران يلموني، الظاهر أن الواحد في البلد دي لازم يموت عشان يسكن!.


بيروقراطية!!

يقول عوف أن الشوك يزرعه المنحرفون، والشرفاء فوقه يمشون، هذه المقولة تظهر أكثر ما تظهر في قوانين ولوائح الدولة، فكل مواطن في نظرها لص أو كاذب إلى أن يثبت غير ذلك.

والسبب هو استغلال المنحرفين لثغرة ما في هذه القوانين لصالحهم، فتقوم الدولة بإجراء تعديل في المادة أو إصدار قانون جديد لسد هذه الثغرة.
فيزداد التعامل معها تعقيداً ويعاني منه الشرفاء، وفي نفس الوقت يبحث المنحرفون عن ثغرة أخرى في القانون لكي يحققوا من خلالها أمراً لصالحهم.

وهكذا تتراكم القوانين واللوائح فتتعاظم البيروقراطية التي يتعثر فيها المصريون "موظفون ومتعاملون" بيبنما تستمر لعبة القط والفأر بين الحكومة والمنحرفين.

ويبرهن الكاتب على ذلك بما حدث للأستاذ مظلوم حين ذهب ليقبض معاشه، ولم يجده وطلب منه الموظف مراجعة التأمن والمعاشات، ويقضي الأستاذ مظلوم نحبه أثناء رحلة بحثه عن استيفاء الأوراق، وحين تذهب زوجته بكل الأوراق لتحصيل معاشه بعد وفاته، يطلب منها الموظف شهادة من اتنين موظفين تفيد بأن المرحوم ليس على قيد الحياة!!.

يذكر أن الكاتب المصري يوسف عوف كان زوجًا للفنانة خيرية أحمد، ومن أهم أعماله:     برنامج "ساعة لقلبك"، مسلسل "ألوان"، مسلسل "صباح الخير يا جاري"، مسلسل "ساكن قصادي"، فيلم "عالم عيال عيال"، مسرحية "هاللو شلبي".

ومن أعمالة الكتابية: "كرسي في الكلوب"، "مش معقول"، "عجايب"، "هموم ضاحكة"، و" ها يجننونى".

 بقلم / سميرة سليمان

Wednesday, May 04, 2011

الإستبداد وتجارب العصيان الشعبي في "رواق عربي"

 
 
بالرغم مما قدمته المقاومة المدنية من نماذج ناجحة في عدة أماكن من العالم مثل تركيع الاحتلال الإنجليزي في الهند وإرهاق السلطة العنصرية في جنوب إفريقيا فإن هذا النوع من المقاومة لا يلقى اعترافاً عريضاً من قبل غالبية المؤرخين والذين يصبون جل اهتمامهم على الكفاح المسلح في تاريخ الشعوب.

حيث ينظر للمقاومة المدنية من قبل الكثيرين على أنها "طريق العاجزين" الذين ليس بوسعهم أن يحملوا السلاح، أو هي الخيار المتاح حين تدرك الجماهير أن كلفة العمل المسلح باهظة ونتائجه غير مضمونة.

 هذا ما أشار إليه د.عمار علي حسن في دراسته التي تضمنها العدد الـ 56/ 57 من كتاب "رواق عربي" وهو غير دوري يصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان .

وفي دراسته التي حملت عنوان "النضال المدني من الغمغمة إلى العصيان" استعرض د. عمار أهم ثلاث تجارب في هذا المجال في العالم "المهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا، ومارتن لوثر كينج".

وعرف عمار أساليب المقاومة المدنية المختلفة بأنها "الاحتجاج السلمي المباشر ضد أفعال وسياسيات الخصوم وترمي لحرمانهم من السيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة أو ردع من بيدهم الأمر عن اتخاذ قرارات أو أفعال تضر بمصلحة الجماهير".

وتعتمد المقاومة المدنية على ثلاثة أشكال رئيسية "اللاعنف" يتمثل في صور رمزية قولا وفعلا لمعارضة الخصم مثل الاضرابات والإعتصامات والمظاهرات والعصيان المدني وتنظيم المسيرات وتدبيج بيانات الرفض وغيرها.

