Saturday, May 21, 2011

"زعماء وعملاء"


يحاول الحاكم العربي أن يصدر نفسه لأبناء شعبه على أنه راعيهم، وحامي حماهم، ومن ثم لا حاجة لأن يفكروا أو يعملوا لأنه يقوم بذلك بالنيابة عنهم، وفي النهاية تصبح الشعوب العربية لا حاجة لديها لأن تربح، لأن الحاكم يربح بالنيابة عنهم أيضا!.

هكذا يقدم الصحفي المصري محمد الباز لكتابه " زعماء وعملاء: الخيانة والفساد على فراش الحكام العرب" والذي صدر قبل أكثر من عامين عن دار "كنوز" ولكنه يتضمن معان مفيدة في نظرتنا للحكام العرب، وموقف الشعوب منهم المتراوح بين السخرية اللاذعة والعزاء.

نكتة الحكام

قبل حرب العراق، كان موقف الحكام العرب صادمًا للجميع، حيث بدا الجميع مسلوبي الإرادة غير قادرين حتى على التصريح بالرفض.. ولذلك اقتربت النكتة من أثوابهم وأشعلت فيهم النار ولم تدع أحدًا ليطفئها، ومن تلك النكات أن حاكما عربيا وجد مصباح علاء الدين ولما خرج له العفريت قال له الحاكم: عاوزك ترجع لي أبويا اللي مات من عشر سنين فقال له العفريت هذا صعب جدًا فقال له الحاكم طيب أنا عاوز أكون حاكم محبوب لكل الشعب، رد عليه العفريت ساخرًا: لا أجيب لك أبوك أسهل!.

هكذا قالت النكتة رأيها بصراحة فالشعوب لا تحب حكامها بل تدعو عليهم كل صباح وترجو من الله أن يستجيب لدعائها.

أيضاً لم يترك الشعب المصري أحدا إلا وجرحه بالنكتة حتى الذين أحبهم، وهو ما جعل عبد الناصر نفسه يتوتر، فبعد أن أعلن أنه سيتنحى ألهبه الشعب المصري بالنكتة للدرجة التي دفعته لأن يطلب من المصريين أن يخففوا من التنكيت، من تلك النكات قيل: ثلاثة لا يدخلون الجنة، شمس بدران، وعبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر، الأول ترك الجيش بدون عدة والثاني مات حبا في وردة، والثالث تنحى وقت الشدة!.

ومنها ما يدل على ديكتاتورية عبدالناصر، فنرى نكتة تقول : التقى صديقان أيام عبد الناصر فبادر أحدهما الآخر: هل علمت أن فلانا خلع ضرسه من أنفه، فرد عليه ولماذا لم يخلعه من فمه؟ فقال له هو حد يقدر يفتح فمه!.

لم يتغير الأمر في عهد السادات، فقد أطلق المصريون كما يشير الكتاب كما هائلا من النكت على السادات، ومنها أن عبد الناصر جاء للسادات في المنام وقال له: يا أنور، فرد عليه أفندم ياريس، فقال له إنت بتقول إنك عملت تنظيم الضباط الأحرار ماشي، وبتقول إنك اللي ما عملت الثورة ماشي، وبتقول أنك الوحيد اللي حاربت الفساد ماشي، لكن قل لي بذمتك أنت كنت تقدر تقول يا جمال.. كده حاف؟.



الرئيسين الراحلين انور السادات و جمال عبد الناصر

كاريزمة الرؤساء

الرئيسين الراحلين انور السادات و جمال عبد الناصر


وفقاً لدراسة يتضمنها الكتاب، فقد كان ناصر يعتمد في قراراته السياسية الكبرى على شخصيته الكاريزمية الملهمة وحب الجماهير له وإيمانها بزعامته مصريا وعربيًا ودوليًا، وكان أسلوبه في صنع القرار يعتمد كثيرا على القراءة التفصيلية الدقيقة لكل ما يحصل إليه من بريد، إضافة إلى حرصه على الاستماع إلى إذاعات العالم المختلفة وقراءة الصحف المصرية والأجنبية ومناقشة الموضوعات المختلفة مع القادة العرب وزواره الأجانب.

كما أنه كان حريصًا على تعدد مراكز صنع القرار، بأن يطالب أكثر من جهة بدراسة الموضوع الذي هو بصدد اتخاذ قرار فيه مثل التنظيم السياسي والمخابرات ومجلس الوزراء وبعض المختصين المقربين اليه ويثق فيهم، ثم إعادة الموضوع إليه بعد دراسته لاتخاذ القرار المناسب بشأنه.

الرئيس السادات كان ينتمي إلى الطبقة الوسطى الريفية وقد أثر تنشئته الاجتماعية والثقافية كثيرًا في شخصيته، كانت حياته درامية بدأت في القرية ثم في بيت بكوبري القبة وفصله من الخدمة في الجيش واشتغاله ببعض المهن الشاقة، واشتراكه في بعض التنظيمات السياسية السرية، والاغتيالات السياسية، انعكس كل ذلك على سمات شخصيته التي كانت تتسم بالدهاء والخشونة وقوة الاحتمال وحب المغامرة والخداع والتخفي والتنكر والسرية وقد أثر ذلك بدوره في كثير من أعماله وسلوكه وقراراته التي كان أهمها قرار حرب أكتوبر 1973 وقرار الانفتاح الاقتصادي 1974 وقرار زيارة القدس 1977.


اتسم أسلوب السادات بالفردية أحيانًا والصدمة أو المفاجأة أحيانًا أخرى في اتخاذ قراراته، ورغم أن السادات كان يحيط نفسه بمجموعة من المستشارين إلا أنه لم يكن يستجيب لأرائهم، بل أنه كثيرًا ما كان يتخذ عديد من القرارات دون الرجوع إليهم أو بالمخالفة لأرائهم، ويشهد على ذلك الرئيس الأمريكي نيكسون الذي زار مصر أيام السادات، ليقول: "كثيرًا ما كان السادات يتجاهل وزراءه ويتخذ قرارات بنفسه".


ويتحدث الكتاب أيضا عن كيفية اتخاذ الرئيس مبارك قراراته، مشيراً إلى أن جذوره تمتد إلى الطبقة الوسطى الريفية، وهو في ذلك يشبه الرئيس السادات، ويحدد د. صلاح بيومي صاحب دراسة "قرارات الرؤساء" سمات الرئيس على ضوء هذه التنشئة يقول: تتسم شخصية مبارك بالهدوء والإتزان والثقة في النفس والصبر وقوة التحمل، وترى الدراسة أن أهم قرارات مبارك هي الإفراج عن معتقلي سبتمبر 1981 وقرار التحكيم في قضية طابا 1986 وقرار إدانة الغزو العراقي للكويت 1990 .

