Wednesday, February 04, 2009

الاصول الروائية



ما أكثر الكتب التي تعتني بتاريخ الشعر العربي ، أما السرد فلا أحد يهتم بتتبع مراحله ، وإبراز أساليبه ، وقد أهمله الباحثون ظناً منهم أن العرب أنفسهم لم يهتموا به، ولم يبدُ في تراثهم أنهم اعتمدوه كفن يطاول الشعر الذي أصبح لديهم ديوان العرب . وسواء عرف العرب قديماً فن الرواية أم لم يعرفوه ـ ونظن أن تقاعس النقاد عن الالتفات للسرد العربي كان سببه أن العرب أنفسهم لم يبدعوا في فن الرواية ـ فإن التراث العربي يذخر بالمؤلفات النثرية الجديرة بالدراسة وتصنيفها إلى نصوص إبداعية ، وتنظيرية ، وبيوجرافية . ومبدأ الحكي معروف عند العرب كما هو معروف عند غيرهم ، ولكن المختلف عليه هو طبيعة الأشكال الروائية التي تميز كل شعب عن غيره .
من هنا تأتي محاولة الدكتور صفوت عبد الله الخطيب في كتابه " الأصول الروائية ـ في رسالة حي بن يقظان " ، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب ، لاكتشاف أو استنباط الأصول الروائية التي يمكن أن تتوافر في نص من أهم نصوص العصور الوسطى ، ويعد من أوائل إرهاصات الرواية كفن عرفه الإنسان ، ويركز الخطيب على أهم دعائم البناء الروائي مثل : المكان ، الزمان ، الحدث ، الشخوص ، الحوار ، حيث يفرد لكل منها فصلاً على حدة ، ويؤكد توافره في بناء نص ابن يقظان ، ليخلص في نهاية الدراسة ـ كما يقول ـ إلى أن : "الرواية العربية القديمة كيان قائم بالفعل ، يؤكد ذلك لدينا أن تعقب نص حي بن يقظان والانتهاء إلى تبين خصائص فنية عبر الأصول الرئيسية والبدهية لفنون الحكي ، وهي المكان والزمان والحدث والشخوص ثم الحوار ، وكذلك موافقة لظروف النص من جهة البيئة التي أنتجته والزمان الذي تصور فيه ، والموضوع الذي عالجه " .
والمكان هو أول الأصول الروائية التي يتحدث عنها صفوت عبد الله الخطيب عند ابن طفيل ، فيقول: " الملاحظ أن المكان في رسالة حي بن يقظان على الرغم من كونه يبدو خرافياً ـ وهذا بمقتضى طبيعة الموضوع الذي ارتضاه هيكلاً لغرضه ـ فإن ابن طفيل يحرص على أن يهبه سمت الواقع من خلال ذكر السند التاريخي في التسمية ، ومن خلال التحديد الجغرافي للمكان فيقول " ذكر سلفنا الصالح ـ رضي الله عنهم ـ أن جزيرة من جزر الهند التي تحت خط الاستواء وهي الجزيرة التي يتولد بها الإنسان من غير أم ولا أب ، وبها شجر يثمر نساء ، وهي التي ذكر المسعودي أنها جزيرة الوقواق " ، إن محاولة التقريب بين الخرافة والواقع مطلب يعنيه ابن طفيل ويقصد إليه قصداً ، وليس الأمر مجرد اتفاق أدت إليه المصادفة . كما أن ارتباط المكان بهاجس العلاقة بين الخالق والمخلوق في ذهن ابن طفيل ، جعل الأماكن الرئيسية عنده تتنوع بين ثلاث جزر ؛ جزيرتين بشكل حياتي مألوف في مقابلة جزيرة واحدة بشكل حياتي خارق للمألوف ، هي فيما يرى الباحث مقابلة بين نمطي العبادة ، أي عبادة العامة المقصورة على أداء الطقوس والعمل الذي يقتضيه ظاهر النصوص ، ثم عبادة الخاصة التي تتجاوز الظاهر إلى الالتحام بالخفي والتعلق به عبر رياضات ومجاهدات خاصة ، ثم إن كون طرفا المكان متقاربين متواجهين لهو إشارة ذكية من ابن طفيل إلى قرب الفاصل بين نمطي العبادة .