أما النوع الثاني فيتمثل في "عدم التعاون" أو المقاطعة السياسية والاقتصادية والإجتماعية وذلك من قبيل رفض التحالف مع الخصم والإمتناع عن تأييده ومقاطعة الإنتخابات وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية، ورفض الوظائف التي تعرضها السلطة، وفي الحالة التي يكون فيها الخصم طرفا خارجياً أو دولة أجنبية تأخذ المقاومة نطاقا أوسع مثل الإنسحاب من منظمات دولية وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها.



    
    اضراب عمال جزائريون        


ويتمثل الشكل الثالث من المقاومة المدنية في "التدخل غير العنيف" نفسياً من خلال تصرفات كالتعريض بالأعداء وفضحهم والصيام وممارسة الضغوط الأخلاقية، والمضايقات غير العنيفة، وإقامة أسواق بديلة وإنشاء مؤسسات اقتصادية مغايرة، وإبداء عدم الخوف من السجن، وممارسة الأعمال اليومية دون التعاون مع الخصوم أو المحتلين، وعدم إطاعة القوانين المعمول بها وتشكيل حكومة موازية.

ومن التجارب العربية في المقاومة المدنية والتي نجح بها الأجداد في مقاومة المستعمر الغاشم وقيادة العديد من البلاد العربية نحو الاستقلال والدستور، تجربة سعد زغلول ورفاقه في ثورة 1919 المصرية بعد أن فوضهم الشعب عبر مليوني توقيع ليتحدثوا باسمه في المطالبة باستقلال البلاد.

واعتمد المصريون على ثلاث وسائل أساسية في مقاومتهم المدنية الأولى "المقاطعة" مثل مقاطعة طلبة مدرسة الحقوق لزيارة السلطان العثماني الموالي لبريطانيا لمصر عام 1915، كذلك المقاطعة الشعبية التي  نظمها حزب الوفد للجنة ميلنر التي جاءت إلى القاهرة في ديسمبر 1919 ورفض المصريون التعاون معها أو مساعدتها في تأدية مهمتها، وبالتالي غادرت في النهاية وهي متأكدة أن الأحكام العرفية لم تعد مقبولة للشعب المصري.

وتمثل الأسلوب الثاني في "التظاهر" والذي بدأ عام 1916 احتجاجاً على قيام بريطانيا بإعلان مصر محمية بريطانية وفرض الاحكام العرفية، بينما تجلى التظاهر في أقوى صوره عام 1919 احتجاجاً على نفي سعد زغلول.

كذلك اعتمد المصريون على أسلوب "الإضراب" الذي أصبح مكوناً أساسياً من مكونات النضال المصري أنذاك فبعد واقعة اعتقال سعد زغلول عمت الاضرابات العديد من المدن المصرية بادئة بالطلاب والمحاميين ثم لحق بها عمال البريد والترام والسكك الحديدية وتبعهم موظفو الحكومة.

أما التجربة العربية الثانية فهي الانتفاضة العراقية عام 1948 ضد الإنجليز حين احتج العراقيون على المعاهدة التي وقعها رئيس الوزراء صالح جبر سرا في بوتسمورت ببريطانيا والتي تقضي باستمرار النفوذ البريطاني في العراق وإقامة قواعد عسكرية دائمة في أرض الرافدين، وحينها خرج طلاب كليتي الحقوق والهندسة في مظاهرة عارمة وعمت الاضرابات بقية الكليات وانضم العمال إلى الطلاب وتواصلت المظاهرات يومياً للمطالبة برحيل جبر .

وقرر الأخير مواجهة المتظاهرين بالقوة الامر الذي أسفر عن سقوط أكثر من 100 شهيد، إلا أن المتظاهرين تدفقوا إلى الشوارع وواجهوا الشرطة ببسالة فانهارت معنوياتها ورفضت تنفيذ أوامر جبر الذي لم يجد بد سوى الاستقالة، ثم
    
            

واصلوا الاحتجاج حتى تم إلغاء المعاهدة.
    