تؤكد الدراسة أن اسلوب مبارك في صنع القرار السياسي يقوم على الدراسة الموضوعية العقلانية المتأنية من مستشاريه المتخصصين وطرح البدائل لاختيار البديل أو القرار المناسب للأزمة أو المشكلة.

ورغم اعتياده دراسة ومناقشة قراراته مع بعض مساعديه أو مستشاريه، إلا أن ذلك لا يمنع من اتخاذه قرارات فردية في أوقات أخرى.



بيل كلينتون

الرئيس ممثلا ً

يشير الكتاب إلى أنك إذا أردت أن تكون رئيسًا عظيمًا... فلابد أن تكون ممثلا ً عبقريًا.. لتستطيع أن تقنع ناخبيك بوجهة نظرك هذا إذا كنت في بلد ديمقراطي يأتي الرؤساء فيه عبر صناديق الانتخابات، أو تسيطر على شعبك وتظل جاثمًا على صدره هذا إذا كنت في دولة من دول العالم الثالث يأتي فيها الحاكم بانقلاب ولا يرحل إلا بالموت..

في مصر مثلا يقول مؤلف الكتاب: كل من كتب عن الرئيس السادات إلى عشقه للكاميرات وحرصه على الظهور أمام الجمهور بشكل حدده هو دون تدخل الآخرين.. ويرى الكاتب الأمريكي آرثر ميللر في كتاب له أن رؤساء أمريكا كلهم ممثلون والخلاف بينهم في درجة الاحتراف.

لقد نجح كلينتون في أن يصل إلى البيت الأبيض مرتين.. ورغم أن الأمريكان اكتشفوا في النهاية أنه كان يكذب عليهم طوال الوقت.. لكنهم كان يصدقونه ليس لأنهم سذج.. ولكن لأن كلينتون كان ممثلا عبقريًا.. يقول ميللر: "إنه على الرغم من فضيحة الاعتذار المثيرة للاشمئزاز التي غادر بها كلينتون البيت الأبيض.. إلا أنه ترك منصبه بكم هائل من الإنجازات، ارتبط بهالأمريكان.. تعاطفوا معه.. وجدوا أن المأزق الذي تعرض له يكفي جدًا ليغفروا له خطاياه".



القذافي

تراجع القذافي

يقول مؤلف الكتاب : اهتم الجميع بما صرح به القذافي.. وما رماه تحت أقدام أمريكا وإسرائيل من استعداده للتخلي عن كل أسلحة الدمار الشامل التي يملكها، ثم حاول التأكيد أنه أصبح رسولا ً للسلام فدعا كلا من سوريا وإيران أن تحذو حذوه.. وفوق ذلك ولأول مرة تنازل عن عنفه في الحديث عن إسرائيل.. وهو العنف الذي كان يميزه ويبعث بالحرارة في الأحاديث التي كان يدلي بها.. لكن لم يفكر أحد لماذا فعل القذافي ما فعل؟! لماذا قضى على كل أساطيره عن المقاومة للغرب بجرة قلم؟!..

منذ سنوات ظهر أبناء القذافي على الساحة السياسية في ليبيا.. وقد مثل ظهورهم تحولا ً سياسيًا في بناء السلطة ومستقبلها .. وتم تقسيم المهام على الأبناء وأصبح كل واحدة منهم يعرف دوره.. (فمحمد) يشرف على قطاع الاتصالات و(سيف) صرف اهتمامه كله للشئون الخارجية والعلاقات الدولية، (الساعدي) اهتم بالرياضة هذا غير نشاطه الاقتصادي الهائل داخل ليبيا. و(المعتصم) اتجه إلى القوات المسلحة بينما اهتمت (عائشة) بالجوانب الثقافية والاجتماعية!.

يؤكد الكتاب أن ابن القذافي سيف كان وراء تغيير القذافي الأب لموقفه من الغرب، وبرر سيف ما حدث بأن ليبيا تتعهد بتوفير كل المطلوب منها للمؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة.. ولذلك فلابد أن يقوم المجتمع الدولي بحمايتها، ويترتب عليه كذلك اتفاقيات تعاون مشترك عسكري وأمني مع أمريكا، تشمل مناورات مشتركة في المستقبل !

لكن مؤلف الكتاب يعتبر أن القذافي لم يتراجع عن مواقفه، وما فعله فقط هو الكف عن التصريحات العنترية، فهو من الأساس لم يتصد عمليا لأمريكا إلا في خطب وأحاديث فضائية، ثم اكتشف بعدها أن الصياح داخل السرب الأمريكي أكثر ربحا فانضم للفريق .. ولا عزاء بعد ذلك لكل المهزومين العرب.




بقلم / سميرة سليمان

Wednesday, May 18, 2011

مبارك الإبن وحيتان المال


القاهرة: يصدر قريباً للدكتور وحيد عبدالمجيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام كتاب جديد بعنوان "ثورة 25 يناير قراءة أولى" عن مركز الأهرام للطبع والنشر.

في كتابه يرى د. عبدالمجيد أنه حينما يستحيل الإصلاح في إطار نظام سياسي فاسد سياسياً واجتماعياً، تصبح الثورة هي الحل.

ومن هنا لم يكن أحد أن يتوقع أن يكون يوم 25 يناير هو بداية ثورة شعبية تحقق في 18 يوما ما عجز الإصلاحيون عن إنجاز نذر يسير منه عبر سنوات طويلة، خاصة في ظل ما كان واضحاً من فشل جهود الإصلاح في السنوات الثلاث السابقة للثورة حيث أكدت التعديلات الدستورية التي تم إقرارها عام 2007 أن باب الإصلاح قد أُغلق نهائيا، وأن الأمل الصغير للغاية الذي لاح من بعيد عام 2005 غدا سرابا.

