Saturday, April 28, 2007

تستحق المتابعة

لم يعد المشهد مروعاً كما كان في الماضي، ربما أماتت الحضارة القلوب وخدرت العقول، لأن حضارتنا اليوم حضارة جسدية، نعم نحن متحضرون بالجسد والتعري بإبراز جمال الجسد طبيعياً كان أم صناعياً، وربما الغربة والتغريب هما المسؤولان عن موات القلوب، ففي الماضي، عندما كان الأقارب يتباعدون ويسافرون ولو لأيام معدودة، كانوا يذرفون الدموع ويتعانقون ويتألمون للفراق، لكن مع كثرة السفر والترحال تعود الفؤاد، فما عاد يجزع لشيء.
الدمار، الحرب، دخان يتصاعد من كل حدب وصوب وأرجل المشاة تتعرقل بالجثث بعد أن كانت تتعرقل بالأحجار، وداخل بيت صغير مليء بالقتلى، كان هناك رضيع يحبو لا زال على قيد الحياة، كان جائعاً يبحث عن صدر أمه، كان يحبو ويجتاز الجثث باحثاً عن أمه الملقاة على الأرض غارقة وسط دمائها ودماء أقاربها، وصل الرضيع لصدر أمه وبدأ يرضع لكنه لا يعلم أن أمه غادرته على الرغم عنها، أكمل رضعته وعاد إلى فراشه ضاحكاً ونام، لكن أين هو الآن؟ في أي جهة نشأ؟ وإلى جانب من يقاتل؟
تاليف سهير فضل عيد
ما زال جسمي مبللاً بمتعة حقيقية نزلت على جسمي الفاتر كرذاذ الماء المنعش.. لا زالت العصافير التي رفرفت على جسدي تواصل غنائها بكل نشوة وبهجة.. هذا الجسد الذي كفر بقسم أبي حين رسم عليه دوائر السوط الأسود.. وأقسم أن يقطعنا به أوصالاً إن لم نسحب له حساباً.. والآن، فلتسقط كل السياط.
جاء الليل...
ولا زال طعم المتعة على شفتي.. ألعقه بين حين وآخر.
يالزياد... لقد أيقظ كل الحانات النائمة في مدينتي وأشعل لها الشموع..
رصف إليها كل الطرق وزرعها ورداً، دق أجراس الرغبة التي أخرست مذ تزوجت ياسر فعجزت عن إسكاتها.
هاتفني بعد الثانية.. ألن تحضري لتأخذي ملابسك؟
قبل أن أتوجه إليه تطيبت بعطر اشتريته لمثل هذا، لم أغير ملابسي كنت أرتدي جلابية من الحرير اللامع، وغطاء خفيف ألقيته بلا مبالاة فوق رأسي.. كان الباب موارباً فولجت بخفة وأغلقته خلفي، قلت له أعطني ملابسي بسرعة
تأليفfبشائر محمد

في خيالها المشرع على الحكايات، تسافر وردة في رحلات فريدة إلى بلدان بعيدة وتتوقف طويلاً في اسطنبول، حيث كانت البداية، حين التقى جدها سيدي مدنات الآتي من بلاد القوقاز، أباها المستشار العثماني عزمي إسماعيل القادم من بيروت. بين متخيل ومعيش، ستمضي وردة في رحلاتها إلى أن تبدأ تنسج حكايتها الخاصة، مسافرة بدورها، إنما هرباً مع شاب أحبته.
لكن... بين العداء العائلي وملابسات الحرب العالمية الأولى، ماذا يكون المصير؟
تاليف رجاء نعمة