            


تجربة عربية أخرى في النضال المدني اتضحت في الإضراب العام الذي شهدته فلسطين عام 1936 احتجاجاً على الانتداب البريطاني والهجرة المنظمة لليهود إلى فلسطين لاقامة دولة على أراضيهم.  وقد مهد هذا الاضراب لثورة استمرت ثلاث سنوات كان الكفاح المسلح فيها حاضراً بشدة لكنه ترافق مع حالات نضال غير عنيف وضعت بذرته الأولى في عشرينات القرن المنصرم وتمثلت في الكتابات المناهضة لتوطين اليهود وإرسال الوفود إلى لندن لتقديم صورة لما يجرى على الأرض من قتل وتدمير على أيدي العصابات الصهيونية وشرح المطالب الفلسطينية العادلة.

وفي العشرين من أبريل 1936 تم تشكيل لجان وطنية لتنظيم الإضراب في نابلس ويافا وامتد إلى بقية المدن الفلسطينية، أعقبها تشكيل اللجنة العربية العليا المشرفة على الإضراب التي دعت في 7 مايو من خلال مؤتمر للجان الوطنية إلى عصيان مدني لشل عمل الجهاز البيروقراطي، وإثر ذلك توقف العمل في جميع المصالح والهيئات وانقطت وسائل الاتصال العربية، وقد أثر الإضراب تأثيراً ملموساً في المصالح اليهودية وفي المقابل اعطى دفعة لكفاح الفلسطنيين وأجبر الإنجليز على الاعتراف بمطالبهم وعلى التخلي عن الانتداب وخطة التقسيم وان كان لم يفلح في وقف الهجرة اليهودية لفلسطين.

كذلك ظهر هذا النوع من المقاومة في الانتفاضات السبع التي قام بها ابناء الشعب الفلسطيني الصامد وكان أخرها انتفاضة الأقصى عام 2000 ولم يفقد الفلسطنيون طيلة تاريخهم الطويل الثقة في جدوى المقاومة المدنية.


حقوق الإنسان المصري
    
            


تحت عنوان "مشكلة حقوق الانسان في مصر.. إرداة سياسية أم الإسلام" قدم بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان دراسة عن وضع الحريات في مصر.

 ويرى حسن أن النظام السياسي التسلطي الذي عانت منه مصر منذ عدة عقود تعود جذوره إلى ثورة 23 يوليو 1952، حيث شيد الضباط الأحرار أركان نظام سياسي استبدادي يقوم على حكم الفرد، وتم الإطاحة بدستور عام 1923، ورفضوا مشروع دستور 1954 الليبرالي الذي وضعته هيئة شكلها ضباط يوليو بأنفسهم، ثم قاموا بوضع دستوراً في عام 1956 بهدف إضفاء الشرعية على النظام الجديد.

كما شهدت الفترة التي تلت ثورة يوليو إلغاء الأحزاب السياسية، وتقييد النقابات المهنية، والاستيلاء على النقابات العمالية بعد إعدام اثنين من القيادات العمالية في العام الأول من الثورة، ثم تأميم الصحافة عام 1961، ومحاصرة الجمعيات الأهلية ثم إصدار قانون عام 1964 يقنن خضوعها للسيطرة الحكومية.

 كذلك تم ممارسة ضغوط عنيفة على النظام القضائي والقضاة ظهر ذلك من خلال إجراء تعديلات تعسفية على النظام القضائي وإنشاء محاكم موازية استثنائية عسكرية وشبه عسكرية لمحاكمة خصومهم السياسيين، وبلغ الأمر ذروته بما عرف "بمذابح القضاة" عامي 1954، و1968 حيث تم فصل عدد كبير من القضاة الذين رفضوا التدخل السياسي في شئون القضاة.

كذلك فرض النظام الاستبدادي سيطرته على الحرية الأكاديمية فتم فصل العديد من الأساتذة الجامعيين الذين اعتبروا خصوماً فكريين لنظام يوليو، وعانت الجماعات السياسية مثل الإخوان المسلمون واليساريون وخاصة الشيوعيين منهم من القمع وحملات الاعتقال والتعذيب دون محاكمة.

يؤكد بهي الدين حسن في دراسته على أن من أبرز نتائج ثورة يوليو 1952 صعود الدور الإستثنائي لأجهزة الأمن في إدارة الحكم، حيث صاحب تحول مصر من نظام ملكي إلى نظام جمهوري تحول أكثر أهمية وهو القضاء على الاستقلالية النسبية التي كان تتمتع بها السلطتان التشريعية والقضائية، لحساب
    
    ثورة يوليو         

هيمنة السلطة التنفيذية عليهما، والتحول إلى نمط حكم الفرد "الرئيس".
    
    ثورة يوليو         


 ويرى بهي الدين حسن إن رئيس الجمهورية في ظل نظام يوليو الجمهوري كان وظل حتى وقت قريب يتمتع بسلطات أكثر "ملكية" من السلطات التي كان يتمتع بها الملك في العهد الملكي الذي "اسقطته" ثورة يوليو.

كذلك فإن الخلل الهيكلي في بنيان نظام الحكم في أعقاب ثور يوليو كان المصدر الرئيسي ليس فقط لشيوع وتسهيل الاعتداء على حقوق الإنسان بل صعوبة محاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات نتيجة لتهميش دوري السلطتين التشريعية والقضائية.

وعانى البرلمان بدوره من التقزيم حيث منع من محاسبة رئيس الجمهورية أو مساعديه بينما يستطيع الرئيس حل البرلمان، والذي ظهر كأداة لمنح تفويضات مطلقة للرئيس أو نافذة ملحقة بالسلطة بالتنفيذية يجري من خلالها تمرير التشريعات التي جرى إعدادها سلفا في المطبخ الحكومي.

ومن مظاهر تدهور حقوق الإنسان كما يرصدها د. بهي الدين، استخدام قانون الطوارئ بشكل موسع خلال الأعوام 2005 – 2008 ضد الناشطين في حركات الاحتجاج الإجتماعي والبلوجرز وإحالة بعضهم لمحاكم أمن الدولة "طوارئ" برغم أنه لم توجه إليهم تهمة الإتصال بالإرهاب، إلى جانب الإعتداء على الصحفيين والمدونين وقنوات الإعلام المستقلة.

كذلك وصفت تقارير الأمم المتحدة ممارسة التعذيب في مصر بأنها تجري بشكل روتيني وومنهج وهو ما تؤكده ايضاً تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والمصرية.

يذكر أن عدد "رواق عربي" احتفى بالكاتب الراحل د.نصر حامد أبو زيد فكتب حلمي سالم عن "حامد .. حدوتة مصرية" بينما كتب د. علي مبروك مقالا عن علاقة الكاتب بالسلطة ، في حين ناقش د. رضوان زيادة علاقة نصر بنقد الفكر الديني .

 بقلم / مي كمال الدين

Tuesday, May 03, 2011

عذاب المسلمين في أسبانيا


درت حديثاً الترجمة الدنماركية لكتاب "يد فاطمة" وذلك عن الأسبانية، والكتاب من تأليف إيلدوفونسو فالكونس والذي يتناول فيه مرحلة هامة من تاريخ المسلمين والعرب في إسبانيا، وهي المرحلة التي كان المسلمون فيها يجبرون على الدخول إلى المسيحية عنوة، ومن يرفض يلاقي كافة أشكال العذاب.


وبحسب صحيفة "الوطن" السعودية ركز المؤلف في الكتاب على مدينة "جرانادا" والتي كانت شاهدة على مرحلة من العذاب خلال حقبة من الزمن تعود لعدة قرون لا تتجاوز الخمسة كان المغاربة المسلمون الضحية الأولى والأكثر لظلم الإسبان.

يقول المؤلف "إن معظم المغاربة المسلمين اعتنقوا النصرانية تحت ضغط التعذيب وتهديد بالقتل، وكان ملوك الإسبان والقساوسة يلاحقونهم في كل مكان بعد أن سيطروا على معظم إسبانيا، ويسرقون أموالهم ومساكنهم في حال عدم رضوخهم لاعتناق النصرانية".

ويجسد الكتاب - بحسب "الوطن" -عذابات حياة عائلة "حميد" المسلمة من أصول مغربية، والتي اعتنقت النصرانية عنوة ظل الأب يعلم أبناءه العقيدة الإسلامية رغم مقتل زوجته "فاطمة" على أيدي رجال الدين لعدم ركوعها وخضوعها لهم بعد أن اتهمت بالسرقة وقطعت يدها، فاطمة التي جسدت روح الصبر والعزيمة والتمسك بالعقيدة.

كذلك يصحبنا الكاتب إلى زمن العصر الروماني الذهبي من حيث العداوة بينهم وبين المغاربة الذين كانوا يحاربون إلى جانب الإسبان وهانيبعل إلا أن المغاربة المسلمين رغم اعتناقهم النصرانية مرغمين بقوا سرا يؤمنون ويدينون بالإسلام ويحتكمون إليه، رغم معاناتهم .

كذلك وصف الكاتب الكنيسة الكاثوليكية بصورة قاتمة في إسبانيا، ساردا أشكال التعذيب التي كانت تستخدمها ضد المسلمين كالحرق والجلد.

Monday, May 02, 2011

قصة حياة بسمارك موحد ألمانيا

 صدر كتاب " بسمارك.. قصة حياة" الذي كتبه جوناثان شتاينبرغ المؤرخ الأكاديمي عن الزعيم والسياسي الألماني الشهير "أوتوفون بسمارك" عن مطبعة جامعة أكسفورد، لندن،?2011، في 577 صفحة.

يعد هذا الكتاب وفق عرض محمد الخولي في صحيفة "البيان" الإماراتية دراسة تحليلية مسهبة التفاصيل كتبها الذي دخل تاريخ بلاده والعالم أيضا بوصفه البطل المؤسس للإنجاز الوحدوي الذي تحولت به ألمانيا من ?39 كيانا مستقلا ذا سيادة حيث أصبحت دولة فيدرالية مرهوبة الجانب وقادرة منذ توحدها في ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر، على أن تدخل عالم القرن العشرين بوصفها كيانا متطورا في مجالات الصناعة ومضمار التحديث ودنيا الإبداع الفني والبناء الثقافي.

لقد نشر كيسنجر مؤخراً عرضا تحليليا لهذا الكتاب، سواء بوصف بسمارك وزيرا رئاسيا لألمانيا منذ تعيينه في ستينات القرن ?19، أو بوصفه المهندس الأول لتجربة الوحدة الألمانية التي خاضت غمار الأحداث التاريخية عبر سنوات خلت من القرنين التاسع عشر والقرن العشرين: ما بين نجاح التجربة الوحدوية إلى تحمّل ويلات حربين عالميتين (?1914 و?1939) إلى تقسيم ألمانيا الموحدة سابقا في دولتين إلى الشرق والغرب ثم إلى لحظة باهرة أخرى شهدها بالذات عام ?1989، حيث سقط الجدار الفاصل بين شطري برلين العاصمة ومن ثم عادت ألمانيا الموحدة إلى خارطة أوروبا لتستعيد مكانتها ودورها ولتصبح موضوعيا أقوى كيان اقتصادي في وسط القارة الأوروبية وفي غربها على السواء.

كان بسمارك، كما يوضح الدكتور كيسنجر، في تحليله لهذا الكتاب أقرب إلى عالم الفيزياء، بمعنى أنه كان يتناول المشكلة السياسية ، ويخضعها إلى مقاييس الدرس والاختبار والتحليل الموضوعي ثم يخرج منها بعدد من الخيارات المطروحة بشكل متوازن يستعرضه على البارد كما يقولون.

?28 عاماً أمضاها أوتوفون بسمارك في موقع الوزير الأول، المستشار لألمانيا، التي تسلمها دوقيات ودويلات مشتتة ثم كافح من أجل بنائها إلى حيث أصبحت دولة كبرى وموحدة.

وبحسب "البيان" يقول المؤلف: إذا ما عاودنا الإطلالة على سيرة الرجل، من منظورنا في الوطن العربي والعالم الثالث ، لحمدنا له أنه لم يورط بلاده بالمشاركة في المد الإمبريالي الذي كان "موضة" شائعة في زمانه ، وخاصة من جانب جيرانه في أوروبا الغربية ، فرنسا وانجلترا على وجه الخصوص ، بل يحسب له أن رفض صراحة أن يرسل قوات لاستعمار افريقيا مؤكدا أن بناء ألمانيا الموحدة هو مشروعه الوحيد.


منقول 

Friday, April 22, 2011

"7 أيام في التحرير" أول رواية عن ثورة مصر

"7 أيام في التحرير" هو عنوان أول رواية عن ثورة 25 يناير، كتبها هشام الخشن، وأصدرتها الدار "المصرية اللبنانية" وتتناول الخلفية الاجتماعية للثورة في قالب روائي مشوِّق وجذاب.

يركز المؤلف على شخصيات عايشها خلال الثورة وهم من منطقة واحدة بشارع حسين حجازي بالقصر العيني القريب من ميدان التحرير، ولكنهم من مشارب متنوعة؛ ففيهم الإخواني والقبطي، ورجل الأعمال، وعضو الحزب الوطني المتنفذ، والشاب الثائر وطالب كلية الشرطة.

يشكل شارع حسين حجازي مسرحًا للأحداث؛ حيث يتوالى ظهور الشخصيات فيه تباعًا، ومع دخول كل شخصية يقدِّم المؤلف لمحة جسمية ونفسية وبعض عوالمها الإنسانية، ودوافعها للاشتراك في الحدث الكبير في ميدان التحرير؛ حيث ما تلبث أن تلتقي جميع الشخصيات هناك؛ ليلعب كل منهم دوره المنوط به.

الالتقاء في المظاهرات في ميدان التحرير يشبه لحظة الانصهار أو المطهر للجميع؛ حيث ينسى الجميع خلافاتهم واختلافاتهم، فرامز الشاب القبطي يتجاوز حواره وخلافه مع أمين عضو جماعة الإخوان المسلمين حول حقوق الأقليات، ويتحدى رغبة والده في عدم الخروج، ويندمج مع جيرانه في الثورة، ويهرب من والديه اللذين هاجرا إلى كندا في قلب الأحداث.

اللحظة الكبيرة جعلت الجميع ينسى ماضيه ولا يفكر إلَّا في مستقبل مصر. وفي لحظة الخلاف داخل الميدان، ينطلق الشعار الذي يوحد الجميع : تحيا مصر.

ونظرة على بعض شخصيات الرواية كفيلة ببيان جدتها في التعامل مع الحدث : فباسم وشيرين، شابان مصريان يرتبطان بعلاقة عاطفية، وهما من المنظمين للحدث الكبير، وحولهما وبهما تلتقي جميع الشخصيات من خلال قوة الدفع والإقناع التي يملكانها.

وحولهما تنتظم غالبية الأحداث. ثم يظهر على المسرح عضو الحزب الوطني "عبد الحميد" المتزوّج من إلهام عرفيًّا، بمباركة أهلها؛ حيث شكل لها مخرجًا آمنا من الفقر، وعندما تأتي أحداث الثورة تغلب عليه طبيعة الانتهازية، فيهرب من مصر على أول طائرة إلى الخارج مع أسرته الأولى؛ لتجد إلهام نفسها مدفوعة بقوة قهرية، تحت إحساس الوحدة والقهر إلى الاشتراك في الثورة، لتكتشف الوهم الكبير الذي تصورته خلاصًا مع عضو الحزب الوطني، فتمر بلحظات التطهر والانشقاق في قلب الحدث الكبير.

   
    ثورة مصر        

ومع توالي ظهور شخصيات العمل، يطل سماحي حليم المحامي القبطي وأسرته المتدينة ماجد الطبيب المهاجر إلى كندا، ورامز الطالب المتفوق وأول دفعته في كلية الحقوق، وينتظر التعيين في النيابة لكنه لن يناله لأنه قبطي، ومع تصاعد أحداث الثورة، تهرب الأسرة الأم والأب إلى كندا، لكن رامز يصر على البقاء ويهرب من والديه في المطار، عائدًا إلى ميدان التحرير؛ حيث وجد نفسه وكينونته، وشعر بأنه مواطن مصري للمرة الأولى في حياته، ويظل في الميدان لا يغادره إلَّا مع تنحي الرئيس.