إن ابن طفيل حريص على تهميش المكان والتقليل من العناية به وصفاً وتعريفاً ، وليس ذلك لانعدام أهميته في العمل الروائي عنده ، بل لأن المكان في نظره هو المكان في نظر الأندلسي الذي شهد تسرب المكان/الوطن على الرغم من أهميته الطبيعية عند أصحابه ، وأحس غيابه على الرغم من وجوده في تكوين حياته . إن السعي إلى المطلق عند ابن طفيل جعل المكان منقسماً بين مستويين ، أحدهما المكان الداخلي المقترن بأمله المحبوس في صدره ، والآخر المكان الخارجي المقترن بالعزوف والرفض ، ومن ثم فإن حي بن يقظان عندما تتأكد له فكرة الموجود الواجب الوجود العلوي ، ويقرر السعي في سبيل اتصال به ، نجده وقد صار المكان في حياته قسمين .
وهكذا نلاحظ أن المكان في رواية حي بن يقظان قد صنع بعناية فائقة وبقصد ولا يراعي أبعاد الفن إلا بحسب الغاية ، فهو ليس المكان المصنوع من أجل الرواية إنما من أجل الوطن ، والوطن عند ابن طفيل هو الواقع ثم الأمل ، لذا فقد طغى على الكاتب ـ حسبما يرى الباحث ـ افتتانه بالوطن فتجاوز أحياناً حقائق العلم على نحو ما لاحظنا في جعله المكان/الصدر أهم من المكان/الرأس ، لأنه أراد القلب ولم يرد العقل .
أما الزمان فهو أهم العناصر الروائية على الإطلاق ، والكشف عن خصائص الزمن في رواية ما ـ كما يرى الخطيب ـ هو الكشف عن روح تلك الرواية ، وهو الوقوف على رؤية كاتبها ؛ لأنه يجمل ما تفصله الأصول الروائية الأخرى ، ويتحدد فيه ما تبعثر فيها . أما عمل ابن طفيل فهو جدير بأن يكون فيه الزمن غير موافق لما يألفه العقل البشري ، لأن التسامي إلى الروح قد طرح إمكانات العقل البشري وأعجزها عن ملاحقته ، ومن ثم فلم يعد للزمن المحدود قيمة ، بل يصبح الزمن المبهم هو الملحوظ عند تأمل مسار الحدث وتقلباته . فهو يستهدف مبدأ الزمن ولا يستهدف تحديده ، وربما كان ذلك لكون الحدث هيكلياً أكثر منه مقصوداً فهو وسيلة إلى هدف آخر غيره محوري وجوهري ، وليس غاية في ذاته .
وحين جاءت لحظة عبور ابن طفيل بحي بن يقظان من مرحلة الإغراق في المحسوس إلى مرحلة الشروع في التخلص منه ، جاء مقترناً بتحول حي من النمط الحيواني إلى النمط الإنساني ، ويعد الدخول في هذا النمط بداية الطريق الذي سلكه في الوصول إلى التوحد ، ويلاحظ أن التعبير عن الزمن في هذه المرحلة قد أصبح محدداً بعد أن كان غائماً مبهماً . وفي بعض الأحيان نجد الزمن متداخلاً مع الحدث ، ويكون التعبير عنه في هذه الحالة ضمنياً ، عندما يصبح الحدث ممثلاً لمطلوبات البطل في السعي نحو التوحد .
لقد أصبح الزمن عن ابن طفيل عنصراً فاعلاً في التكوين الفني لرواية حي بن يقظان ، ولم يعد يمثل ما يمثله الزمن ، صعوبة تواجه الروائي ، وربما كان تطويع ابن طفيل لزمن روايته وسيطرته عليه مرتداً إلى إدراكه لوجه الامتلاك الفني للزمن ، وذلك عندما أصبح الزمن هدفاً خاصاً للكاتب . إن ارتباط الزمن في رواية حي بن يقظان بغاية الكاتب ، وجعله معياراً لمراحل تحققها المختلفة ، ومستوياتها المتوالية ، هو سر تفوق ابن طفيل في السيطرة على الفن الروائي .