وحتى عندما نشبت الثورة التونسية ونجحت في إنهاء حكم أحد أبرز الرؤساء المتسلطين، لم يستوعب أركان الحكم في مصر احتمال انتقال الثورة لمصر، كذلك جزمت دوائر غربية رسمية وإعلامية بأن ثورة تونس لن تصل إلى مصر.
ومثال ذلك ما ذكره المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيليب كراولى، "أن كرة الثلج التونسية لن تمتد إلى دول أخرى في المنطقة. وكان كلامه هذا قبل 72 ساعة على مظاهرات 25 يناير التي أشعلت الثورة المصرية، وبدورها أكدت مجلة "تايم" الأمريكية أن شباب مصر ليسوا مؤهلين للثورة لأن التعليم الذي تلقوه فقيراً لا يوفر المهارات اللازمة للمعارضة المؤثرة.

أما في مصر فلم يكن أكثر المتفائلين بمظاهرات 25 يناير يتوقع أن تكون بداية ثورة يقل مثلها. بسبب الإحباط المتراكم عبر ثلاثة أجيال على الأقل، كما أن الفشل الذي مُنيت به جهود الإصلاح منذ منتصف ثمانينات القرن نفسه أضعف ثقة من سعوا إليه في قدرتهم على التغيير.


الرئيس المصرى السابق محمد حسنى مبارك

باب الإصلاح

يؤكد المؤلف على أن المنهج الثوري كان أبعد نظرا من نظيره الإصلاحي في الرهان على إسقاط مبارك بضربة واحدة، بينما كان الإصلاحيون على حق عندما نبهوا إلى أن تنحى مبارك أو استقالته أو رحيله لا يكفى لبناء مصر الحرة العادلة، وأن الثورة لا تحقق أهدافها بمجرد غيابه عن المشهد، وأن الإصرار على خريطة طريق محددة للمرحلة الانتقالية وما بعدها لا يقل أهمية.

تحت عنوان "باب الإصلاح موصداً" يرى المؤلف أنه لم تكن هناك أي جدية في الحديث عن إصلاح تدريجي في بنية سياسية أصابها الجمود، لكن تعديل المادة 76 من الدستور أقام حواجز منيعة أمام إجراء انتخابات رئاسية تنافسية مفتوحة.

فالأحزاب التي أنهكتها القيود الأمنية والإدارية والصراعات الداخلية لا تستطيع المنافسة. كذلك أغلق التعديل الباب أمام غيرهم بسبب استحالة الحصول على تأييد 250 عضوا في المجالس "المنتخبة" والتي تخضع لسيطرة النظام الحاكم.

فزاعة الإخوان

أتاحت نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت نهاية 2005 فرصة لاستخدام الإخوان "كفزاعة" بكثافة لا سابقة لها حيث أسفرت تلك الانتخابات عن حصول "الإخوان" على 88 مقعدا تمثل نحو 20 في المائة من مجموع مقاعد مجلس الشعب.

وقد تزامن إشهار "الفزاعة الإخوانية" في مصر بما حققته في انتخابات 2005 البرلمانية مع توسع دور تيار الإسلام السياسي في المنطقة من الكويت والبحرين شرقا إلى الجزائر غربا، إضافة لفلسطين حيث فازت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي.

ويرى عبدالمجيد أن تأثير "الفزاعة الإخوانية" التي ابتكرها النظام كان ضعيفاً داخلياً بينما كان له تأثير قوي بالخارج، حيث أن نظام الحكم في مصر كان يسوده قلق من الوضع الدولي، خاصة سياسة إدارة جورج بوش في ذلك الوقت، فكان الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس ينتقدون الأوضاع السياسية في مصر، وقالت رايس في إحدى خطبها "إن عدم تحقيق الإصلاح في مصر يضر مصالح الولايات المتحدة، وأن الأنظار تتجه إلى الانتخابات فيها بأمل أن تكون نزيهة ومفتوحة وتنافسية".

ولذلك، فما أن نجحت "الفزاَّعة الإخوانية" في تحقيق أثرها المبتغى خارجيا ووقوع الرئيس الأمريكي جورج بوش وأركان إدارته تحت حصارها إلى جانب غرقهم في مستنقع العراق وفشلهم في تحقيق أملهم بشرق أوسط كبير حتى بدأ نظام الحكم في التخلي تدريجيا عن خططه التي زعمها بهدف الإصلاح.

وأعقب ذلك قيام المتحلقين حول نجل الرئيس السابق جمال مبارك بالشروع في الإمساك بمقاليد الأمور بطريقة أظهرت نزعة فاشية مخيفة لم تظهر بوضوح تام إلا قبل أشهر على اندلاع ثورة 25 يناير، كما كانت عملية إجراء التعديلات الدستورية، التي شملت 34 مادة ليس من بينها أي من المواد الأساسية التي يتطلب الإصلاح تغييرها، مؤشرا قويا على ذلك.

مبارك امتداد لفرعون

تحت عنوان "الصيغة المملوكية في نظام مبارك" كتب د. وحيد عبدالمجيد في الفصل الأول من كتابه الجديد أن السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق شهدت اختلافاً في مشهد قمة السلطة فلم يعد الرئيس يمسك بجميع الخيوط بين يديه ويهيمن على كل كبيرة وصغيرة في البلاد. وإن ظل هو من يحدد الاتجاه، كما بقى هو "الكبير" الذى يتضاءل الجميع بجواره علنا وفى حضوره. ولكن هذا الحضور كان يتقلص فعليا.

وبحسب المؤلف فإن تراجع قدرات الرئيس السابق الجسدية والذهنية أثر بالضرورة على حضوره الذي كان طاغيا من قبل، مما أدى لخلق مساحات فارغة يتحرك فيها أصحاب نفوذ من بيروقراطية الدولة ورجال المال والأعمال سعيا لكل منهم لملأ ما يتيسر له من هذا الفراغ. ونتج عن ذلك خلق نمط من التفاعلات يقوم على تحالفات وصراعات متغيرة حكمتها العلاقات الشخصية والشللية وتقاطعات المصالح القديمة والمستجدة.


ميدان الثورة

ويشير عبدالمجيد إلى الاعتقاد الذي شاع في أن النظام السياسي المصري يحمل، منذ منتصف خمسينات القرن العشرين، سمات فرعونية فالرئيس المصري مطلق السلطة وفق نصوص الدستور منذ إصدار دستور 1956 وحتى أخر تعديل أجرى عام 2007 في دستور 1971. حيث يتولى الرئيس السلطة التنفيذية ويمارسها تفصيلا، إلى جانب هيمنته على السلطتين التشريعية والقضائية، في الوقت الذي يعتبر أيضا حكما بين السلطات وأبا للشعب يرعاه ويسهر على مصالحه.

ويقيم الدستور، على هذا النحو، نظاما فرديا مطلقا لا هو رئاسي ولا "برلماسى" .. نظام يدور حول الرئيس الفرد الذي يصبح كل ما عداه. ويؤكد عبدالمجيد على أنه ليس في إمكان أي شخص ممارسة هذه السلطات كلها بشكل حصري طول الوقت.

وبالتالي يتعين على الرئيس أن يمارس سلطاته وأن يحكم من خلال رجال قريبين إليه، وقد يكون بين هؤلاء من يؤدون المهمات المطلوبة منهم باعتبارها واجبا عليهم سواء تجاه الرئيس أو الوطن. ولكن لابد أن يكون بينهم أيضا من يؤدون هذه المهمات بما يحقق مصالح خاصة بهم.




جمال مبارك

مبارك الابن .. وحيتان المال

يسلط المؤلف الضوء في هذا الجزء من كتابه على جمال مبارك والذي عاد إلى مصر منتصف تسعينات القرن الماضي بعد فترة عمل في لندن باحثا عن دور مميز يقوم به، وكان حينها مبارك في منتصف فترته الثالثة بالحكم.

وعقب عودته بدأ جمال الاتجاه سريعاً إلى العمل العام، فأسس أو أُنشئت من أجله، جمعية اجتماعية عُرفت باسم "جمعية المستقبل". وحرص جهاز الأمن، على ضم مجموعات من الشباب إليها، وبين عامي 1998 و1999 شاع أنه يتجه إلى تأسيس حزب جديد يعتمد على الجمعية التي أنشئت من أجله ويحمل اسم "حزب المستقبل" لتكون هذه بداية نوع من تبادل السلطة بين حزبين رئيسيين على نسق النظام الحزبي البريطاني الذي كان هو مغرما به.

ويوضح المؤلف أن الحديث عن هذا السيناريو تبخر تماما عقب انتخابات مجلس الشعب عام 2000 حين فشل مرشحو الحزب الوطني الرسميون في الحصول على أكثر من 38 في المائة من المقاعد، بعد أن سقط معظمهم في مواجهة منشقين خاضوا تلك الانتخابات مستقلين. وكانت هذه الانتخابات هي الأولى التي أُجريت تحت إشراف قضائي كامل على عملية الاقتراع، وليس على مجمل العملية الانتخابية.

ومن هنا برزت صورة جمال مبارك كما لو أنه "الفارس" القادم على حصانه ليأخذ الحزب الوطني في طريق جديدة تحت شعار "الفكر الجديد"، بعد أن أصبح أحد أعضاء لجنة ثلاثية عقدت لقاءات موسعة في كثير من المحافظات لتحديد المشاكل التي تواجه الحزب وكيفية حلها، ثم أضيفت للهيكل التنظيمي الحزبي ما عرف بـ "الأمانة العامة للسياسات" وتفرعت عنها لجان نوعية موازية لتلك التى كانت موجودة أصلا .

وكان الهدف من وراء ما سبق هو بناء مكانة متميزة لمبارك الابن في قمة حزب السلطة، الذي لم يكن إلا جهازا من أجهزة نظام الحكم يعتمد على جهازيه الأمني والإداري أشد الاعتماد. وبدا المشهد، إذن، منذ البداية مرتبطا برغبة في ضمانة خليفة يرث السلطة وليس بتطوير حزب أو تحديثه.

ويرى المؤلف أن الشعار الذي اتخذه جمال عند إقامة الأمانة العامة للسياسات بالحزب الوطني وهو "الفكر الجديد" لم يكن إلا غطاء لتسويغ الزواج بين السلطة والثروة وما اقترن به من تغير في أنماط التفاعلات داخل نظام الحكم.

وكان تشكيل حكومة أحمد نظيف الأولى فى يوليو 2004 بداية نقطة تحول أخذت معالمها تكتمل مع توزير بعض حيتان المال والأعمال ووضع موارد الدولة بين أيديهم، بعد أن صاروا هم الرافعة الأساسية لمشروع التوريث، الذين أخذوا في الترويج له.



بقلم / مي كمال الدين

Wednesday, May 11, 2011

هموم ضاحكة


"الضحك سلعة أساسية في مصر، والنكتة من الصناعات الثقيلة التي اشتهرت بها مصر والتي يتم تصدير انتاجها بالكامل للخارج" ويتساءل يوسف عوف الكاتب الذي رحل عنا منذ عامين ونحتفي بذكراه : لماذا انتكست صناعة الضحك في مصر؟ هل تم تأميمها أم أن ثقب الأوزون والزحام والأزمة الاقتصادية قد زادوا من جرعة الاكتئاب ؟

وفي كتاب يوسف عوف "هموم ضاحكة" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، يعد المؤلف رؤية نقدية باسمة لبعض سلبيات المجتمع تكشف كثيراً من المواقع والشخصيات على حقيقتها، كما تلقي الضوء على بعض السلوكيات والعادات المرفوضة.

طعام مصري فاتك

يورد عوف في بداية هذا الفصل المثل القائل "طبعك والا اشتريته" والمقصود به أن المخاطب قد شب على طبع معين من زمن ومن الصعب تغييره، وهكذا كل المصريين فقد توارثوا طباعهم وأصبح من الصعب تغييرها.

يحكي الكتاب عن سيد كامل المتزوج من سويدية أتى بها إلى مصر لتعيش مع أسرته المكونة من والدته وأخواته البنات وتُصدم الوافدة الجديدة من تقاليد المصريين في الطعام، منها دسامة الطعام أو كمياته الكبيرة .

تعيش الزوجة على الجبن والبيض فقط، فيقترح زوجها أن تتولى هي الطبيخ يومياً، وبالفعل يحدث وتطبخ لهم فيليه وبطاطس بيريه وخضار سوتيه فيكون يوماً أسوداً على العائلة وينقلب البيت إلى مناحة، وتقول والدته عنها أنها من أسرة "غلابة" ما عندهمش جمعيات استهلاكية زينا فهم لا يعرفون السمن!.

وتلاحظ الزوجة السويدية أن الاحتفالات في مصر تقتصر على الطعام، فمثلا في عاشوراء يتم تبادل أطباق للطعام، وحين تسأل زوجها عن مناسبة هذا العيد يكتفي بالرد قائلاً: ما اعرفش أنا كل اللي اعرفه أننا بناكل فيه عاشورة، وهكذا في ليلة 27 رجب، وفي النصف من شعبان، وفي كل مرة تنتظر أن يفعلوا شيئاً بعد الطعام أي شئ يفيد أن هناك احتفالاً أو عيداً ولكن لا يحدث سوى الطعام فقط.

