Monday, April 05, 2010

أسرار الكون من ولادة النجوم الى ولادة الجنس البشري


قد يُظن أن تقديم كتاب للأطفال يروي قصة الكون والحياة والإنسان، ويكون مفهوماً وواضحاً، وللأطفال حقاً، ضرب من الادّعاء! إذ كيف يمكن اختصار هذه الحكاية الموغلة في القدم، تلك التي تبدأ من "الانفجار العظيم" وحتى الآن، وجعل الأطفال يستوعبون هذه الحكاية بالغة التعقيد والغموض.

كتاب "قصة الكون والحياة والإنسان كما يرويها العلم الحديث" للكاتب موسى ديب الخوري، يجيب عن ذلك مستنداً إلى العلم من جهة، وإلى البساطة والسلاسة في الأسلوب (قدر الإمكان) من جهة أخرى.

يقول الكتاب للأطفال إن العلم يعيد إلى الإنسان مكانته في الطبيعة والكون. فالإنسان والأرض والمجموعة الشمسية لم يعودوا في مركز الكون، بل هم جزء منه، جزء صغير متفاعل مع الكون كله. كنا نعتقد أننا موجودون في مركز العالم، وجاء غاليليو وكوبرنيكوس وغيرهما؛ ليصححوا لنا الرؤية: فنحن نسكن في الواقع كوكبًا عاديّا ككواكب كثيرة في الكون، كوكبًا يقع في طرف مجرة متواضعةٍ، ومثلها مجرات لا تحصى.. نحن نحاول اليوم، أكثر من أي وقت مضى، طرح أسئلة جديدة عن الكون، وتقديم بعض الإجابات عليها.

ويوضح الكتاب للأطفال كيف أننا سليلو البشريات الأولى والكائنات الأولى، بل والنجوم والمجرات. إن العناصر التي أسّست أجسامنا هي نفسها التي كانت قد تفاعلت في باطن النجوم منذ أزمنة سحيقة! نحن حقاً أطفال النجوم كما يقول هوبرت ريفز!

وعندما يأتي الكتاب إلى قصة الكون، يزداد تبسيطاً ودقة في الوقت نفسه. إذ إن شرح هذه المسألة الشائكة بحاجة إلى تبسيط، حتى لو كانت موجهة إلى الكبار، فكيف بالأطفال؟ يقول الكاتب: تثبت النظريات الحديثة أن تاريخ الكون يرجع إلى نحو 15 مليار سنة. وكان الكون في بداياته غير منظّم ولا توجد فيه مجرات ولا نجوم، ولا حتى جزيئات وذرّات. فلم يكن الكون سوى عجينة من المادة، ليس لها شكل محدد. وتصل درجة حرارتها إلى مليارات مليارات الدرجات. وهذا ما دُعي بـ"الانفجار الكبير".

إن مفاهيمنا حول الزمان والفضاء والطاقة والحرارة، تختلف كلياً عند هذه البدايات. حتى أننا لا نعرف أبداً ما كان يوجد قبل ذلك. فنحن لا نستطيع أن نتخيل مفهومي المكان والزمان قبل الانفجار الكبير للكون.

ثم يذهب في توضيح ذلك؛ فيقول إن الدراسات الكونية والفلكية، تعتمد بشكل أساسي على دراسة الضوء الذي يأتينا من الأجسام السماوية. ويمتدّ طيف هذا الضوء إلى ما بعد ألوان الضوء المرئي، من الأشعة السينية وحتى الأمواج الراديوية. ويرتحل الضوء في الفراغ بسرعة300000 كلم/ ثا. لكن سرعة الضوء ليست لا نهائية. ولهذا الأمر نتائجه المهمة جداً بالنسبة لعلماء الكونيّات بشكل خاص. فهم يرصدون الكون بالتالي بتأخيرٍ، يزداد كلما كان الرّصد يتّجه إلى مناطق أبعد في الكون.

وهذا يعني أننا ننظر إلى القمر كما كان منذ ما يقارب الثانية الواحدة فقط، وبالنسبة للشمس كما كانت قبل ثمانِ دقائق. أما بالنسبة لنجم "النسر"، وهو أكثر النجوم سطوعاً في الليل؛ فالمسافة الزمنية بيننا وبينه تصل إلى تسع سنوات، أي أننا نراه اليوم كما كان قبل تسع سنوات! وبسبب هذا الفارق في الانتقال الضوئي، لا نعرف إذا ما كانت بعض النجوم قد انفجرت مثلاً.

بالمقابل، وبما أن للنجوم دورات حياة تقاس بملايين ومليارات السنوات، يمكننا أن نفترض بأن ما نراه لا يختلف كثيراً عما يوجد فعلياً في هذه اللحظة. لكن عندما نرصد مجرات تبعد عنا مليارات السنوات الضوئية، وبما أن ضوء هذه المجرات قطَع مليارات السنوات الضوئية؛ حتى وصل إلينا، فلا يمكننا التأكيد بأنها لاتزال تشبه اليوم ما نراه منها.

إن المنطقة الوحيدة من الكون التي لا يُطرح فيها الأمر بهذه الحدة، هي محيطنا المباشر بنصف قُطر بضعة ملايين سنة ضوئية. وبسبب هذا الفارق الزمني يستحيل تقريباً على العلماء معرفة ماذا يشبه الكون الحالي بمجمله. وبالمقابل، فإن هذا الفارق الزمني يُعدّ مهمّا جداً بالنسبة للعلماء؛ من أجل فهم تاريخ وتطور المجرات. فهم يأخذون عينات منها على مسافات مختلفة، ويعيدون بالتالي رسم تاريخ تشكّلها وتطوّرها؛ بدءاً من الانفجار الكبير وحتى الآن.

لقد ولدت فكرة "الانفجار الكبير" لدى علماء الفلك والكونيات عند دراستهم للمجرات، إذ تبيّن لهم أنها تتباعد عن بعضها بعضاً. فإذا كانت المجرات تتباعد عن بعضها بعضاً، فهذا يعني أنها كانت أقرب إلى بعضها البعض في الماضي. وإذا عدنا بها إلى الماضي السحيق، فلا بد أن مادتها كانت تشكل جوهراً أكثر تمركزاً وكثافة من أية مادة معروفة لنا اليوم، بما فيها نوى الذرات.

وهكذا ولدت نظرية الانفجار الكبير التي تقول إن الكون كان قد شهد في بدايته منذ نحو 12 إلى 15 مليار سنة حالة فائقة الكثافة والحرارة، وهي الحالة التي يشكل كوننا الحالي بقاياها المتمددة جداً بسبب توسع الكون.

لقد تمكّن العلماء بفضل تطور التلسكوبات، خلال السنوات الماضية، من رؤية ماضي الكون ومراحل بعيدة وقديمة جداً من تاريخه. وكلما رجعنا في الماضي أكثر يصبح الكون عاتماً أكثر. وإلى ما وراء حد معين، لا يعود الضوء قادراً على الوصول إلينا. ويوافق هذا الأفق فترة كانت درجة الحرارة فيها نحو 3000 درجة. وكان عمر الكون قد بلغ نحو 300000 سنة.

ثم يتابع الكتاب إثبات نظرية الانفجار الكبير، كما يرويها العلماء. ويعزو الدور الأكبر فيها إلى تمدد الكون، وإلى الماء السائل والكربون. حيث يقول: لعب الماء السائل دوراً أساسياً في تتمة التطور الكوني. ومن المحتمل أن يكون قد لعب دوراً مماثلاً في مجموعات نجمية أخرى. إن كوكبنا هو الوحيد الذي يحوي ماء سائلاً في مجموعتنا الشمسية.

وكان المريخ يحوي هذا الماء أيضاً منذ أكثر من مليار سنة، لكن جاذبيته لم تكن كافية للحفاظ على الغلاف الجوي والدفيئة الكافية لتطور الحياة عليه. أما كوكب الزهرة؛ فكانت بدايته تشبه الأرض كثيراً. وعلى الرغم من أنه يحوي الكمية نفسها من غاز الفحم، لكن وجود الماء على سطح الأرض ساعد على انحلال الكربون في المحيطات، فيما لعب قرب الزهرة من الشمس دوراً أساسياً في تشكيل دفيئة حارة جداً أدت إلى تطوره، بشكل مختلف تماماً عن الأرض.

لقد لعب الماء السائل دوراً جوهرياً في ظهور التعقيد الكوني. كذلك لعب الكربون دوراً لا يقل أهمية. فهو الذرة المثالية من أجل بناء الجزيئات. فالكربون أو الفحم يملك ما يشبه الخطافات الأربعة التي تلعب دور المفصل بين عديد من الذرات. كما أن الروابط التي يخلقها الكربون روابط مرنة بدرجة كافية للُعبتيّ الربط والتفكيك السريعتين والضروريتين لظاهرة الحياة.

ولهذا، فمن المرجح أن تكون ظاهرة الحياة في الكون قائمة بشكل أساسي على وجود الماء والكربون. وهما متوفران بكثرة في أرجاء الكون اللانهائي. ومع ذلك، فإن العلماء يقرون بإمكانية أن توجد روابط من أنواع أخرى من الجزيئات، أدت إلى ولادة أنماط من الحياة مختلفة تماماً، في أرجاء الكون الفسيح.

ثم ينتقل الكتاب إلى رواية "قصة الحياة"؛ فيعتبر أن فكرة الاستمرارية بين تطور المادة وتطور الحياة، هي فكرة حديثة. فالحياة قادرة على التكاثر والتطور. أما المادة، فكان يُظن أنها جامدة وغير قادرة على التناسل ولا على التطور. إلا أنه لم يكن معروفاً في الماضي أن الجزيئات مكوَّنة من ذرات، ولا أن الخلايا مكونة من جزيئات.

لقد أثبت العلماء منذ عدة عقود فقط، أن الحياة نتجت من تطور المادة الطويل نفسه. ومسيرة الكائن الحي ترجع إلى التاريخ الطويل من صيروة التعقيد في الكون، منذ الانفجار الكبير.

وهذا يعني أن الحياة ليست حكراً على الأرض فقط، بل هي ظاهرة شائعة في الكون كله. فكل كوكب في الكون فيه ماء، ويوجد- على بُعد أمثلٍ عن نجمٍ حار- إمكانية مراكَمة جزيئات معقدة وكُرّيات صغيرة، تتبادل المواد الكيميائية مع وسطها. ومن ضرورة إلى ضرورة، يصل التطور الكيميائي إلى الكائنات الحية الأولية.

ثم يعتبر الكتاب أنه من الممكن التحدث عن ظهور الحياة على كواكب بعيدة، بوجود ظروف مختلفة عن تلك التي وجدت على كوكب الأرض منذ مئات ملايين السنين. لقد توقف لويس باستور عند فكرة أن الحي يولد تلقائياً من المادة، في حين نعرف اليوم أن الساكن يولّد الحي تدريجياً (وليس تلقائياً) عبر مليارات السنين.

وكان شارلز داروين هو الذي أدخل مفهوم الزمن الضروري لتطور الحياة. وقد تم إثبات أن الحياة هي سليلة المادة في المختبر. فنحن نعرف الآن المراحل كلها التي قادت الجزيئات على الأرض البدئية إلى مرحلة الكائنات الحية الأولى، ويمكن إعادة إنتاجها جزئياً في المختبرات!

وعن قصة الإنسان، الكائن الأكثر ذكاء، فيقول: لا يمكن تحديد أصل واحد للإنسان! وبالأحرى يستنتج العلماء تطوراً طويلاً متسلسلاً تظهر خلاله الصفات المختلفة في مواقعها. وهكذا يمكن إرجاع البدايات الأولى إلى نهاية العصر الطباشيري منذ سبعين مليون سنة. إنه فجر الحقب الثالث، عندما كانت آخر الديناصورات في طريق الانقراض. لقد عانت البيئة عندها من تغيرات عميقة. وفي تلك الحقب كانت أفريقيا عبارة عن جزيرة.

وقد ظهرت على قارة كانت تجمع أوروبا وأميركا الشمالية وغرينلندا حيوانات صغيرة: إنها أُولى القردة سليلة آكلات الحشرات. وقد بدأت تتكاثر في وسط نباتي جديد تماماً يمثل أُولى النباتات الزهرية. فكان بالتالي عصرُ أُولى الثمار. وكانت القردة هي أول من استهلكها. وأدى ذلك، على مر الزمن، إلى تغيرات تشريحية مهمة في بنية هذه الأنواع.

وقد سمي أقدم هذه الرئيسيات البرغاتوريوس. ولم يكن حجمه ليزيد عن فأر. وبعد أن انتشر هذا النوع في العالم كله؛ ظهرت منه منذ حوالي 35 مليون سنة أوائل أسلاف القردة وأشباه البشريات. إنها الرئيسيات العليا. وقد أدى تغير المناخ والجفاف الذي طرأ إلى ظهور عدة أنواع منها، وأهمها "قرد مصر" كما سمي. وقد حقق إنجازات مهمة على صعيد الرؤية والحياة المشتركة.

ثم كان بعده البروكونسول الذي وصل حجم دماغه إلى 150 سم3. وقد شهد هذا النوع حدثاً مهمّا. فمنذ 17 مليون سنة التقت الصفيحة القارية الأفريقية العربية بالصفيحة الأوروبية الآسيوية. وعَبَر هذا القرد بالتالي إلى أوروبا وآسيا، وأعطى سلالات عديدة منها الرامابيثكوس الذي اعتُقد لفترة طويلة أنه ينتمي إلى فصيلتنا، لكن هذا الاعتقاد خاطئ اليوم. فقد تبين أنه أقرب إلى قرد الأورانج أوتان.

وبالمقابل بيّنت الدراسات المخبرية على أسنان أحد الأنواع الأخرى التي ظهرت في أفريقيا، أنها هي القريبة من البشر. ومن جهة أخرى أثبت العلماء أن الفارق بين مورثات الإنسان والشيمبانزي لا يتجاوز واحدا في الألف فقط. ثم يوضح هذه النقطة معتبراً أنه منذ نحو ثلاثة ملايين سنة، كانت البشريّات الأولى قد ظهرت، وكانت تعيش في الوقت نفسه مع أنواع الأوسترالوبيثكوس الأخرى. ولم تستطع أنواع أشباه الإنسان هذه تجاوز عشها البيئي. وعندما أصبح نوعهم أقل خصوبة؛ انقرضوا بعد عدة مئات من آلاف السنين.

وفرضت البشريّات الأولى نفسها. فهي أكبر حجماً وأكثر انتصاباً، إضافة إلى أنها كانت تتغذى بكل شيء تقريباً. وكان هذا الكائن انتهازياً جداً، ومزوداً بأدوات أكثر فأكثر فاعلية. ومن أشهر أنواع الهومو نوع "الإركتوس" أي المنتصب و"الهابيليس" أي الماهر، و"السابيان" أي العارف. ويمكن القول إن النوع الإنساني كان قد بدأ تطوره منذ أكثر من مليوني سنة مع الهومو إركتوس.

كان هؤلاء البشر محبين للاستكشاف، إضافة إلى حاجتهم الدائمة للصيد وملاحقة الطرائد. وكانوا مدهشين جداً عندما بدءُوا يرمون بالحجارة. وكانوا يعيشون دون شك في مجموعات صغيرة من عشرين إلى ثلاثين شخصاً. وكانت المجموعة كلما كبرت انقسمت من جديد، وابتعدت مُشكّلة جماعة أخرى. وكان ذلك عاملاً حاسماً في إعمار الكوكب.

وعلى هذا النحو يشرح الكتاب للأطفال كيف نشأ الكون والحياة والإنسان... لكن، كما لاحظنا، لم يكن التبسيط كبيراً إلى الدرجة التي نعتقدها من كونه موجهاً للأطفال، إلا أن صعوبة البحث وتعقيده يفرضان مستوًى معيناً، لا يمكن الابتعاد عنه. فاعتمد الكاتب، كما يبدو، على فكرة أن الحقائق العلمية أولاً، والبساطة تالياً.

الكتاب: قصة الكون والحياة والإنسان كما يرويها العلم الحديث.

الكاتب: موسى ديب الخوري.

الناشر: منشورات الطفل- دمشق.

2 comments:

رنداالجنوبية said...

رائع جزااك الله خيرا

لما تطرحه من مواضيع مفيده وقيمه

وفقك الله

abdullatif said...

السلام عليكم
رمضان كريم،وكل عام بخير.
إن نشأة الكون وبداية الحياة لغزا لم ولن نستطيع الإحاطة به.
قال تعالى " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"
تحياتي لك.