امرأة.. وظلان" وعوالم سحرية متداخلة ومتأججة تنفتح نوافذها الكثير على مشهد كويتي متحرك في خضم الفكرة والحياة والكتابة والحداثة وعناوين أخرى تحيل إليها تلك العناوين المبدئية.
أما الروائية التي تقترح هذا العالم الجديد رواية جميلة وفقاً لمقاييس الإبداع والإمتاع معاً، فهي خلود عبد الله الخميس، الكاتبة الصحفية التي أعرفها منذ عدة سنين تعيش بين أرقام البورصة وتحليلاتها المالية، برهافة المبدع والقادر على الخلق والمنبعث بين ركام الأرقام المتحركة كائناً فينيقياً يمارس الحياة والكتابة علاجاً لأوجاع الروح السقيم، وذهاباً إلى مستحيل الأيام والأحلام بزاد من أمل فيما يكتب، وألم مما يكتب، وليس الإبداع الحقيقي سوى ذلك المزيج المتكون بين الحالتين بدهشة.
وبعيداً عن هذا العالم المادي طرقت خلود الخميس باب الرواية لأول مرة، بعد تجارب كتابية متنوعة، من خلال هذه الرواية التي كتبتها وأعادت كتابتها عشرات المرات، وكأنها تستحلب لذة خالصة من عملية الكتابة وإعادة الكتابة وما بينهما من مناخات سحرية لا يعرفها إلا الممارسون للكتابة ضوءاً واحتراقاً، تحاول أن تعبر عن ذاتها بصورة أقرب إلى أن تكون هي الحقيقة الأخيرة بالنسبة لها، فهي في "امرأة... وظلان" تؤطر فنونها الكتابية المتوارثة في إطار من الوعي الذي حاولت، وهي تمضي قدماً في الكتابة والحكي، ألا يفسد الأجواء الشفيفة للنص، وهي عبر هذه المحاولة الأولى، تقترح على المرء أن يكون متصالحاً مع ذاته أولاً قبل البحث عن نماذج مقترح في رحلة المصالحات الضرورية لسيرورتنا في الحياة بشراً يفكرون.
من خلال قصة حب جميلة وشفيفة، تبني الروائية جسراً من الثقة بين ضفتي الخليج العربي عبر امرأة تنتمي إلى الـ"هنا" ورجل ينتمي إلى الـ"هناك"، وبين الـ"الهنا" والـ"هناك" أكثر من نقطة التقاء للثقة الحقيقية رغم ما نعيشه ونراه ونسمعه تراكما تاريخياً في أضابير الماضي الحي، وواقعاً راهناً في يوميات السياسة وتحولاتها. لكن تلك الثقة التي حاولت أن تحتفي بها خلود الخميس كاقتراح إنساني بسيط لحل المتراكم من المشكلات الحضارية، نبتت في أرض بعيدة وغريبة، وكأنها تريد أن تقول لنا أن الكائن البشري، مهما تنوعت خلفياته الثقافية، وتعددت مشاربه الفكرية، يستطيع أن يمارس كينونته القصوى بمحض الوعي الحقيقي بقيمته ككائن بشري على هذه الأرض.
خلود الخميس تقترح في روايتها الأولى، أن نكون نحن، لا أن نكون غيرنا، وأن نفتح كل النوافذ الموجودة في بيوتنا لاستقبال الهواء الجديد، فهو لن يقتلعنا، مهما أوتي من قوة، ما دمنا نحتفي بإنسانيتنا حباً وكلمة وحياة مفعمة بالأحاسيس الخلاقة، ولحسن الحظ، فقد فعلت خلود الخميس كل ذلك بثقة وطمأنينة تليق بإنسانيتها الجميلة، وقلمها المرهف، وضحكتها الرائقة أيضاً.
تأليف: خلود عبد الله الخميس

Monday, April 23, 2007

عباس محمود العقاد


عباس محمود العقاد (29 شوال 1306 هـ = 28 يونيو 1889 - 26 شوال 1383 هـ= 12 مارس 1964م) هو من أهم إن لم يكن أهم الأدباء المصريين في العصر الحديث و قد ولد في أسوان في 28/6/1889، وتخرج من المدرسة الابتدائية سنة 1903. أسس بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري مدرسة الديوان، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق.
وعمل العقاد بمصنع للحرير في مدينة
دمياط وعمل بالسكك الحديدية؛ لأنه لم ينل من التعليم حظا وافرا؛ حيث حصل على الشهادة الابتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب، والتحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية.
--------------------------
مل العقاد العمل الروتيني، فعمل بمصلحة البرق، ولكنه لم يعمر فيها كسابقتها، فاتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع "محمد فريد وجدي" في إصدار صحيفة الدستور، وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه، وتوقفت الصحيفة بعد فترة، وهو ما جعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه.
ولم يتوقف إنتاجه الأدبي أبدا، رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات.