ومن أهم الشخصيات في الرواية تأتي شخصية شريف طالب كلية الشرطة، الذي اكتشف زيف أخيه عادل ضابط أمن الدولة الكبير، ومع تشابه الأحداث وتعقدها ينخرط في ميدان التحرير، وفي يوم الأربعاء وبعد موقعة الجمل الشهيرة يتخذ قراره الصعب بالاستقالة من الكلية ويحوِّل أوراقه إلى كلية الحقوق، فطوال الأحداث كان ضابط أمن الدولة يسخر من المتظاهرين أمام أخيه عادل ويخبره أنه "لا وقت لديهم لعصابة حمادة وتوتو وشلة هيثم وتمورة التي تكافح على الفيس بوك، وغالبًا سيرسلون لهم قوات خاصة سلاحهم الأساسي هراوات من النايلون حتى لا تفسد تسريحة شعرهم".

ثم تأتي شخصية خالد السيد وزوجته الأمريكية "كارول" وطفلاهما آدم وسارة، وخالد هو الشخص العصامي الذي شق طريقه بمفرده وبمجهوده وكفاحه حتى صار من أكابر رجال السياحة في مصر، لديه ?يلا في القطامية، وأخرى في العين السخنة، وبرغم نشأته الفقيرة، فإن موقفه من الثورة ظل يراوح بين الرفض والتأييد مع صعود الأحداث وهبوطها، إلى أن يحسم أمره بالانخراط فيها.

   
    الملايين في ميادين مصر       

وأخيرًا تأتي شخصية عبد الله، أحد شباب الإخوان الذي أتته التعليمات من قياداته بعدم المشاركة في وقفة الغضب يوم 25 يناير بصفتهم أعضاءً منتمين لجماعة الإخوان، وإن كان ليس هناك مانع من المشاركة بالصفة الشخصية لأي عضو منهم .. تحسبًا للخشية من ممارسات قديمة بينهم وبين أمن الدولة أو إحساسًا غير واثق من نجاح هذه الوقفات الاحتجاجية ، فيدفعون ثمنها عواقب وخيمة ..
فنجده يقول لباسم حين دعاه للمشاركة "البركة فيك وباقي الشباب تقفوا عنا .. أدعو لك بالتوفيق إن شاء الله".. وهو موقف لا يختلف كثيرًا عن موقف عائلته فالوالد آثر استخدام مبدأ التقية حين اختار النفي الاختياري في السعودية.

لكن حماسة الهتاف وموقف باسم البطولي الشخصية الرئيسية في الرواية، والإيمان الداخلي الشديد لدى عبد الله، بأن انتماءه إلى هذه الأرض وهذا الوطن أكبر بكثير من أي انتماء آخر يدفعه إلى قلب ميدان التحرير، وعندما بدأ يهتف متناسيًا صفته الشخصية ومتذكرًا انتماءه إلى الإخوان، لم يستجب المتظاهرون لصياحه : إسلامية .. إسلامية، ويهتفون : مدنية .. مدنية ، يخرج من المظاهرة ويعود إلى موقف المتفرِّج، ثم يتجلى الانتماء الأكبر في إسراعه إلى إنقاذ المتظاهرين من سطوة الأمن الذي كاد أن يحسم الأمر لصالحه، فيعود  إلى المشاركة في إنقاذ الثورة وتأكد نجاحها.

وهكذا تختار الرواية شخصياتها بعناية في محاولة لفهم هذا الحدث الكبير ودوافع المشاركين فيه، وهي شخصيات تعبر عن كل أطياف المجتمع المصري، لذلك كان النجاح طيفًا للثورة، وطيفًا للرواية التي هي الثانية للمؤلف هشام الخشن بعد روايته  "ما وراء الأبواب".

منقول