تصاب الزوجة السويدية بفاجعة في شم النسيم عندما تراهم يأكلون الأشجار وتقصد بها الكرات، والحلبة، والملانة وتكون الطامة الكبرى عند فتح صفائح الفسيخ والسردين، وتصرخ من الرائحة، ثم تلجأ الزوجة إلى سفارتها لتحتمي بها بعد ما حدث في عيد الأضحى حين وقفت مع أسرة زوجها في المطبخ، فتشاهد إحداهن بتنظيف الكرشة، بينما تقوم الأخرى بغسيل الأمعاء لزوم الممبار، أما الثالثة فتقطع اللحم بالساطور، ثم تقوم بتحمير الكبد والكلاوي لزوم الإفطار.

ترفع السفارة باسم الزوجة دعوى طلاق بسبب التضرر من الطعام، فترفض المحكمة الدعوى لأنه لا ضرر ولا ضرار في الطعام المصري!.

ولا تجد الزوجة بداً من أن تعتاد الطعام المصري ويصل بها الحال في النهاية إلى أن يتحول جسمها إلى النمط المربع ويظهر لها "كرش" وتمنح الجنسية المصرية ويصبح اسمها تفيدة!.

   
    مصر       

مهرجان يومي

يقول عوف في كتابه أن المواطنين يختلفون في أمور كثيرة، ولكنهم يجمعون على أمر واحد بل يشاركون في تحقيقه وهو المهرجان اليومي الكبير للقمامة وذلك انطلاقاً من المفاهيم التالية:

- الشارع هو المكان الطبيعي لإلقاء القاذورات والفضلات بعيداً عن صناديق الزبالة والأقفاص المعلقة حيث أنها أملاك للدولة كتب عليها "حافظوا على نظافة مدينتكم" لذا يجب عدم المساس بهذه الأقفاص لتظل نظيفة.

- الرصيف مقام خصيصاً لكي يستوعب زبالة المحلات ومواد بناء العمارات وورش السيارات وباعة الفانلات، وممنوع أن يزاحمهم فيه المشاه.

- جميع الشرفات والنوافذ "نوافذ البيوت والسيارات والقطارات" عبارة عن فتحات مخصصة لكي تنطبق منها قذائف المهملات وفضلات الأطفال ومياه الغسيل.

- داخل البيوت الزبالة مسئولية ساكن الشقة، وبمجرد إخراج الصحيفة من الشقة تتبعثر المسئولية على سلم العمارة.

- الطرقات المظلمة وأسفل الأشجار وخلف الأكشاك هي دورات مياه فلكلورية بديلة للحكومية التي أزيلت من زمن.

- المناور في العمارات عبارة عن فراغات هندسية أنشئت خصيصاُ لكي تكون قناة اتصال ووسيلة تعارف بين ساكن الدور العلوي وساكن الدور الأرضي، وذلك بأن يلقي الأول على الأخير يومياً بتحية الصباح مجسدة في حلة طبيخ بايت.

- مصر هي هبة النيل، والزبالة هي هبة مصر للنيل.


أزمات متجددة

-ينتقد الكاتب الساخر يوسف عوف قرارات الدولة، ومنها بيع القطاع العام فيقول، وجد جحا أن النمل يلاحق برطمان السكر في كل مكان، فشطب كلمة سكر من عل البرطمان وكتب بدلا منها ملح حتى يبعد عنه النمل.

وجدت الدولة أن الفشل يلاحق القطاع العام في كل أعماله فشطبت كلمة "العام" وأطلقت عليه بدلا منها اسم قطاع الأعمال حتى تبعد عنه الفشل.

ومن القطاع العام إلى رؤساء المؤسسات يقول: لا يجب أن نسئ الظن برئيس مؤسسة يسافر إلى الخارج وبصحبته جميع أعضاء مجلس الإدارة على حساب المؤسسة، فقد اتضح أنهم يقومون بجولة بين ربوع أوروبا وأمريكا لدراسة أنجح الطرق وأحدث الأساليب المتبعة هناك في ضغط المصروفات وترشيد الإنفاق!!.

وينتقد الكتاب ديكتاتورية الحكام حين يقول أن هناك صفة غريبة تنفرد بها دول الجنوب "العالم الثالث" دون دول الشمال، وهي أن الحاكم فيها لا يترك كرسيه إطلاقاً إلا في حالة من ثلاث: اغتيال أو انقلاب أو موتة ربنا!.

وفي ظل أزمة الإسكان المستحكمة وأثناء قيام تربي بدفن ميت فشل طوال حياته في العثور على سكن يؤكد التربي أنه سمع الميت بعد أن وسده التراب وهو يتنهد ويقول الحمد لله أخيراً لقيت أربع جدران يلموني، الظاهر أن الواحد في البلد دي لازم يموت عشان يسكن!.


بيروقراطية!!

يقول عوف أن الشوك يزرعه المنحرفون، والشرفاء فوقه يمشون، هذه المقولة تظهر أكثر ما تظهر في قوانين ولوائح الدولة، فكل مواطن في نظرها لص أو كاذب إلى أن يثبت غير ذلك.

والسبب هو استغلال المنحرفين لثغرة ما في هذه القوانين لصالحهم، فتقوم الدولة بإجراء تعديل في المادة أو إصدار قانون جديد لسد هذه الثغرة.
فيزداد التعامل معها تعقيداً ويعاني منه الشرفاء، وفي نفس الوقت يبحث المنحرفون عن ثغرة أخرى في القانون لكي يحققوا من خلالها أمراً لصالحهم.

وهكذا تتراكم القوانين واللوائح فتتعاظم البيروقراطية التي يتعثر فيها المصريون "موظفون ومتعاملون" بيبنما تستمر لعبة القط والفأر بين الحكومة والمنحرفين.

ويبرهن الكاتب على ذلك بما حدث للأستاذ مظلوم حين ذهب ليقبض معاشه، ولم يجده وطلب منه الموظف مراجعة التأمن والمعاشات، ويقضي الأستاذ مظلوم نحبه أثناء رحلة بحثه عن استيفاء الأوراق، وحين تذهب زوجته بكل الأوراق لتحصيل معاشه بعد وفاته، يطلب منها الموظف شهادة من اتنين موظفين تفيد بأن المرحوم ليس على قيد الحياة!!.

يذكر أن الكاتب المصري يوسف عوف كان زوجًا للفنانة خيرية أحمد، ومن أهم أعماله:     برنامج "ساعة لقلبك"، مسلسل "ألوان"، مسلسل "صباح الخير يا جاري"، مسلسل "ساكن قصادي"، فيلم "عالم عيال عيال"، مسرحية "هاللو شلبي".

ومن أعمالة الكتابية: "كرسي في الكلوب"، "مش معقول"، "عجايب"، "هموم ضاحكة"، و" ها يجننونى".

 بقلم / سميرة سليمان

Wednesday, May 04, 2011

الإستبداد وتجارب العصيان الشعبي في "رواق عربي"

 
 
بالرغم مما قدمته المقاومة المدنية من نماذج ناجحة في عدة أماكن من العالم مثل تركيع الاحتلال الإنجليزي في الهند وإرهاق السلطة العنصرية في جنوب إفريقيا فإن هذا النوع من المقاومة لا يلقى اعترافاً عريضاً من قبل غالبية المؤرخين والذين يصبون جل اهتمامهم على الكفاح المسلح في تاريخ الشعوب.

حيث ينظر للمقاومة المدنية من قبل الكثيرين على أنها "طريق العاجزين" الذين ليس بوسعهم أن يحملوا السلاح، أو هي الخيار المتاح حين تدرك الجماهير أن كلفة العمل المسلح باهظة ونتائجه غير مضمونة.

 هذا ما أشار إليه د.عمار علي حسن في دراسته التي تضمنها العدد الـ 56/ 57 من كتاب "رواق عربي" وهو غير دوري يصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان .

وفي دراسته التي حملت عنوان "النضال المدني من الغمغمة إلى العصيان" استعرض د. عمار أهم ثلاث تجارب في هذا المجال في العالم "المهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا، ومارتن لوثر كينج".

وعرف عمار أساليب المقاومة المدنية المختلفة بأنها "الاحتجاج السلمي المباشر ضد أفعال وسياسيات الخصوم وترمي لحرمانهم من السيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة أو ردع من بيدهم الأمر عن اتخاذ قرارات أو أفعال تضر بمصلحة الجماهير".

وتعتمد المقاومة المدنية على ثلاثة أشكال رئيسية "اللاعنف" يتمثل في صور رمزية قولا وفعلا لمعارضة الخصم مثل الاضرابات والإعتصامات والمظاهرات والعصيان المدني وتنظيم المسيرات وتدبيج بيانات الرفض وغيرها.

أما النوع الثاني فيتمثل في "عدم التعاون" أو المقاطعة السياسية والاقتصادية والإجتماعية وذلك من قبيل رفض التحالف مع الخصم والإمتناع عن تأييده ومقاطعة الإنتخابات وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية، ورفض الوظائف التي تعرضها السلطة، وفي الحالة التي يكون فيها الخصم طرفا خارجياً أو دولة أجنبية تأخذ المقاومة نطاقا أوسع مثل الإنسحاب من منظمات دولية وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها.



    
    اضراب عمال جزائريون        


ويتمثل الشكل الثالث من المقاومة المدنية في "التدخل غير العنيف" نفسياً من خلال تصرفات كالتعريض بالأعداء وفضحهم والصيام وممارسة الضغوط الأخلاقية، والمضايقات غير العنيفة، وإقامة أسواق بديلة وإنشاء مؤسسات اقتصادية مغايرة، وإبداء عدم الخوف من السجن، وممارسة الأعمال اليومية دون التعاون مع الخصوم أو المحتلين، وعدم إطاعة القوانين المعمول بها وتشكيل حكومة موازية.

ومن التجارب العربية في المقاومة المدنية والتي نجح بها الأجداد في مقاومة المستعمر الغاشم وقيادة العديد من البلاد العربية نحو الاستقلال والدستور، تجربة سعد زغلول ورفاقه في ثورة 1919 المصرية بعد أن فوضهم الشعب عبر مليوني توقيع ليتحدثوا باسمه في المطالبة باستقلال البلاد.

واعتمد المصريون على ثلاث وسائل أساسية في مقاومتهم المدنية الأولى "المقاطعة" مثل مقاطعة طلبة مدرسة الحقوق لزيارة السلطان العثماني الموالي لبريطانيا لمصر عام 1915، كذلك المقاطعة الشعبية التي  نظمها حزب الوفد للجنة ميلنر التي جاءت إلى القاهرة في ديسمبر 1919 ورفض المصريون التعاون معها أو مساعدتها في تأدية مهمتها، وبالتالي غادرت في النهاية وهي متأكدة أن الأحكام العرفية لم تعد مقبولة للشعب المصري.

وتمثل الأسلوب الثاني في "التظاهر" والذي بدأ عام 1916 احتجاجاً على قيام بريطانيا بإعلان مصر محمية بريطانية وفرض الاحكام العرفية، بينما تجلى التظاهر في أقوى صوره عام 1919 احتجاجاً على نفي سعد زغلول.

كذلك اعتمد المصريون على أسلوب "الإضراب" الذي أصبح مكوناً أساسياً من مكونات النضال المصري أنذاك فبعد واقعة اعتقال سعد زغلول عمت الاضرابات العديد من المدن المصرية بادئة بالطلاب والمحاميين ثم لحق بها عمال البريد والترام والسكك الحديدية وتبعهم موظفو الحكومة.

أما التجربة العربية الثانية فهي الانتفاضة العراقية عام 1948 ضد الإنجليز حين احتج العراقيون على المعاهدة التي وقعها رئيس الوزراء صالح جبر سرا في بوتسمورت ببريطانيا والتي تقضي باستمرار النفوذ البريطاني في العراق وإقامة قواعد عسكرية دائمة في أرض الرافدين، وحينها خرج طلاب كليتي الحقوق والهندسة في مظاهرة عارمة وعمت الاضرابات بقية الكليات وانضم العمال إلى الطلاب وتواصلت المظاهرات يومياً للمطالبة برحيل جبر .

وقرر الأخير مواجهة المتظاهرين بالقوة الامر الذي أسفر عن سقوط أكثر من 100 شهيد، إلا أن المتظاهرين تدفقوا إلى الشوارع وواجهوا الشرطة ببسالة فانهارت معنوياتها ورفضت تنفيذ أوامر جبر الذي لم يجد بد سوى الاستقالة، ثم
    
            

واصلوا الاحتجاج حتى تم إلغاء المعاهدة.
    
            


تجربة عربية أخرى في النضال المدني اتضحت في الإضراب العام الذي شهدته فلسطين عام 1936 احتجاجاً على الانتداب البريطاني والهجرة المنظمة لليهود إلى فلسطين لاقامة دولة على أراضيهم.  وقد مهد هذا الاضراب لثورة استمرت ثلاث سنوات كان الكفاح المسلح فيها حاضراً بشدة لكنه ترافق مع حالات نضال غير عنيف وضعت بذرته الأولى في عشرينات القرن المنصرم وتمثلت في الكتابات المناهضة لتوطين اليهود وإرسال الوفود إلى لندن لتقديم صورة لما يجرى على الأرض من قتل وتدمير على أيدي العصابات الصهيونية وشرح المطالب الفلسطينية العادلة.

وفي العشرين من أبريل 1936 تم تشكيل لجان وطنية لتنظيم الإضراب في نابلس ويافا وامتد إلى بقية المدن الفلسطينية، أعقبها تشكيل اللجنة العربية العليا المشرفة على الإضراب التي دعت في 7 مايو من خلال مؤتمر للجان الوطنية إلى عصيان مدني لشل عمل الجهاز البيروقراطي، وإثر ذلك توقف العمل في جميع المصالح والهيئات وانقطت وسائل الاتصال العربية، وقد أثر الإضراب تأثيراً ملموساً في المصالح اليهودية وفي المقابل اعطى دفعة لكفاح الفلسطنيين وأجبر الإنجليز على الاعتراف بمطالبهم وعلى التخلي عن الانتداب وخطة التقسيم وان كان لم يفلح في وقف الهجرة اليهودية لفلسطين.

كذلك ظهر هذا النوع من المقاومة في الانتفاضات السبع التي قام بها ابناء الشعب الفلسطيني الصامد وكان أخرها انتفاضة الأقصى عام 2000 ولم يفقد الفلسطنيون طيلة تاريخهم الطويل الثقة في جدوى المقاومة المدنية.


حقوق الإنسان المصري
    
            


تحت عنوان "مشكلة حقوق الانسان في مصر.. إرداة سياسية أم الإسلام" قدم بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان دراسة عن وضع الحريات في مصر.

 ويرى حسن أن النظام السياسي التسلطي الذي عانت منه مصر منذ عدة عقود تعود جذوره إلى ثورة 23 يوليو 1952، حيث شيد الضباط الأحرار أركان نظام سياسي استبدادي يقوم على حكم الفرد، وتم الإطاحة بدستور عام 1923، ورفضوا مشروع دستور 1954 الليبرالي الذي وضعته هيئة شكلها ضباط يوليو بأنفسهم، ثم قاموا بوضع دستوراً في عام 1956 بهدف إضفاء الشرعية على النظام الجديد.

كما شهدت الفترة التي تلت ثورة يوليو إلغاء الأحزاب السياسية، وتقييد النقابات المهنية، والاستيلاء على النقابات العمالية بعد إعدام اثنين من القيادات العمالية في العام الأول من الثورة، ثم تأميم الصحافة عام 1961، ومحاصرة الجمعيات الأهلية ثم إصدار قانون عام 1964 يقنن خضوعها للسيطرة الحكومية.

 كذلك تم ممارسة ضغوط عنيفة على النظام القضائي والقضاة ظهر ذلك من خلال إجراء تعديلات تعسفية على النظام القضائي وإنشاء محاكم موازية استثنائية عسكرية وشبه عسكرية لمحاكمة خصومهم السياسيين، وبلغ الأمر ذروته بما عرف "بمذابح القضاة" عامي 1954، و1968 حيث تم فصل عدد كبير من القضاة الذين رفضوا التدخل السياسي في شئون القضاة.

كذلك فرض النظام الاستبدادي سيطرته على الحرية الأكاديمية فتم فصل العديد من الأساتذة الجامعيين الذين اعتبروا خصوماً فكريين لنظام يوليو، وعانت الجماعات السياسية مثل الإخوان المسلمون واليساريون وخاصة الشيوعيين منهم من القمع وحملات الاعتقال والتعذيب دون محاكمة.

يؤكد بهي الدين حسن في دراسته على أن من أبرز نتائج ثورة يوليو 1952 صعود الدور الإستثنائي لأجهزة الأمن في إدارة الحكم، حيث صاحب تحول مصر من نظام ملكي إلى نظام جمهوري تحول أكثر أهمية وهو القضاء على الاستقلالية النسبية التي كان تتمتع بها السلطتان التشريعية والقضائية، لحساب
    
    ثورة يوليو         

هيمنة السلطة التنفيذية عليهما، والتحول إلى نمط حكم الفرد "الرئيس".
    
    ثورة يوليو         


 ويرى بهي الدين حسن إن رئيس الجمهورية في ظل نظام يوليو الجمهوري كان وظل حتى وقت قريب يتمتع بسلطات أكثر "ملكية" من السلطات التي كان يتمتع بها الملك في العهد الملكي الذي "اسقطته" ثورة يوليو.

كذلك فإن الخلل الهيكلي في بنيان نظام الحكم في أعقاب ثور يوليو كان المصدر الرئيسي ليس فقط لشيوع وتسهيل الاعتداء على حقوق الإنسان بل صعوبة محاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات نتيجة لتهميش دوري السلطتين التشريعية والقضائية.

وعانى البرلمان بدوره من التقزيم حيث منع من محاسبة رئيس الجمهورية أو مساعديه بينما يستطيع الرئيس حل البرلمان، والذي ظهر كأداة لمنح تفويضات مطلقة للرئيس أو نافذة ملحقة بالسلطة بالتنفيذية يجري من خلالها تمرير التشريعات التي جرى إعدادها سلفا في المطبخ الحكومي.

ومن مظاهر تدهور حقوق الإنسان كما يرصدها د. بهي الدين، استخدام قانون الطوارئ بشكل موسع خلال الأعوام 2005 – 2008 ضد الناشطين في حركات الاحتجاج الإجتماعي والبلوجرز وإحالة بعضهم لمحاكم أمن الدولة "طوارئ" برغم أنه لم توجه إليهم تهمة الإتصال بالإرهاب، إلى جانب الإعتداء على الصحفيين والمدونين وقنوات الإعلام المستقلة.

كذلك وصفت تقارير الأمم المتحدة ممارسة التعذيب في مصر بأنها تجري بشكل روتيني وومنهج وهو ما تؤكده ايضاً تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والمصرية.

يذكر أن عدد "رواق عربي" احتفى بالكاتب الراحل د.نصر حامد أبو زيد فكتب حلمي سالم عن "حامد .. حدوتة مصرية" بينما كتب د. علي مبروك مقالا عن علاقة الكاتب بالسلطة ، في حين ناقش د. رضوان زيادة علاقة نصر بنقد الفكر الديني .

 بقلم / مي كمال الدين

Tuesday, May 03, 2011

عذاب المسلمين في أسبانيا


درت حديثاً الترجمة الدنماركية لكتاب "يد فاطمة" وذلك عن الأسبانية، والكتاب من تأليف إيلدوفونسو فالكونس والذي يتناول فيه مرحلة هامة من تاريخ المسلمين والعرب في إسبانيا، وهي المرحلة التي كان المسلمون فيها يجبرون على الدخول إلى المسيحية عنوة، ومن يرفض يلاقي كافة أشكال العذاب.


وبحسب صحيفة "الوطن" السعودية ركز المؤلف في الكتاب على مدينة "جرانادا" والتي كانت شاهدة على مرحلة من العذاب خلال حقبة من الزمن تعود لعدة قرون لا تتجاوز الخمسة كان المغاربة المسلمون الضحية الأولى والأكثر لظلم الإسبان.

يقول المؤلف "إن معظم المغاربة المسلمين اعتنقوا النصرانية تحت ضغط التعذيب وتهديد بالقتل، وكان ملوك الإسبان والقساوسة يلاحقونهم في كل مكان بعد أن سيطروا على معظم إسبانيا، ويسرقون أموالهم ومساكنهم في حال عدم رضوخهم لاعتناق النصرانية".

ويجسد الكتاب - بحسب "الوطن" -عذابات حياة عائلة "حميد" المسلمة من أصول مغربية، والتي اعتنقت النصرانية عنوة ظل الأب يعلم أبناءه العقيدة الإسلامية رغم مقتل زوجته "فاطمة" على أيدي رجال الدين لعدم ركوعها وخضوعها لهم بعد أن اتهمت بالسرقة وقطعت يدها، فاطمة التي جسدت روح الصبر والعزيمة والتمسك بالعقيدة.

كذلك يصحبنا الكاتب إلى زمن العصر الروماني الذهبي من حيث العداوة بينهم وبين المغاربة الذين كانوا يحاربون إلى جانب الإسبان وهانيبعل إلا أن المغاربة المسلمين رغم اعتناقهم النصرانية مرغمين بقوا سرا يؤمنون ويدينون بالإسلام ويحتكمون إليه، رغم معاناتهم .

كذلك وصف الكاتب الكنيسة الكاثوليكية بصورة قاتمة في إسبانيا، ساردا أشكال التعذيب التي كانت تستخدمها ضد المسلمين كالحرق والجلد.

Monday, May 02, 2011

قصة حياة بسمارك موحد ألمانيا

 صدر كتاب " بسمارك.. قصة حياة" الذي كتبه جوناثان شتاينبرغ المؤرخ الأكاديمي عن الزعيم والسياسي الألماني الشهير "أوتوفون بسمارك" عن مطبعة جامعة أكسفورد، لندن،?2011، في 577 صفحة.

يعد هذا الكتاب وفق عرض محمد الخولي في صحيفة "البيان" الإماراتية دراسة تحليلية مسهبة التفاصيل كتبها الذي دخل تاريخ بلاده والعالم أيضا بوصفه البطل المؤسس للإنجاز الوحدوي الذي تحولت به ألمانيا من ?39 كيانا مستقلا ذا سيادة حيث أصبحت دولة فيدرالية مرهوبة الجانب وقادرة منذ توحدها في ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر، على أن تدخل عالم القرن العشرين بوصفها كيانا متطورا في مجالات الصناعة ومضمار التحديث ودنيا الإبداع الفني والبناء الثقافي.

لقد نشر كيسنجر مؤخراً عرضا تحليليا لهذا الكتاب، سواء بوصف بسمارك وزيرا رئاسيا لألمانيا منذ تعيينه في ستينات القرن ?19، أو بوصفه المهندس الأول لتجربة الوحدة الألمانية التي خاضت غمار الأحداث التاريخية عبر سنوات خلت من القرنين التاسع عشر والقرن العشرين: ما بين نجاح التجربة الوحدوية إلى تحمّل ويلات حربين عالميتين (?1914 و?1939) إلى تقسيم ألمانيا الموحدة سابقا في دولتين إلى الشرق والغرب ثم إلى لحظة باهرة أخرى شهدها بالذات عام ?1989، حيث سقط الجدار الفاصل بين شطري برلين العاصمة ومن ثم عادت ألمانيا الموحدة إلى خارطة أوروبا لتستعيد مكانتها ودورها ولتصبح موضوعيا أقوى كيان اقتصادي في وسط القارة الأوروبية وفي غربها على السواء.

كان بسمارك، كما يوضح الدكتور كيسنجر، في تحليله لهذا الكتاب أقرب إلى عالم الفيزياء، بمعنى أنه كان يتناول المشكلة السياسية ، ويخضعها إلى مقاييس الدرس والاختبار والتحليل الموضوعي ثم يخرج منها بعدد من الخيارات المطروحة بشكل متوازن يستعرضه على البارد كما يقولون.

?28 عاماً أمضاها أوتوفون بسمارك في موقع الوزير الأول، المستشار لألمانيا، التي تسلمها دوقيات ودويلات مشتتة ثم كافح من أجل بنائها إلى حيث أصبحت دولة كبرى وموحدة.

وبحسب "البيان" يقول المؤلف: إذا ما عاودنا الإطلالة على سيرة الرجل، من منظورنا في الوطن العربي والعالم الثالث ، لحمدنا له أنه لم يورط بلاده بالمشاركة في المد الإمبريالي الذي كان "موضة" شائعة في زمانه ، وخاصة من جانب جيرانه في أوروبا الغربية ، فرنسا وانجلترا على وجه الخصوص ، بل يحسب له أن رفض صراحة أن يرسل قوات لاستعمار افريقيا مؤكدا أن بناء ألمانيا الموحدة هو مشروعه الوحيد.


منقول