---------------------------
أما عن أعماله الفكرية الأدبية فهي كثيرة للغاية ويصعب حصرها، لكن بداية ظهوره قي الإنتاج الأدبي كان في سنة 1916، مع ديوانه الشعري الأول، وصدر له بعد ذلك مجموعات شعرية، مثل: هداية الكروان، وأعاصير المغرب، وحي الأربعين، وعابر سبيل.

عباس العقاد في كبره
ومن أشهر أعمال العقاد سلسلة
العبقريات الاسلامية التي تناولت بالتفاصيل سير أعلام الإسلام، مثل: عبقرية محمد، وعبقرية عمر، وعبقرية خالد، وغيرها.. ولم يكتب إلا رواية واحدة هي "سارة"، ومن أهم مؤلفاته أيضا: الفلسفة القرآنية، والله، وإبليس، الانسان في القران الكريم ومراجعات في الأدب والفنون.
وقد منحه الرئيس المصري
جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها. وتوفي العقاد سنة 1964.
----------------------------
مؤلفاته
"الله"
عبقرية محمد.
عبقرية الصديق.
عبقرية عمر.
عبقرية عثمان
عبقرية الامام علي
عبقرية خالد
داعي السماء بلال
الصديقة بنت الصديق
أبو الشهداء
عمرو بن العاص
معاوية بن أبي سفيان
فاطمة الزهراء
الفاطميون
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه
الفلسفة القرآنية
التفكير فريضة إسلامية
مطلع النور
الديمقراطية في الإسلام
الإنسان في القرآن الكريم
الإسلام في القرن العشرين
ما يقال عن الإسلام
أنا
أفيون الشعوب
هذه الشجرة
جحا الضاحك المضحك
غراميات العقاد
روح عظيم المهاتما غاندي
حياة قلم
سارة

Sunday, April 08, 2007

هربرت جورج ويلز


هربرت جورج ويلز (21 سبتمبر 1866 - 13 أغسطس 1946) أديب، مفكّر، صحفي، عالم اجتماع ومؤرخ إنجليزي.
يعتبر من مؤسسي أدب
الخيال العلمي، وقد اكتسب شهرته بفضل رواياته التي تنتمي لذاك الصنف الأدبي. بعكس معاصره جول فيرن فقد حوت روايات ويلز انتقادات اجتماعية هادفة ولم يكتف بسرد المغامرات.
----------------------------------------

ولد هـ. ج. ويلز في بروملي في مقاطعة كنت في انجلترة. كان أصغر اخوته الثلاثة لأب صاحب دكان ولاعب كريكيت وأم ربة بيت وكانت عائلته من الطبقة الوسطى السفلى. لم يكمل وياز تعليمه المدرسي إذ اضطر لترك مقاعد الدراسة والعمل مساعدا لتاجر أقمشة بعد إفلاس والده. قام ويلز لاحقا بوصف عمله هذا ما بين السنين 1880 حتى 1883 في روايته Kipps.
عام
1889 بدأ ويلز دراسته في مدرسة "ميدهيرست" وفي جيل 18 عاما حصل على منحة تعليمية في مدرسة العلوم في لندن. درس ويلز علم الأحياء لدى عالم الأحياء المعروف ت. هـ. هاكسلي واشترك في حلقات علمية وكتب في مجلة الجامعة العلمية. في تلك السنين لدأ اهتمامه في الإصلاحات الاجتماعية، ومال نحو الأفكار الاشتراكية. مع الوقت فقد ويلز اهتمامه بالدراسة وترك التعليم عام 1887. قام بالتدريس لمدة أربع أعوام في مدارس خاصة ولم يحصل على اللقب الجامعي الأول حتى عام 1890.
عام 1891 سكن في لندن وتزوج ابنة عمه إيزابيل. استمر ويلز بالعمل في التدريس حتى عام
1893 حين قرر أن يتفرّغ كليّا للكتابة. عام 1894 ترك ويلز زوجته إيزابيل من أجل إحدى طالباته، إيمي كاثرين روبينس، التي تزوجها عام 1895 وقد ولد لهم إبنان جورج فيليب وفرانك ريتشارد. إلا أن ويلز لم يكن زوجا مخلصا وقد كانت له عدة علاقات غرامية.
كانت رواياته منذ البداية من
الخيال العلمي، نشرت روايته الأولى عام 1895 وحملت عنوان آلة الزمن وقد حظيت بنجاح بين القراء. نشر روايته الثانية عام 1896 بعنوان "جزيرة الدكتور مورو" عن عالم مجنون يحول الحيوانات إلى كائنات بشرية. عام 1897 نشر الرجل الخفي عن عالم ينجح بإخفاء نفسه ونشر حرب العوالم عام 1898 عن غزو كائنات مريخية للأرض. روايته أول رجال على سطح القمر تعتبر تنبؤاً في أساليب ريادة الفضاء.
كتب ويلز أيضا روايات ليست من صنف الخيال العلمي مثل "الحب والسيد لويشام" و"كيبس" كما نشر كتابه توقعات عام
1901 وكان نشر مسبقا متسلسلا في إحدى المجلات تخت عنوان "تجربة في التنبؤ" محاولا التنبؤ بوضع العالم عام 2000 وقد نجح بالتنبؤ ببعض الأحداث مثل تطور السيارات والقطارات مما سبب نزوح البشر من المدن والسكن في الضواحي، انحلال القيود الاجتماعية على العلاقات الجنسية، فشل العسكرية الألمانية ونشوء الاتحاد الأوروبي؛ لكنه فشل في بعض توقعاته مثل اعتقاده أن الانسان لن ينجح بالطيران حتى خمسينات القرن العشرين واعتقاده باستحالة نجاح الغواصات. وقد كان كتابه هذا أول كتاب يحظى برواج واسع.
عام
1909 نشر روايته "آن فيرونيكا" التي عرض فيها آراء نسوية يصف فيها نضوج آن فيرونيكا من طفلة ساذجة إلى شابة تمثل "المرأة الجديدة" أثارت رواية ضجة كبيرة بسبب آرائها وبسبب تشابه اسمها باسم أمبر ريفز بينما دارت شائعات بأن ويلز أقام معها علاقة غرامية. وكان من وصف الرواية بأنها سم روحي، وتم الادعاء أن الرواية تفسد الجيل الشاب.
---------------------------------------


انضم ويلز إلى الجمعية الفابية في لندن لكنه سرعان ما اختلف مع قادتها ومنهم برنارد شو. وقد كانت لتجربته أثرا في كتابه "مكيافيللي الجديد" (1911) الذي يصف فيه أعضاء الجمعية الفابية المعروفين. عام 1913 نشر "العالم يتحرر" (The world set free) يحذر فيه من مخاطر الحروب وتنبأ فيه بالحرب الوشيكة. بالإضافة إلى ذلك فقد ذكرت في الكتاب إمكانية بناء قنبلة ذرية ورغم أن المبادئ العلمية التي ذكرها (قنبلة مبنية من الراديوم) لم تكن صحيحة إلا أنه تنبأ بقنبلة يمكنها محو مدينة كاملة كما أن بعض العلماء الذين عكفوا في سنوات الثلاثين والأربعين من القرت العشرين على تطوير القنبلة الذرية قالوا أنهم استمدوا الفكرة من كتاب ويلز هذا.
بعد انتهاء
الحرب العالمية الثانية نشر عام 1920 موجز تاريخ العالم في مجلدين ليكون من أول من كتب التاريخ متوجها إلى عامة الشعب. رغم رواج لاقى كتابه هذا العديد من الانتقادات من مؤرخين محترفين إلا أن أرنولد توينبي مدحه قائلا أن هذا الكتاب من أفضل المقدمات في موضوع التاريخ. كما نشر "علوم الحياة" في 9 مجلدات بين الأعوام 1930 - 1934 الذي شارك بكتابته جوليان هكسلي وجورج فيليب ويلز. كما نشر أيضا "محاولات في السيرة الذاتية" عام 1934.
عام
1914 زار ويلز روسيا للمرة الأولى ورأى أن النظام فيها قمعي وفاسد. كانت لويلز عدة اعتراضات على الممارسات السوفييتية إلا أنه تفهم أهداف ثورة أكتوبر، عان 1920 زار الاتحاد السوفييتي والتفي لينين. في العشرينات كان مرشح حزب العمال للبرلمان. بين السنوات 1924 حتى 1933 عاش في فرنسا وفي السنوات 1934 - 1946 ترأس جمعية الكتاب العالمية PEN.
----------------------------------


عام 1934 التفى بستالين وروزفلت محاولا، دون جدوى، أن يثير اهتمامهم بآرائه. بعد بقائه بستالين خاب أمل ويلز من الشيوعية وفي كتابه "الإرهاب المقدس" The Holly Terror عام 1939 يصف التطور النفسي لطاغية عصري مستوحيا شخصيته من ستالين، هتلر وموسوليني.
أثناء
الحرب العالمية الثانية عاش ويلز في ريجنس بارك في لندن، وقد رفض مغادرتها رغم القصف. كتابه الأخير Mind At The End Of Its Tether المنشور عام 1945 يحمل نظرة متشائمة حول مستقبل البشرية. توفي ويلز في 13 أغسطس 1946.


Sunday, April 01, 2007

ثابت بن سنان

جمع "ثابت بن سنان" بين عدد كبير من العلوم الإنسانية والتطبيقية، فكان مؤرخًا فيلسوفًا وأديبًا، كما كان طبيبًا وفلكيًا ورياضيًا، وكانت له بصمات واضحة في تلك العلوم والفنون، بالرغم من أنه لم يحقق قدرًا كبيرًا من الشهرة، ولم يبلغ ما بلغه جده "ثابت بن قرة الحراني" من الشهرة والذيوع.
--------------------------------
ولد "أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة" في أسرة عريقة، اشتهرت بالعلم والطب، ونشأ في بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية، وموطن العلم وقبلة العلماء، كان أبوه "سنان" طبيبًا ماهرًا، وقد خوله الوزير "أبو عيسى بن الجراح" مهمة الإشراف على علاج المساجين في سجون الدولة، وتوفير الدواء والرعاية الصحية لهم.كما قلده البيمارستانات ببغداد وغيرها، فكان يقوم بعمله بمهارة وإتقان جعلته موضع ثقة الوزير "علي بن عيسى" والخليفة "المقتدر بالله العباسي".وكان جده هو الطبيب المعروف "ثابت بن قرة" الذي برز كواحد من أكبر الأطباء والمترجمين في القرن (3هـ = 9م)، والذي كان يتميز بالبراعة والذكاء، وقد روي عنه حفيده "ثابت بن سنان" قصة طريفة مؤداها أنه كان يمر في طريقه دائمًا بجزار يبيع اللحم، وكانت له عادة غريبة، فهو يقطع شرائح الكبد ويضع عليها الملح ثم يتناولها نيئة. وتوقع "ثابت" له أن يصاب بأذى، فجهّز الدواء اللازم له، وكان يحمله معه كلما مر عليه، وفي أحد الأيام مر ثابت بالجزار فسمع صراخًا وعويلاً، فأدرك أنه صار إلى ما توقعه له وعندما سأل عن الخبر قيل له: إن الجزار قد مات، فطلب الدخول عليه، وعلى الفور بدأ بتنشيط نبض الرجل وأعطاه الدواء الذي أعده خصيصًا له، وسرعان ما أفاق الرجل وبدأ يستعيد نشاطه وحيويته.
------------------------------------------
وقد عاصر "ثابت بن سنان" عددًا كبيرًا من الخلفاء العباسيين، وكانت له مكانة وحظوة في بلاط كثير منهم، وجعل علمه وخبرته ومهارته في خدمتهم، فاتصل بالخليفة "الراضي" [320-322هـ = 932-943م]، كما خدم الخليفة "المتقي بالله" [329-333هـ = 941-944م]، وكذلك الخليفة "المستكفي بالله" [333-334هـ = 944-945م]، والخليفة "المطيع" [334-363هـ = 945-974م].وتولى "ثابت بن سنان" إدارة بيمارستان بغداد فترة طويلة من الزمان.
----------------------------------------
وكان "ثابت" طبيبًا نبيلاً، اطلع على كتب الأقدمين، وأضاف إليها العديد من خبراته ومشاهداته، وقد ساعده على التبحر في علوم الطب أنه نشأ في أسرة توارثت هذا العلم، وقد سلك فيه مسلك جده "ثابت" في نظره في الطب والفلسفة.
--------------------------------------
ولم يمنع اشتغال ثابت بالطب من اشتغاله بعلم آخر بعيد تمامًا عن مجال الطب، وهو علم التاريخ، وقد وضع "ثابت" كتابًا مشهورًا في التاريخ، أخذ عنه كثير من المؤرخين الذين جاءوا من بعده، وكان كتابه هذا يسجل فترة مهمة من التاريخ الإسلامي في العصر العباسي، بدأه من خلافة المقتدر بالله العباسي سنة [295هـ = 908م] وانتهى قبيل وفاته بنحو عامين سنة [363هـ = 974م]، وقد جعله ذيلاً على "تاريخ الطبري"، ونسج فيه على منواله، واتبع طريقته في التصنيف، إلا أن هذا الكتاب فُقد، ولم يصلنا منه سوى بعض النقول ولكن تظل مهنة الطب هي المسيطرة على فكر ابن سنان وثقافته فهي تطل من ثنايا كتاباته في التاريخ، وبدا جليًا تأثره الواضح بمهنته كطبيب، فكان يهتم بالأخبار الطبية الطريفة، فينساب قلمه في وصفها شارحًا ومحللاً، من ذلك قوله: "حدثني جماعة من أهل الموصل ممن أثق به أن بعض بطارقة الأرمن أنفذ في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة إلى ناصر الدولة رجلين من الأرمن ملتصقين".ويهتم "ثابت" بوصف صفة التصاق التوأمين، وكيفية تحركهما وتناولهما الطعام، ويتحدث عن اختلاف طبائعهما وتباين مزاجهما، واختلافهما في الميول والاهتمامات.وفي موضع آخر يقول: "ورأيت في صدر أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين، وكان لها كفان بأصابع تامة معلقتان رأس كتفيها لا تعمل بهما شيئًا. وكانت تعمل أعمال اليدين برجليها ورأسها تغزل برجلها وتمد الطاقة وتسويها وتسرّح امرأة برجليها".
--------------------------
وكان "ثابت بن سنان" أستاذًا للعديد من الدارسين والأطباء، وكان يدرس كتب أبقراط وجالينوس، وكان أحمد وعمر ابنا يونس بن أحمد الحراني ممن قرأ عليه كتب جالينوس في بغداد، كما شارك في ترجمة كثير من الكتب الطبية من اللغات السريانية واليونانية وشرحها وإضافة معلومات جديدة إليها.وكان لبراعته ومهارته وعلمه أكبر الأثر في توليه رئاسة بيمارستان بغداد خلفًا لأبيه ليكون عميدًا لأطباء بغداد.وتوفي "ابن سنان" في [11 من ذي القعدة 365هـ = 11 من يوليو 975م].وقد رثاه "أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ" بأبيات، منها: أثابت بن سنان دعوة شهدتلديها أنه ذو علة أسفما بال طبك لا يشفي، وكنت بهتشفي العليل إذا ما شفّه الدنفغالتك غول المنايا فاستكنت لهاوكنت ذا يدها والروح تختطف