أما الحدث في رواية حي بن يقظان فهو غاية في ذهن ابن طفيل تتمثل في التوحد مع الخالق ، عبر عنها في شكل حدثي حكائي ، اعتنى فيه بإظهار تعلق البطل بمظاهر الفطرة دون أن يفصح عن الغاية الصريحة ، وتتجلى عقلانية ابن طفيل الطاغية في الرواية وهي مرتبطة بالغاية التي يسعى إليها من ورائها ، والتي يميل الباحث إلى أنها تتمثل في البحث عن الوطن المثال المرغوب ، والزهد في الوطن الفاقد لخصوصية الأندلسي وتفرده فيه حاكماً ومحكوماً .
ويضيف الخطيب إلى ما سبق أن شيوع ظاهرة التفسير والتعليل والتبرير في الحدث الروائي كان شيئاً من مستلزمات تلك العقلانية منهجاً ، ومن أسس تحقيق تلك الغاية ؛ ذلك أن استهداف وطن خالص للأندلسيين مرام ليس يسيراً في ظل خضوع الأندلس لسيطرة الموحدين أو غيرهم بعد ذلك ، ومن ثم فإن تحديد الطريق ، والاستيثاق من كل الخطوات ، بل واختيار الوسائل وتجريبها ، كل ذلك يصبح ضرورة قبل الشروع في السير نحو تلك الغاية ، ومن هنا يبدو أن ظاهرة التعليل والتبرير والتفسير في الحدث كانت مظهراً فنياً دالاً على ضرورة الحيطة والاستيثاق في مجال الواقع الذي يتحرك فيه أصحاب هذا الهدف .
إن أول ما يلاحظ عند ابن طفيل في روايته حي بن يقظان هو انقسام شخوصها قسمة عادلة بين الإنسان والحيوان ، فكما أنه يميز حي عن جميع الناس فإنه يميز الظبية عن باقية الحيوانات فكلاهما محور في ذاته للآخرين من جنسه ، ومما يلاحظ كذلك هو التقليل من كثافة الوجود لهؤلاء الشخوص ، فليس هناك تزاحم ، بل ربما سارت الرواية فاصلة ومميزة مقصورة على استنتاجات الراوي وتوجيهاته للقارئ .
إن إصرار ابن طفيل على رسم شخصية حي بمظهر طفولي على الرغم من تجاوزه الظاهري لزمن الطفولة وعمرها ، هو ـ في رأي الخطيب ـ معبر عن رغبة أثيرة لدى الكاتب في أن يأوي إلى ذاته وأن يحيا في داخلها ، لأنها العالم الوحيد الذي يرضى عنه بعد أن زهد في واقع الأندلس السياسي ، فإن رفضه لواقعه السياسي يتجلى في رفضه لتحديد شخوصه في كثير من المواقف وجعلها شخصيات غائمة غير محددة ، وغير ذات صوت ملحوظ .
وابن طفيل يستغل الحوار ـ الذي يعده مظهراً لغوياً ـ في تقمص الأطراف التي تقرب المتلقي من الجو النفسي الذي يريده الكاتب على نجو ما يبدو في هذا التصوير الذي يصل فيه ابن يقظان إلى درجة التوحد مع الذات الإلهية . والحوار لا يعدو أن يكون توجيهاً عملياً ، ويشهد على ذلك ضربه المثال بأن الجسم لا يتحرك إلا حركة تابعة لحركة اليد التي تقبض عليه ، إن ابن طفيل لا يكف ـ من خلال حواره اليقظ مع القارئ ـ عن تنبيه هذا القارئ إلى كون أحداثه الروائية مجرد رمز وتلويح ، وهو بهذا يريد من القارئ أن يكون قارئاً فطناً متعاوناً مع قضيته ومؤمناً بأحاسيسه .
إن المشاهد القليلة التي يخلي فيها ابن طفيل بين المتلقي وبين البطل هي المشاهد التي نظفر فيها بحق بحديث الذات ، حيث ينطلق المنولوج على لسان حي بن يقظان فيعبر عن الأحاسيس الكامنة في نفس الكاتب ، فيكون التعبير متميزاً بالشفافية والعمق على نحو أكبر مما يكون في الحوار المشترك بين الكاتب والقارئ .

No comments: