Saturday, December 22, 2007

طقوس الفرسان

سأوجه كلماتي كرصاص طائش، وسألقي ما في صدري من ضيق، ستكون النهاية... والبداية. لن أهتم بالتفاصيل، ولن أضطر لترتيب الأفكار... أنا رجل ملول... فوضوي... وحقير... هكذا وإلا فلا... سأصرخ في وجهها حتى ترى حنجرتي وسيقذفها هواء رئتي خارج عتباتي المقدسة.. أنا لا أصلح للزواج... فهمت أم لم تفهم
* * *

قبل يومين، اغتاظت حين اختلست نظرة لزميلتها.. الفتاة جميلة، وحركة رأسي كانت مطاطية... أعترف أني استدرت مائة وثمانين درجة، ولكنه كان رد فعل انعكاسي، أي، لا إرادي، وأنا من جاهدت نفسي طوال الشهرين الماضيين، مارست كل سياسات القمع الذاتي حتى أركز رأسي باتجاهها، طبقت خواص التناظر حول محور واحد.. كان أمرًا جللاً.
لكني لا أنكر أن في عينيها شيئًا لم أره في عيون الأخريات، وأنها حين تهمس، أذوب في حروف الكلمات... وآه حين... لا فرضته،.. لا، لن أترك نفسي فريسة حلاوتها أو طلاوتها سأشق حصار اللاحوار الذي سأقول، منع التجول عندك أنت فقط، أما أنا فلا..
* * * *
البدلة تناسب ربطة العنق، وهي لم ترها، ستكون مهمة رسمية لفض شباكها، وسأبدو رجلاً محترمًا، وسياسيًّا محنكًا يحسن رسم النهايات. هذا العطر سيفوح على أرصفة منزلها، سيقلقها، سينفذ عبر أسوارها ونوافذها المعلقة، سيؤرق خلايا شمّها العصبية، وسأبدو وسيمًا تتهافت عليّ بنات الحي ولن آبه.. سألقي كلماتي وأستدير.. قبل أن أستدير، سأبتسم ابتسامة مقتضبة.. لن ألتفت.. ستناديني وسأمضي.. ستبكي، ويعز عليّ أن تبكي، سيعلو البكاء، وسأصمد.. سأفكر في فاتنة تغزو البطين الأيمن من خافقي ويذهب حبها أدراج أنفاسي.
* * * *
للفرسان طقوس في الحب.. سأهديها باقة ورد. أريدها أن تتألم وأن تعض أناملها الناعمة ندمًا وحسرة.. الجرح ستتلوه ندبة، بل قيحًا، ستعاني عواقب الهجر، ستذوب كشمعة. أما هذا النور المشع في عينيها فسينطفئ. ستقص شعرها الحريري وستخفي ملامحها الحزينة خلف أقنعة من المساحيق. البيت هو البيت بالخدر.. ساعة الميلاد ستأتي هكذا في لحظات، الجو ربيعي فاتن والنسيم يوحي
* * *
انتظرت وطال انتظاري، مللت من المارة والأرصفة وما عاد النسيم يوحي بشيء. فجأة قنصتها تصعد السلالم، تبعتها.. ناديتها، لم تلتفت، رفعت صوتي بالنداء، أسرعت وغلقت الأبواب؟؟؟
فار الدم في رأسي.. طرقت الباب مرتين، ثم توالت طرقات كريح صرصر.. هددت، أقسمت........ وعظمت..... توعدت واعتذرت،... ورجوت... وتأوهت.... وأذعنت فُتح الباب، قادتني من يدي أبصرت قمرًا غاب عني، وغنجا يقضي على أعنف الثورات.....
* * *
بان السيد - 34 عامًا - فلسطينية مقيمة بأمريكا
-------------------------------
النقد والتعليق
-------
تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان
في الحقيقة.. إن الحس الشعري الموجود فى العمل القصصي الذي بين أيدينا يجعلنا نقف قليلاً قبل أن نقضي بنوع الجنس الأدبي وبأنه قصة، ففيه تكتمل كل مقومات العمل القصصي من حبكة وحراك درامي واضح. وقد استطاعت القاصة أن تنتقل بين الأحداث برقة ورشاقة واضحيْن.
جاء الحسّ الذكوري عاليًا جدًّا، بمعنى أن المتلقي لا يمكنه أن يدرك أن الكاتب امرأة وذلك أمر محمود للقاصة، فهي تنتقل بين الأحداث بخفة وسلاسة، وكذلك بين الأزمنة فلا نشعر معها بفجوات زمنية على الإطلاق.
-----------
اللغة شاعرية جدًّا حتى إن القاصة تصُفّ كلماتها وكأنها قصيدة وتقطع الجمل القصيرة وكأنها بصدد ميزانها، على كل فقد خدمت الجمل القصيرة الإيقاع المتسارع الذي يُشعر المتلقي بأنه يلهث في إثر الحدث، كما جاءت القصة مكثفة جدًّا بلا خلل، وهو من الأمور المتميزة في هذا العمل. لكن القاصة وقعت في المباشرة وفي كونها لا بد أن تأتي بعنوان قصتها داخل الموضوع؛ إذ كان من الأفضل أن تتخلى عن هذه المباشرة، فعملها جيد جدًّا باستثناء المباشرة، وتقطيع الجمل في شكل الكتابة وهو ما يليق بالشعر أكثر من القصة.
-------------
منقول من موقع اون لاين

Saturday, December 01, 2007

الثقافة العربية مقومات الصمود


أفرزت الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال عن ظهور الإنتاج الجماهيري والذي ينظر إلى العامل بكافة أجناسه وشعوبه باعتباره سوقًا واحدة يجب أن تخضع لمعايير موحدة؛ لذا كَرَّسَت فكرة السوق العالمية جهودها في مجال صناعة المضامين الثقافية والمضامين الأخرى ذات الارتباط بالثقافة كالإعلان والترفيه، وظهر بذلك مصطلح ثقافة عالمية كونية تدفع العلم إلى الاتجاه في الدخول إلى قالب ثقافي واحد، وتُعَدُّ هذه الثقافة العالمية الولايات المتحدة الأمريكية نظرًا لمكانتها الدولية وتفوقها التكنولوجي، وعن طريق حكوماتها في أحيان أخرى.
وقد ظلَّت مسألة إيجاد ثقافة عالمية هاجس القادة والساسة الأمريكيين، ويعتبرون عدم وجودها عقبة أمام تحقيق أحلام وطموحات الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، وفي ذلك يقول جورج بوش الرئيس الأمريكي السابق:
هناك شرطان أساسيان للنظام الدولي الجديد المُؤَسَّس على هيمنة القانون الدولي لم يتوافرا بعد وما زالا بعيدَيْن عن التحقيق في المستقبل القريب.




أولاً: عدم وجود ثقافة دولية ومجتمع دولي متماسك قادرين على العمل؛ لتخفيف التنافسات وسوء الفهم المتبادل المؤدي إلى الصراعات وتصادم القيم الحضارية بين الأمم


ثانيًا: ما زال الأمر الواقع الحالي غير مقبول لكثير من الأطراف التي لا تتوافق مطالبها بسهولة مع الإطار الدولي الحاضر
--------------------------
وجدت هذه النزعة الأمريكية تعزيزات أيديولوجية من قبل منظرين أمريكان الذي توصلوا لأي نظريات في حتمية سيطرة وقيادة أمريكا للعالم، مثل: نظرية نهاية التاريخ وظهور الرجل الجديد لفوكوياما والتي بَجَّلت النعرة القومية عن فكرة الرأسمالية وسمو العنصر الأمريكي، وكذلك نظرية صدام الحضارات لهانتجتون التي دعت حتمية الصراع الأيدلوجي بين الشرق المسلم والغرب المسيحي.
كل ذلك حمل الكثيرين من المفكرين للقول بخطورة تلك الإفرازات ومساسها للأمن الثقافي والفكري للعالم العربي والإسلامي، لما يشكله من تهديد مباشر للميراث الثقافي الغني له، وظهرت مصطلحات تعكس حالة القلق والتوجس من زحف الثقافة الأنجلو الأمريكية مثل: الغزو الفكري.. الاختراق الثقافي.. العولمة الثقافية.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإننا نرى أن للثقافة العربية بمفهومها العام والثقافة الوطنية المحلية، بوادر أمل للبقاء والمقاومة والصمود أمام أي زحف خارجي، ومستندنا في ذلك مقومات مستوحاة ومستنبطة من واقع البلاد العربية وأوضاعها العامة، ونلخصها في الآتي:

---------------------------
أولاً: أنظمة الحكم

من الفرص المتاحة لصمود الثقافة العربية والمحلية حماية أنظمة الحكم في البلاد العربية لها، فلا تزال تحظى بدفاع واهتمام كبيرين منها لما بينهما من علاقات ارتباطية وثيقة؛ لأن بقاء الأولى يُعَدُّ غذاء مقوِّيًا لبقاء الثانية، ولعل لغز الارتباط يتضح إذا نظرنا إلى واقع الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية أن كلاًّ منها يستمد مشروعية البقاء والاستمرار على سُدَّة الحكم من دعم القيم والمؤسسات المسئولة عن التنشئة الاجتماعية وغرس الثقافة العربية والوطنية في الناشئة وتأصيلها لدى كافة المواطنين، فهذه المؤسسات – بعامتها – تضفي الشرعية على النظام الحاكم أيًّا كان نوع حكمه واتجاهه تحت مظلة المحافظة على القيم والتماسك الاجتماعي، من هذه الناحية يأتي اهتمام تلك الأنظمة بدور هذه المؤسسات وما تقوم به من طقوس ونشاط حتى وإن لم تتفق معها في الاتجاه الفكري والأيدلوجي، بل يكفيها الدور الهام والأساسي الذي تقوم به من تطويع الشعب لهذه القيادة من خلال مختلف أنشطتها الثقافية المعتادة المألوفة لدى المواطنين
----------------------------
ثانيًا: التنوع الثقافي
من مقومات صمود الثقافة العربية أمام زحف العولمة ميزة التنوع والتباين، والتي وصلت إلى حد التعددية في بعض المناطق والأقطار حتى داخل الوطن الواحد، ويمكن أن يرجع ذلك إلى ظروف البيئة والإقليم والتنظيم الاجتماعي والوضع الاقتصادي وأسلوب الحياة والمعيشة والانتماءات ومستوى التخلف الاقتصادي والتقدم، كما يسهم في ذلك النظام السائد والثقافات الفرعية، وبالطبع فإن لهذا التنوع الشديد انعكاسات سلبية في واقع الممارسات العملية، حيث توقف مشروع الإنتاج البرامجي الطموح في الوطن العربي بسبب الخلافات حول مدى إسهام كل دولة تاريخيًّا في الحضارة العربية وتعثرت محاولات الإنتاج البرامجي لدول الخليج أيضًا بالسبب نفسه.
فإذا كانت هذه طبيعة التعامل العربي فيما بينها لمجرد التباين الطفيف في المستوى الثقافي، فكيف يكون مع غيره في مجال الثقافة ؟ فالجواب معروف أنه حتمًا سيكون أكثر رفضًا وصلابة أمام أي محاولات الاختراق من ثقافة تختلف عنها شكلاً ومضمونًا.

----------------------------
ثالثًا: القوة الروحية
تعتمد الثقافة العربية على قوة روحية معنوية ذات تأثير عالمي قوي في الإسلام، فاكتسب بذلك فعالية ونفوذًا عالميَّيْن، فكل مكان وُجِدَ فيه الإسلام وجدت فيه اللغة العربية وثقافتها بالطبع - لهذا لم تَعُد مقصورة على العرب فقط، بل بات الحفاظ عليها والاهتمام بها والذود عنها مسئولية العرب والمسلمين على السواء، فإذا تعرضت لأية محاولات هجوم من جراء تداعيات العولمة وإجراءاتها وأدواتها واستطاعت التأثير على بعض من أبناء وأصحاب هذه الثقافة، فإن ذلك يلقي معارضة شديدة لدى الشعوب الإسلامية المنطبعة بالثقافة العربية الإسلامية، وفي ذلك تحدٍّ كبير للعرب أصحاب الشأن في المقام الأول، فهذا مُقَوِّم عالمي يحمي الثقافة العربية من الذوبان ويدعم بقاءه وصموده أمام تحركات المناهضة لها
--------------------------
رابعًا: الاتجاه المضاد
تزايدت ردود فعل مضادة نحو العولمة وإجراءاتها لقولبة الثقافات الأخرى وتطبيعها في ثقافة واحدة، وتتمثل في اتجاهات الرفض المنتشرة بين أوساط المثقفين والنخبة من المبدعين، وبمقتضى هذا المقوِّم فكلما زادت محاولات السيطرة والاختراق الثقافي عن طريق الانفتاح والتعددية المشبوهة زاد الشعور لدى الفرد ضرورة لتمسك بالخصوصية الثقافية لميزة وحيدة للتفرد، ولعل هذا الاتجاه ماثل في ثلة من أفراد البعثات الواعين في بلاد الغرب، حيث ازدادوا مع الانفتاح تمسكًا بالهوية الوطنية
----------------------------
إشكاليات الذوبان
من واقع القراءة والاستعراض لبعض الكتابات وأدبيات الثقافة العربية تبين أن هناك عددًا من الإشكالات قد تمكِّن من الذوبان الثقافي؛ لهذا يجب أن تستحق الدراسة والتشخيص وهي تساؤلات مطروحة لإثارة بحوث مستقبلية أو على أقل تقدير رؤوس موضوعات في مجال الثقافة العربية ونجملها في الآتي
---------------------------
أولاً: إشكالية المصدر
يُعَدُّ عدم وجدود مصدر يحظى بإجماع الأمة العربية لأَنْ تُكَوِّن مردًّا أساسيًّا لثقافتها وتَكُون لها صفة الصدارة والشمولية تعكس التباين الموجود داخل هذه الثقافة، فهناك من يرى أن المصدر الأهم للثقافة العربية الدين الإسلامي، في حين يرى الآخرون أن العائلة هي المصدر الأهم وأن الكثير مما يسمَّى قيمًا دينية هي في الأساس قيم عائلية دخلت الدين واستمرت فيه وأخذت شكلاً دينيًّا، ويرى البعض الآخر أن المصدر الأهم هو أنماط المعيشة وأساليبها والبيئة بشكل عام، معلِّلين ذلك أن التنوع المشار إليه نشأ في الثقافة العربية نتيجة عمل البيئة والأساليب المعيشة، فأصبحت هناك ثقافة بدوية دعويَّة وأخرى ريفية زراعية كذلك ثقافية حضرية تجارية، في الوقت الذي يرفض الآخرون قصر مصدر الثقافة العربية على عمل واحد بحجة أن الثقافة العربية ثقافة عامة وعالمية؛ لذلك يجب أن تستمد من اللغة العربية وآدابها، ومن الدين والعائلة وأنماط الإنتاج المتشابهة ولتحديات والنظام لعام السائد ووحدة التجربة التاريخية، فأين تستقي ثقافتنا العربية ؟ فإذا تعارض أحد تلك المصادر فأيها يُقَدَّم ؟ هذه إشكالية تحتاج إلى حلٍّ بإجابة مقنعة
---------------------------
ثانيًا: إشكالية منهجية
تتمثل الإشكالية المنهجية في عدم وجود منهج للثقافة أو عدم وضوحه، وبمعنى آخر فقدان المعايير البنائية التي يتحدد بها الثوابت والمتغيرات في الثقافة العربية، بتحديد المسلمات غير القابلة للتغيير والتعديل، ووضع ضوابط معينة للمتغيرات ضوابط زمانية ومكانية وبيئية لا سيما في ظل معطيات لثورة العلمية والتقنية التي يمكن أن تصبح الثقافة في حالة من التغير السريع بتأثير هذا الفيض الهائل من المعومات والمعارف وسهَّلت عملية الاستعارة والتكيف في شكل أسرع من معدلها الطبيعي مما قد يوقع في فخ الذوبان.
------------------------
ثالثًا: إشكالية الخلط المفاهيمي
الخلط بين المفاهيم وبعض المصطلحات والمسميات إشكالية أخرى تواجه الثقافة العربية وتهددها بالذوبان، فمع نفوذ العولمة وأدواتها وإجراءاتها ازدادت الإشكالية غموضًا فعلى سبيل المثال:
نرى انحرافًا ثقافيًّا وفكريًّا واضحًا يُلَفَّ بغطاء الانفتاح والتثاقف في توليفة الأصالة والحفاظ على الهوية، وفي أحيان كثيرة يمكن لاختراق ثقافتنا وتعرض هوية الأمة بثمن بخس بحجة التحديث والمعارة، مما يسمح للتطاول والنيل من المبادئ والمسلمات والطعن في الثوابت تحت شعار التعددية والديمقراطية وحتمية الخلاف، في حين تُكْبَت الحريات وتُوأَد الحقوق تحت مظلمة الحفاظ على الأمن القومي والمصلحة الوطنية هذه بعض الإشكالات التي تواجه الثقافة العربية طرحناها؛ لتراجع نفسها وتفسح المجال أمام نقد ذاتي هادف.

---------------------------
بقلم /الخضر عبدالباقي محمد

Friday, November 23, 2007

المثقف ولقمة العيش.. من المسيطر؟


عندما كان المثقف هو شاعر القبيلة الناطق باسمها والمعبر عن أمجادها؛ لم يكن هناك انفصال بين المثقف ومشروعه الثقافي من جهة، وبين لقمة العيش من جهة أخرى، لكن الموقف تغير بعدما أصبح فن المثقف هو وسيلته إلى لقمة العيش، فرأينا شاعر الربابة يغير في نهايات قصص "أبو زيد الهلالي" حسب جمهور المقهى؛ هل هو مع الهلالي أم مع الزناتي خليفة؛ كي يحافظ على بقائه ولقمة عيشه، بصرف النظر عن رأيه واقتناعه الشخصي.
رأينا أيضا شاعرا فحلا كأبي الطيب المتنبي يتخذ فنه وسيلة إلى لقمة العيش التي يطمح إليها وهي الإمارة، فأراق ماء شعره على أبواب الأمراء ولم يحظ بما يرغب.

-----------------------------
وفي العصر الحديث أصبحت العلاقة بين المثقف ولقمة العيش أكثر تعقيدا، فقد تداخلت عوامل كثيرة كالسياسة، ومدى توزيع الأعمال الثقافية وانتشارها، مع تزايد معدلات أمية الكتابة والقراءة والأمية الثقافية على السواء، ودرجة تأثير المثقف في مجتمعه هل هي عميقة أم هامشية وضحلة، وقدرة المثقف على ضمان عائد من مبيعات إنتاجه يحقق له مستوى معيشيا معقولا.
رأينا بعض المثقفين المصريين في بدايات القرن العشرين يبيعون إنتاجهم لمن يشتري، يكتبون المقال وضده لينشرا في صحيفتين متنافستين، ورأينا شاعرا جيدا كعبد الحميد الديب تموت موهبته مبكرا، ويكره هو الحياة لأنه لا يستطيع أن يضمن لنفسه ما يسد به رمقه، ورأينا قاصا فحلا كمحمد حافظ رجب في الستينيات يصرخ "نحن جيل بلا أساتذة"، رافضا محاولة تدجين جيل من المبدعين بجعلهم موظفين في المجلس الأعلى للثقافة

-------------------------------
ورأينا أسماء كبيرة رمت إبداعها في أحضان السلطة وتحت أقدامها، وأسماء مبشرة باعت مشروعها الإبداعي من أجل حفنة ريالات.. الموضوع شائك ومتعدد الجوانب، فمن يسيطر على من: لقمة العيش أم المثقف؟
ومتى تقف لقمة العيش عقبة في سبيل إتمام المشروع الثقافي؟ ومتى يتم اتخاذ المشروع الثقافي مطية إلى لقمة العيش؟
وما تأثير كل ذلك على دور المثقف ورسالته في مجتمعه؟ وهل يؤثر المحدد الاقتصادي على المثقف فيساعد على تدجينه أو جعله يتغاضى عما هو جوهري من مشكلات أمته، أو يكتب ما يريده الآخرون، أو حتى يكتب للآخرين، أي يعطيهم إنتاجه لينشروه باسمهم؟

----------------------------------
يقول الروائي "محمد جبريل": "نعم، لقمة العيش تسيطر على المثقف، والمبدع تحديدًا، وهي قد تؤثر على دور المثقف في المجتمع ورسالته فيه، وتساهم في تدجينه هو ومشروعه، وتجعله يتغاضى عن مشكلات مجتمعه الحقيقية، ويكتب ما يريده الآخرون، وأحيانًا يكتب للآخرين".
ويرى في الأمية التي يعانيها مجتمعنا أداة تساعد على شدة وطأة لقمة العيش على المشروع الثقافي؛ لأن المثقف لا يستطيع أن يمتلك ضرورات العيش الكريم من خلال بيع كتبه في هذا المجتمع الأمي. والظاهرة التي ألفها الجميع أن الكاتب يصعب أن يتقاضى مقابلاً حقيقيًا من كتاباته، وقد لا يحصل من تلك الكتابات على مقابل من أي نوع.
ويتابع: "كنت أرى أن الأدب في بلادنا لا يؤكل عيشًا، ولعلي أتجاوز هذا الرأي فأؤكد أن الأدب يحتاج إلى من ينفق عليه".

----------------------------------
إذًا المشكلة أعمق من أن تناقش من خلال بضعة آراء. إنها تحتاج إلى مناقشات مستفيضة حول المنحدر الذي تمضي فيه مهنة الكتابة، رغم وجود وزارة للثقافة، واتحاد للكتاب، وهيئات كثيرة، هي الأولى -أو هذا هو المفروض– برعاية المشتغلين بالكتاب.
-----------------------------------
ويرى الروائي "فؤاد قنديل" أن لقمة العيش تكون أحيانا عقبة أمام بعض المبدعين، لكنها ليست كذلك دائما، فهناك مبدعون قادرون على تحجيم مطالبهم والاكتفاء بمطالب مادية بسيطة، وأحيانا تطالعنا موهبة واعدة ومتوهجة ثم تطاردها لقمة العيش وتستدرجها بعيدا عن مشروعها الإبداعي فيتحلل هذا المشروع، وهناك نوع استطاع أن يوازن بين مشروعه الأدبي ولقمة العيش بحيث أمكنه أن يستثمر المشروع ذاته في الحصول على ما يوفر له حاجاته الضرورية وأحيانا الكمالية.
وفي كل الأحوال، يضيف قنديل، لا بد أن تكون هناك سمتان أساسيتان في المثقف هما: فن إدارة المشروعات ليحدد هدفه وخطته وكيفية تنفيذها، وأن يتمتع بقدرة عالية على المقاومة ضد غلبة العيش على الأدب، فالفلاح كله في الموازنة بينهما.

--------------------------------------
ويضيف: "لن يتحقق التوازن إذا كان هناك مشروعان واحد للأدب وواحد للقمة العيش، كأن يكون المبدع أديبا وتاجرا أو رجل مقاولات، التوازن الذي أقصده هو أن يحقق الأدب للأديب ما يحتاج إليه من لقمة العيش بحيث يكون مشروع حياته واحدا خوفا من أن يدهس المشروع التجاري المشروع الأدبي بالتأكيد".
ويضيف "قنديل": "يختلف أمر المحدد الاقتصادي من شخص لآخر، فهناك من لديه إحساس جمعي يميل إلى الجماعة، وأقصد هنا معنى الانتماء والرغبة في تطوير هذه الجماعة، وهذا هو المثقف صاحب الرسالة يؤدي هذا الدور من خلال قناة الإبداع وقناة العمل العام".
ويرى أن لقمة العيش أصبحت وسيلة لتدجين المثقف من قبل السلطة السياسية، حيث إن الكثيرين سقطوا في أحابيلها، وأكلوا على موائدها، ووقعوا في فخاخها، ولووا أعناق الأدب لحساب هذه السلطة ورغباتها، وذهبوا إلى حيث تشير أصابع السلطة.

---------------------------------------
ويواصل: "إذا كان لدينا أمة قارئة فلن يكون هناك ازدواجية، حيث يستطيع الأدب أن يوفر لقمة العيش، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لاستخدام المبدع أو تدجينه أو فقدانه بسبب الحسرة والكمد اللذين فقدنا بسببهما الكثير من مبدعينا الذين عجزوا عن التوفيق بين الإبداع ولقمة العيش".
--------------------------------------
سلطة الرزق!

هل تُطعمُ الثقافةُ خبزًا؟
يشرح الناقد "شوقي بدر يوسف" أثر العلاقة بين لقمة العيش والمثقف، ويقدم نماذج من استخدام السلطة في مصر للقمة العيش بأشكالها المختلفة في التأثير على المثقف فيقول: "هناك سلطة تقع على كاهل المبدع، وهي سلطة كئود لا يستطيع الفكاك من أسرها بأي حال من الأحوال، وهي سلطة مورد الرزق، كما أنها بعيدة كل البعد عن هاجس الاختيار من عدمه، فهي تمسك بخناقه على الدوام، ولها الأولوية في اهتماماته.
ومن ثم فهي أمر حيوي للغاية بالنسبة له، وبدونها فإن العملية الإبداعية لن تتم بأي حال من الأحوال، خاصة إذا كان المبدع له أسرته التي يعولها. كما أنها قد تتحكم تحكما كبيرا في حرية تعبيره خاصة عندما يكون الكاتب المبدع يتبنى أفكارا لا تمالئ السلطة أو تتعارض مع توجهاتها"، ويضيف: الكتابة ليست بحال من الأحوال هي المورد الأساسي لرزق الكاتب، إلا إذا كان يعمل في مجال مثل مجال الصحافة أو الترجمة أو يعتمد اعتمادا كليا على ما يكتبه ويتعيش منه ويعتبر مورد رزقه الأساسي؛ لذا فإن الأمر في هذه الحالة يعتبر حالة خاصة من حالات التكسب، وهو أمر ذو خطورة بالنسبة للكاتب أو المبدع، فحرية التعبير في هذه الحالة من الممكن أن تكون مستلبة أو مسيطرا عليها. وسلطة الرزق من السلطات التي تجعل حرية التعبير عند الكاتب في خطر فهو دائما في جهاده إذا كان صاحب رأي أو مشروع ثقافي أو ما إلى ذلك يكون عرضة للوقف أو الفصل أو التحكم فيما يكتبه.
ويلجأ الكثير من الكتّاب إلى موارد أخرى بجانب موارد الإبداع كمورد احتياطي حتى لا يكون قلمه عرضة للتحكم فيه

--------------------------------
يسرد الناقد "شوقي يوسف" الأمثلة لعلاقة الكاتب بمورد رزقه، ومنها ما حدث في 4 فبراير 1973 حينما أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارا انفعاليا بطرد عدد كبير من الأدباء والصحفيين والكتاب من أعمالهم الأصلية. وحادثة سبتمبر 1981 حينما جمع السادات عددا آخر من الكتاب في سلة واحدة ووضعهم في السجون.
----------------------------------
ترى الناقدة د.لبنى إسماعيل، مدرسة الأدب الإنجليزي بقسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، أن المثقف الحق هو مشروع ناجح يجسد رغبة إنسان "غير عادي" لتخطي حدود ما هو عادي ومألوف، للوصول إلى إنجاز إنساني على المستوى الشخصي في المقام الأول، ثم يتوجه نظر هذا الإنسان وما حققه من رحابة الأفق والرؤية إلى المستوى العام.
وتشير إلى أنها تعني بذلك تواصل الفرد –المشروع- مع المجتمع ككل، عندها تستحيل نجاحات المشروع الشخصي إلى لبنات أولية لمشروع ثقافي تتحقق من خلاله متعة المشاركة واكتشاف محاور جديدة من الذات الفاعلة المثقفة، وكلاهما يعمق الشعور الفردي بالانتماء إلى مجموعة متجانسة من البشر تدور في فلك ثقافي متآلف، يحدوهم جميعا الأمل في مزيد من "المشاريع" الناجحة التي تحقق لهم مكانة اجتماعية وكرامة العيش

------------------------------------
وترى أن تلك الأجواء لا تتوفر للمثقف المصري الذي هو نتاج بيئة اجتماعية تتميز بفقر العملية التعليمية التي أفرزت أجيالا ضاق أفقها، فندرت رغبتها في تخطي حدود ما هو مرئي وما هو مسموع. كما أن المثقف المصري أيضا هو نتاج بيئة اقتصادية تهرأت بفعل سلسلة من الهزات المتلاحقة، فانحسر المشروع الثقافي العام، وانقطعت أواصر التواصل بين الفرد والمجتمع في أغلب الأحيان، ووقف كثير من المثقفين حائرين ما بين رحابة الأفق البعيد وضيق العيش، فتحالف البعض منهم مع قوى سياسية أو إعلامية بعينها في محاولة منهم للحفاظ على ما تبقى من مشروعهم الثقافي الشخصي، وتنازل البعض الآخر عن ذاتهم لذوات توفر لهم رغد العيش، وأجهضت مجموعة أحلامها الثقافية وراحت تبحث عن أفلاك أخرى لتحقيق مشروعات أكثر نجاحا وتحقيقا للذات كالمشروعات التجارية، وبقيت قلة قليلة تحث الخطى بلا خوف، لا تسيطر عليها هواجس لقمة العيش، لكن هؤلاء يعيشون دائما ومشروعهم في خطر من تقلبات المجتمع والزمان معا.
------------------------------

منير عتيبة
أديب وروائي مصري.

Saturday, November 17, 2007

"التلصص".. وراية بقلم صنع الله ابرهيم


هل تعب صنع الله إبراهيم من رؤية العالم عبر أيديولوجية محددة؟ أم شعر بعدم جدوى هذه الرؤية أو محدوديتها؟ أم أراد أن يقوم بمغامرته الروائية الكبرى فتخلى عن أبرز سماته "أدلجة النص الأدبي"؟. هل قرر صنع الله إبراهيم في روايته الأخيرة أن يتعامل مع الحياة نفسها، دون فكرة مسبقة، أو منظور محدد، فجعل واقع الحياة اليومية يكتب روايته بنفسه، وليحقق هذا الهدف جعل بطل الرواية طفلا في التاسعة من عمره؟. "التلصص" هو عنوان الرواية "دار المستقبل العربي 2007"، وهو المفتاح الأول لقراءتها أيضا، التلصص يكون عادة باستخدام العين؛ لذلك استبدل صنع الله إبراهيم بقلمه كاميرا سينمائية، وأخذ يكتب بها نصه.
------------------------------
الكاميرا كأداة فنية
ولأن الكاميرا هي الأداة الفنية التي كتبت بها الرواية؛ لم يكن أمام المؤلف سوى استخدام الفعل المضارع الذي يؤكد الآنية في الزمن، والمشهدية في الوصف، حتى المقاطع التي تتعلق بذكريات بطل الرواية الصغير، أو مخاوفه، أو أحلامه؛ يتم رصدها جميعا بعين الكاميرا باستخدام الفعل المضارع، وهذا ما جعل الجمل قصيرة جدا، بعضها يتكون من كلمة أو كلمتين، وهو ما يستدعي يقظة شديدة عند القراءة لمتابعة سلسلة الأفعال التي يصفها الكاتب بعين الكاميرا.
------------------------------

وهذه التقنية في الكتابة هي ما جعلت الكاتب يعتمد على الوصف الخارجي للأماكن، والشوارع، والأشخاص، وملابسهم وتعبيرات وجوههم، تاركا للقارئ استشفاف حالاتهم النفسية، ما عدا الصبي-البطل الذي يهتم المؤلف بتعميق حالته النفسية عن طريق وصف ما يرد على ذهنه من مشاهد، ولذلك نادرا ما نجد جملة كهذه في الرواية "يعود أبي حاملا كيسا من عنب "جناكليس" الوردي ذي الثمرات السميكة. وآخر من "القتة". لا أحب "القتة" لما بها من مرارة. أفضل عليها الخيار) ولعلها المرة الوحيدة في الرواية التي يعبر فيها الكاتب عن رأي أحد أفراد روايته من خلال وصف تقييمي على لسان الراوي، وليس من خلال وصف مشهدي أو جملة حوار.
------------------------------
كما لا يصف الكاتب أبدا شيئا لا يراه البطل الذي يروي بضمير المتكلم، فإذا أراد إكمال المشهد بشيء لا يراه يكتفي بوصفه صوتيا، كأنه "صوت من خارج الكادر" كما يقول كتاب السيناريو السينمائي الذي نرى كثيرا من سماته في هذه الرواية؛ ففي ص214 مثلا: "يحمل عمو فهمي صندوق الطاولة: يا ألله ع الفرانده. يدخلون غرفة المسافرين ومنها إلى الفرانده. أتبعهم. أتلكأ قرب بابها. يجلسون فوق كنبة بلدية تحيط بها كراسي معدن
-------------------------------
صوت الحاج "أحمد" يسأل عن "شوقي" و"شيرين". صوت عمو "فهمي": بيلعبوا تحت -عملوا إيه في الامتحان؟ صوت "نبيلة": نجحوا الحمد لله زي كل سنة. ومن أول كلمة في الرواية يحمل الكاتب الكاميرا ويسير مع بطله ببطء شديد واصفا كل التفاصيل، حتى ما يمكن أن يعرفه القارئ دون ذكره؛ فالكاميرا تصف كل ما أمامها، ولذلك فأنت أمام رواية إيقاعها شديد البطء عن قصد؛ فالكاتب يريد إعادة بناء عالم كامل بكل تفاصيله، فلا تفوته شاردة ولا واردة يمكن أن تلتقطها عين الصبي-الراوي، بل إنه يبدأ الرواية بكلمة "يتمهل" ويقدم في فقرتها الأولى أسلوب الوصف الذي سيستخدمه في بقية الرواية، وكأنه يعقد اتفاقا مع القارئ منذ العتبات الأولى للنص "يتمهل أبي في مدخل المنزل قبل أن نخطو إلى الحارة. يرفع يده إلى فمه. يتحسس طرفي شاربه الرمادي الملويين إلى أعلى.
يتأكد من أن طربوشه مائل قليلا ناحية اليسار. ينزع سيجارته السوداء المطفأة من ركن فمه. ينفض رمادها عن صدر معطفه الأسود الثقيل. يبسط أساريره لتتلاشى تجاعيد جبهته. يرسم ابتسامة على شفتيه. يقبض على يدي اليسرى. نتلمس طريقنا في ضوء الغروب

---------------------------------
مستويات القص والسرد
وفي الرواية مستويان للقص؛ قص ما يراه الصبي الآن، وقص ما يتذكره عن طريق التداعي، كأن يتذكر موقفا محددا حدث له عندما ذهب مع أبيه وأمه إلى السينما، يتذكر هذا الموقف كلما دخل ليشاهد فيلما جديدا، وتتكرر الذكرى بنفس الكلمات مرتين في الرواية "أهم بالجلوس فوق فخذيها فتبعدني عنها يأخذني أبي بين ساقيه. يمر بنا بائع في جلباب نظيف علق في ذراعه سبتا مغطى بالقماش. يشتري لكل منا سميطة بالسمسم. يعطينا البائع معها شريحة من الجبن الرومي فوق ورقة في حجم الكف" ص10، والعبارة نفسها ص159.
-------------------------------------
وتعطي مستويات النص هذه للرواية عمقا؛ رغم تعاملها السردي مع ما هو خارجي، حيث تتجادل مشاهد الوصف الآني ومشاهد الذكرى أو الأمل أو الحلم أو الخوف، لتعطينا صورة دقيقة للصبي وعالمه الخارجي والنفسي معا. وحوار الرواية كله بالعامية القاهرية وهي لغة الكلام الطبيعية لشخصيات العمل، واستخدامها هنا في موضعه؛ إذ ينقل الكاتب الحياة على صفحات روايته.
------------------------------------
بطل الرواية
التقنيات التي يستخدمها الكاتب لبناء عالمه الروائي هي البطل الرئيسي لرواية "التلصص"؛ لأنه في هذه الرواية يقدم مشاهد من حياة صبي من الطبقة المتوسطة الفقيرة، يعيش وحيدا مع أبيه في حجرة فوق سطح أحد البيوت في حي شعبي بالقاهرة.
يسير الكاتب مع الطفل في البيت، في الحارة، في الشوارع، في المدرسة، في السينما، عند الجيران، عند الأهل، في أيام الدراسة، أيام الإجازة، شهر رمضان، عيد الفطر، عيد الأضحى، وعلاقات هذا الطفل وأبيه مع جيرانه وأهل الحارة وزملاء المدرسة والمدرسين، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد في ذلك الوقت، وهي الظروف التي ترد في المشاهد بلا قصدية واضحة عندما يعثر الطفل على جريدة أو مجلة فيتصفح عناوينها، أو عندما يجلس مع أبيه وأصدقائه في المقهى فيتحدثون عن غلاء الأسعار، وحرب فلسطين، وفساد الملك، وقرار الحكومة بإغلاق بيوت الدعارة، وأزمة المساكن، وعدم وجود شغالات، وأغنياء الحرب... إلخ، في دردشات لا تشعرك أنها تمرر إليك معلومات بشكل قصدي، وإن كانت ترسم الإطار العام للحياة في البلاد زمن الرواية

---------------------------------
رواية تدور في سنة
يقسم الكاتب روايته إلى 4 فصول، وزمن الرواية هو عام كامل، ومن خلال الفصول الأربعة تسير الحياة بالطفل الذي تتعقد علاقاته؛ فأبوه موظف بالمعاش، حاد الطباع، متجهم، زوجته الأولى متوفاة، وبطل الرواية الصغير هو ابنه من زوجته الثانية التي لم يعلن زواجه منها إلا بعد وفاة الزوجة الأولى، فيقاطعه ابنه الأكبر، لكن صلة ابنته "نبيلة" به لا تنقطع، وهذه الابنة متزوجة من موظف، لديها ولد وبنت، علاقتها بزوجها مضطربة، فهي متسلطة، وتتمنع عليه حتى تفقده الثقة في نفسه ورجولته، فيسعى خلف الخادمة ليستعيد رجولته الضائعة. وجار حجرة السطوح "كونستابل" يعيش هو وزوجته "روحية" التي نعلم بعد ذلك أنها ليست زوجته، ولكنها تعيش معه بانتظار أن يحقق وعده لها بالزواج، والحاج "عبد العليم" هو صديق الأب الذي يجلب له الخادمات لتخدمنه هو وابنه، لكن طباع الأب القاسية تجعلهن لا يتحملنه، وفي النهاية يقوم الحاج عبد العليم بتزويج "عباس" أحد رجال الحارة؛ مدمن سبرتو، من إحدى القرويات، ويجعلها تخدم في بيت "خليل بيه" والد البطل، ثم يكتشف البطل وجود علاقة غير مشروعة بين أبيه وزوجة عباس وإن كانت علاقة غير مكتملة لعدم قدرة أبيه العجوز المريض
----------------------------------
وماجد أفندي الذي يتزوج جنيّة اسمها زراكش، ويحدث أصدقاء المقهى عن ظروف الزواج، وحاله في البيت مع زوجته، وكيف أنه ذهب معها لزيارة أهلها، وأنها أنجبت منه(!!). والدكتور مندور الوفدي الذي يهاجم صحيفة أخبار اليوم باعتبارها نشرة بريطانية تعمل في خدمة الملك ضد الوفد فتصفه بالفدائي الأول، والملك الصالح، والعامل الأول، والتقي الأول!! ومن نتف المشاهد التي ترد فيها أم الصبي نعرف أنها مريضة نفسية، ويزورها الأب وابنه في المصحة في نهاية الرواية.
ولا ينسى أن يورد على لسان عبد العليم (إن الخردواتي باع كراسة بسعر يزيد مليمين عن التسعيرة الجبرية فحوكم بستة أشهر وغرامة مائة جنيه) ص49. وفي موضع آخر يتحدث عن (هزيمتنا في أولمبياد لندن) (ده اتصرف على بعثتنا آلاف الجنيهات. راحت كلها على فاشوش) (حقنا نسميها النكبة الأوليمبية. وبعدين يقولوا إننا حنستعد من الوقت لأولمبياد 52) ص228. ويشير إلى (الأحكام العرفية) ص229. ويتحدث عن (الرشاوى واستغلال النفوذ) 229. وأن (الوضع الحالي مش نافع. الأسعار بتزيد كل يوم. مصاريف المدارس زادت. والملك بيلعب القمار كل ليلة في نادي السيارات. والمسئولين يلعبوا "التيرو") ص230. والتيرو هي مراهنات الرماية في نادي الصيد. وتمتلئ الرواية بذكر أحدث الأفلام العربية والأجنبية المعروضة في السينمات في ذلك الوقت، وأشهر الأغاني التي يستمع إليها الناس في الراديو أو يرددونها في جلساتهم.

------------------------------------
وكذلك ألعاب الأطفال الشعبية، وحكايات الغول والشاطر حسن وغيرها من الحكايات التي كانوا يحكونها للأطفال قبل النوم، وأغاني الأطفال في رمضان، والتدين الشعبي الذي يبدو في سلوك والد البطل الذي يؤدي الصلوات، ويسبح الله على مسبحته الألفية ذات الألف حبة، ويراقب النساء في الشارع، ويحاول إقامة علاقة مع الخادمة، ويستعين في كل شئون حياته بكتاب "شمس المعارف الكبرى" الذي يمتلئ بالوصفات التي تجلب الرزق، وتساعد على المذاكرة والنجاح، وتحمي من الحسد، وتجعل الشخص غير مرئي... إلخ.
-------------------------------------
من الثورة إلي الفساد
تأتي كل هذه الشخصيات والأحداث ببساطة وطبيعية دون أي تنظير أو تبئير على شيء محدد، إنه مجرد طفل صغير يرى ويسمع، لكن هل صنع الله إبراهيم بهذه البساطة؟.
أعتقد أن الناقد يصف نفسه بالسذاجة إذا ظن أن أديبا كصنع الله إبراهيم يكتفي بهذا الرصد الخارجي لعام في حياة طفل.. فلماذا اختار هذا التوقيت بالذات؛ الفترة التي تسبق ثورة يوليو؟ ولماذا يتحدث عن خيبتنا في الأولمبياد، والأحكام العرفية، والفساد السياسي، وغلاء الأسعار؟.
كون الرواية تحوي جزءا كبيرا من السيرة الذاتية للمؤلف؛ ليست إجابة شافية، لقد كتب صنع الله إبراهيم روايته بوعي تام بالتشابه الكبير بين الفترة التي اختار الكتابة عنها، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها مصر الآن، بما يجعل زمن الرواية وزمن الكتابة متشابهين للغاية، ولعل هذا ما جعله يكتفي برصد الفترة التي يكتب عنها، ولعل هذا أيضا ما جعله يهتم بالتفاصيل الدقيقة جدا ليؤكد هذا التشابه.
وهنا أعود للسؤال الذي بدأت به: لا، لم يتعب صنع الله إبراهيم فيما أرى، ولم يغير منظور رؤيته للعالم، لكنه قدم هذه الرؤية بشكل أكثر عمقا، فكان النص/الحياة ممزوجا بالرؤية بدلا من أن يكون مطية للتعبير عن الأيديولوجية.

--------------------------

بقلم / منير عتيبة
أديب وروائي مصري.

Monday, October 15, 2007

جمال الدين الأفغاني




ترجع نهضة الأمم والدول إلى جهود المصلحين المخلصين من أبنائها الذين يسعون دائمًا إلى توحيد أبناء الأمة، وإيقاظ وعيهم بقضايا ومشكلات أمتهم، وتحريك همتهم نحو الإصلاح والتجديد، والوقوف صفًا واحدًا في وجه أطماع المستعمرين والطامعين.
----------------------------------

أواسط القرن التاسع عشر قام رجال مصلحون من أبناء الشرق الإسلامي، دقّوا ناقوس الخطر لأمتهم، وحذّروا ملوكهم وحكامهم من الخطر الوشيك الذي يتربص بالأمة الإسلامية، وتعالت أصواتهم بالدعوة إلى التعجيل بالإصلاح قبل وقوع الخطر، وكان من هؤلاء الرواد: مصطفى رشيد باشا في تركيا، وميلكم خان في إيران، وأمير علي في الهند، وخير الدين باشا في تونس، وكان جمال الدين الأفغاني أحد هؤلاء الرواد المصلحين الذين وقفوا حياتهم كلها على الدعوة إلى توحيد العالم الإسلامي، وتحرير شعوبه من الاستعمار والاستغلال.ولكن كانت دعوة كل واحد من هؤلاء وتأثيره محدودين بحدود بلاده، ولم يكن صوته الإصلاحي يتجاوز أبناء وطنه، أما جمال الدين الأفغاني فقد تجاوز صدى دعوته حدود الأوطان والقوميات، واتسع ليشمل العالم الإسلامي كله.
-----------------------------------
الميلاد والنشأة


ولد السيد جمال الدين الأفغاني في ( شعبان 1254هـ= أكتوبر 1838م)، لأسرة أفغانية عريقة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي (رضي الله عنه)، ونشأ في كابول عاصمة الأفغان. وتعلم في بداية تلقيه العلم اللغتين العربية والفارسية، ودرس القرآن وشيئًا من العلوم الإسلامية، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتم دراسته للعلوم، ثم سافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية، وقصد الحجاز وهو في التاسعة عشرة لأداء فريضة الحج سنة (1273هـ= 1857م)، ثم رجع إلى أفغانستان حيث تقلد إحدى الوظائف الحكومية، وظل طوال حياته حريصًا على العلم والتعلم، فقد شرع في تعلم الفرنسية وهو كبير، وبذل كثيرًا من الجهد والتصميم حتى خطا خطوات جيدة في تعلمها.وحينما وقع خلاف بين الأمراء الأفغان انحاز جمال الدين إلى محمد أعظم خان الذي كان بمثابة وزير دولة، وحدث صدام بينه وبين الإنجليز، فرحل جمال الدين عن أفغانستان سنة (1285هـ= 1868م)، ومر بالهند في طريقه إلى مصر حيث أقام بها مدة قصيرة تردد في أثنائها على الأزهر، وكان بيته مزارًا لكثير من الطلاب والدارسين خاصة السوريين. ثم سافر إلى "الأستانة" في عهد الصدر عال باشا، فعظم أمره بها، وذاعت شهرته وارتفعت منزلته، ولقيت دعوته بضرورة التعجيل بالإصلاح صدى طيبًا لدى العثمانيين، حتى قال المستر بلنت الإنجليزي: "إن سعي العثمانيين في تحويل دولتهم إلى دستورية في بادئ الأمر قد ينسب إلى شيء من تأثير جمال الدين، فقد أقام في عاصمتهم يحاورهم ويخطب فيهم".
-----------------------------------

في مصروعُيِّن جمال الدين وهو في الأستانة عضوًا في مجلس المعارف الأعلى، وهناك لقي معارضة وهجومًا من بعض علماء الأستانة وخطباء المساجد الذين لم يرقهم كثير من آرائه وأقواله؛ فخرج من الأستانة إلى مصر، فلقي في مصر من الحفاوة والتكريم من أهلها ما حمله على البقاء بها، وكان لجرأته وصراحته أكبر الأثر في التفاف الناس حوله، فأصبح له مريدون كثيرون، فحسده الشيوخ لحظوته عند الناس.وخاض الأفغاني غمار السياسة المصرية، ودعا المصريين إلى ضرورة تنظيم أمور الحكم، وقد أدى ذلك إلى تنكر ولاة الأمور له، ونفورهم منه، وتوجسهم به، خاصة أنه كان يعلن عن بغضه للإنجليز، ولا يخفي عداءه لهم في أية مناسبة.
-------------------------------------
مع محمد عبده في باريس وكانت مقالاته مثار غضب شديد من الإنجليز ومن الحكام في مصر على حد سواء. فلما تولى الخديوي توفيق باشا حكم البلاد أخرجه من مصر، فانتقل الأفغاني إلى الهند سنة (1296هـ= 1879م)، بعد أن أقام في مصر نحو ثماني سنوات.ثم غادر الهند إلى لندن، ومنها انتقل إلى باريس حيث اتصل بالشيخ محمد عبده، وأصدرا معًا جريدة "العروة الوثقى"، ولكنها ما لبثت أن توقفت عن الصدور بعد أن أوصدت أمامها أبواب كل من مصر والسودان والهند. ولكن الأفغاني لم يتوقف عن الكتابة في السياسة، فكانت صحف باريس منبرًا لمقالاته السياسية النقدية الساخنة.
----------------------------------------
في ايران دعاه شاه إيران "ناصر الدين" للحضور إلى طهران واحتفى به وقربه، وهناك نال الأفغاني تقدير الإيرانيين وحظي بحبهم، ومالوا إلى تعاليمه وأفكاره، ولكن الشاه أحس بخطر أفكار الأفغاني على العرش الإيراني، وتغيرت معاملته له، وشعر الأفغاني بذلك، فاستأذنه في السفر، وذهب إلى موسكو ثم بطرسبرج، وكان يلقى التقدير والاحترام في كل مكان ينزله، ويجذب الكثيرين من المؤيدين والمريدين.وحينما زار الأفغاني معرض باريس سنة (1307هـ= 1889م) التقى هناك بالشاه ناصر الدين، وأظهر له الشاه من الود والتقدير ما دعاه إلى العودة مرة أخرى إلى طهران، ولكن ما لبث الشاه أن تغير عليه ثانية، خاصة بعدما راح يصرح برأيه في إصلاح الحكومة، ويجاهر بنقده للأوضاع السياسية في الدولة. ولم يطق الشاه صبرًا، ورأى في بقاء الأفغاني خطرًا محققًا على أركان عرشه، فأرسل إليه قوة عسكرية، فساقوه من فراش مرضه إلى حدود تركيا.اتجه الأفغاني إلى البصرة، ومنها إلى لندن حيث اتخذ من جريدة "ضياء الخافقين" منبرًا للهجوم على الشاه، وكشف ما آلت إليه أحوال إيران في عهده، وكان تأثير الأفغاني قويًا على الإيرانيين، حتى بلغ من تأثيره أنه استطاع أن يحمل بعض علماء إيران على إصدار فتوى بتحريم "شرب" الدخان، فأصدر الميرزا "محمد حسن الشيرازي" فتوى حرّم فيها على الإيرانيين شرب الدخان، فامتنعوا عن شربه امتناعًا شديدًا، حتى إن العامة ثاروا على الشاه، وأحاطوا بقصره، وطلبوا منه إلغاء الاتفاق مع إحدى الشركات العربية لتأسيس شركة "ريجي" في إيران؛ فاضطر الشاه إلى فسخ الاتفاق، وتعويض الشركة بمبلغ نصف مليون ليرة إنجليزية.
-----------------------------------
دسائس الوشاة ومكائد الحاقدينوكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت الشاه يلجأ إلى السلطان عبد الحميد ليوقف الأفغاني عن الهجوم عليه، واستطاع السلطان أن يجذب الأفغاني إلى نزول الأستانة سنة (1310هـ=1892م)، وأراد السلطان أن يُنعم على الأفغاني برتبة قاضي عسكر، ولكن الأفغاني أبى، وقال لرسول السلطان: "قل لمولاي السلطان إن جمال الدين يرى أن رتبة العلم أعلى المراتب".وفي أثناء وجود الأفغاني بالأستانة زارها الخديوي عباس حلمي، والتقى بالأفغاني لقاءً عابرًا، ولكن الوشاة والحاسدين من أعداء الأفغاني المقربين إلى السلطان وجدوا في ذلك اللقاء العابر فرصة سانحة للوقيعة بينه وبين السلطان، فبالغوا في وصف ذلك اللقاء، وأضفوا عليه ظلالاً من الريبة والغموض، وأوعزوا إلى السلطان أنهما تحادثا طويلاً في شئون الخلافة، وحذّروه من الخطر الذي يكمن وراء تلك المقابلة؛ فاستدعى السلطان العثماني جمال الدين الأفغاني وأطلعه على تلك الأقوال، فأوضح له الأفغاني حقيقة الموقف بجرأة، وانتقد هؤلاء الوشاة بشجاعة لم تعهد لغيره.
----------------------------------------
منهج الأفغاني في الإصلاح الدينيكانت الدعوة إلى القرآن الكريم والتبشير به من أكبر ما يطمح إليه "الأفغاني" في حياته، وكان يرى أن القاعدة الأساسية للإصلاح وتيسير الدين للدعوة هي الاعتماد على القرآن الكريم، ويقول: "القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج إلى حسن الإسلام، فهو يدعوهم بلسان حاله إليه. لكنهم يرون حالة المسلمين السوأى من خلال القرآن فيقعدون عن اتباعه والإيمان به". فالقرآن وحده سبب الهداية وأساس الإصلاح، والسبيل إلى نهضة الأمة: "ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجية لا توصف؛ فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلمًا وفلسفة وصناعة وتجارة".. فالإصلاح الديني لا يقوم إلا على القرآن وحده أولاً، ثم فهمه فهمًا صحيحًا حرًا، وذلك يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها إلى أذهان متناوليها.
------------------------------------------
جمال الدين بين السنية والتشيعيرى بعض الباحثين أن جمال الدين كان إيرانيًا من "أسد آباد" بالقرب من همدان، وأنه كان شيعيًا جعفري المذهب، وذلك بالرغم من اشتهار أمر جمال الدين بانتسابه إلى بلاد الأفغان وأنه سني المذهب، وبالرغم من حرصه على تلقيب نفسه بالأفغاني، وانخراطه في علماء أهل السنة في جميع البلدان الإسلامية التي زارها أو أقام فيها.ويحاول هؤلاء إيجاد الأدلة، وتدبيج البراهين التي تعضد موقفهم، وتؤيد ما ذهبوا إليه، ومن ذلك:- وجود عائلة جمال الدين في إيران، وعدم وجود أي أثر لها في أفغانستان.- إن اسم والد جمال الدين "صفدر"، وهو اسم إيراني شيعي يعني: البطل ممزق الصفوف.- اهتمام جمال الدين بإيران ومشكلاتها أكثر من اهتمامه بأي قطر إسلامي آخر.- إجادة جمال الدين اللغة الفارسية باللهجة الإيرانية.- تمجيد جمال الدين للإيرانيين وإشادته بذكائهم.وهي في مجملها قرائن لا ترقى إلى الأدلة الجازمة، أو البراهين القاطعة تنقضها كتابات جمال الدين وسيرة حياته، التي توضح أنه كان أفغانيًا سنيًا لا إيرانيًا شيعيًا.فهو في كتابه "تتمة البيان في تاريخ الأفغان" ينتقد الشيعة في انصرافهم عن بعض أركان الدين إلى ظواهر غريبة عنه وعادات محدثة، فيقول: "وجميع الأفغانيين متمذهبون بمذهب أبي حنيفة، لا يتساهلون رجالاً ونساءً وحضريين وبدويين في الصلاة والصوم، سوى طائفة (نوري)، فإنهم متوغلون في التشيع، يهتمون بأمر مأتم الحسين (رضي الله عنه) في العشر الأول من محرم، ويضربون ظهورهم وأكتافهم بالسلاسل مكشوفة".وقد تصدى لهذا الزعم عدد من الباحثين والمفكرين، في مقدمتهم د. "محمد عمارة" الذي رأى أن الرجل لن يعيبه أن يكون إيرانيًا أو أفغانيًا، ولن ينقص من قدره أن يكون شيعيًا أو سنيًا؛ لأنه مسلم تشرف به كل أقاليم الإسلام وجميع مذاهبه.وأن الذي جعل قضية الخلاف حول موطن جمال الدين وحول المذهب الديني الذي تمذهب به تأخذ بعدًا آخر، أخرجها من هذا الإطار المألوف، هو أن الذين ادعوا إيرانيته وشيعته قد أرادوا –من وراء هذه الدعوى- إثبات كذب الرجل، فقد قال عن نفسه بأنه أفغاني، ونطقت أفكاره وكتاباته بأنه سني، فالمقصد من وراء تلك الدعوة هو هدم الرجل (الرمز) الذي يعتز به الجميع.
--------------------------------------------
الأفغاني والماسونيةانتظم جمال الدين في سلك الماسونية؛ لينفسح له المجال أمام الأعمال السياسية، وقد انتخب رئيسًا لمحفل "كوكب الشرق" سنة (1395هـ=1878م)، ولكنه حينما اكتشف جبن هذا المحفل عن التصدي للاستعمار والاستبداد، ومسايرته لمخطط الإنجليز في مصر استقال منه، وقد سجل الأفغاني تجربته تلك في كلمته التي أدان فيها ماسونية ذلك المحفل الذي يتستر تحت شعارات براقة وأهداف عريضة، لكنه في الحقيقة لا يخرج في ذلك كله عن حيز القول إلى الفعل، بل ربما كان أدنى إلى تحقيق أهداف المستعمر وترسيخ أطماعه بعيدا عن تأكيد مبادئ الحق والحرية والمساواة التي يرفعها مجرد شعار.
----------------------------------------------
هل مات مسمومًا؟وتوفي الأفغاني في الأستانة –بعد حياة شاقة مليئة بالمتاعب والصعاب- عن عمر بلغ نحو ستين عامًا، وكما حفلت حياته بالجدل والإثارة، فقد ثار الجدل أيضًا حول وفاته، وشكك البعض في أسبابها، وأشار آخرون إلى أنه اغتيل بالسم.فبالرغم من أن الشيخ عبد الرشيد إبراهيم –الرحالة الروسي الشهير- يؤكد أنه كان مريضًا، وأنه توفي متأثرًا بمرضه، وكان قد زاره قبيل ساعتين من وفاته، فإن ابن أخته "ميرزا لطف الله خان" يزعم أنه مات مسمومًا، ويتهم الحكومة الإيرانية بقتله، ويذكر أن الحكومة الإيرانية أوفدت "ناصر الملك" لقتل "جمال الدين" بعدما رفضت الدولة العثمانية تسليمه لها.. وكانت وفاته في (5 من شوال 1314هـ= 10 من مارس 1897م).
-----------------------------------------------
أهم مصادر الدراسة:

تتمة البيان في تاريخ الأفغان: السيد جمال الدين الأفغاني- مطبعة الموسوعات – القاهرة- (1318هـ=1901م).جمال الدين الأسد آبادي (المعروف بالأفغاني): ميرزا لطف الله خان الأسد آبادي- ترجمه وقدم له وعلق عليه: د. عبد النعيم محمد حسنين- دار الكتاب اللبناني– بيروت- (1393هـ=1973م).جمال الدين الأفغاني.. ذكريات وأحاديث: عبد القادر المغربي- دار المعارف بمصر– القاهرة- [د. ت]. سلسلة [اقرأ: 68].جمال الدين الأفغاني المفترى عليه: د. محمد عمارة- دار الشروق – القاهرة- (1404هـ=1984م).جمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة: السيد يوسف- الهيئة المصرية العامة للكتاب– القاهرة- (1420هـ=1999م)- سلسلة [تاريخ المصريين: 151].زعماء الإصلاح في العصر الحديث: أحمد أمين- مكتبة النهضة المصرية– القاهرة- (1367هـ=1948م).

Saturday, October 06, 2007

القائد عمر المختار



طفل يتيم :
ينتسب عمر المختار إلى قبيلة المنفه إحدى كبريات قبائل المرابطين ببرقة, ولد عام 1862م في قرية جنزور بمنطقة دفنة في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا على الحدود المصرية..
تربى يتيما .حيث وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة.
تلقى عمر المختار تعليمه الأول في زاوية جنزور, ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسى قطب الحركة السنوسية، فدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.
ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل،، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه " لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم ".
فقد وهبه الله تعالى ملكات منها جشاشة صوته البدوي وعذوبة لسانه واختياره للألفاظ المؤثرة في فن المخاطبة وجاذبية ساحرة لدرجة السيطرة على مستمعيه وشد انتباههم،
شارك عمر المختار في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً, ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلك) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية.
وبعد وفاة السيد محمد المهدي السنوسي عام 1902م تم استدعاؤه حيث عين شيخاً لزاوية القصور

---------------------------

معلم يتحول إلى محارب :
عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم, فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م, وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي, درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس, كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف, وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي, أذكر منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم,
ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913, وعشرات المعارك الأخرى.
وحينما عين أميليو حاكماً عسكريا لبرقة, رأى أن يعمل على ثلاث محاور
الأول : قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا
الثاني : قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي..
والثالث :قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.
لكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م, ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.

----------------------------

الفاشيست والمجاهدون :
بعد الانقلاب الفاشي في إيطالي في أكتوبر 1922, وبعد الانتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا. تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي, واضطر إلى ترك البلاد عاهداً بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخاه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية.
بعد أن تأكد للمختار النوايا الإيطالية في العدوان قصد مصر عام 1923م للتشاور مع السيد إدريس فيما يتعلق بأمر البلاد, وبعد عودته نظم أدوار المجاهدين, فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات والفضيل بوعمر على دور الحاسة, وتولى هو القيادة العامة.
بعد الغزو الإيطالي على مدينة اجدابيا مقر القيادة الليبية, أصبحت كل المواثيق والمعاهدات لاغية, وانسحب المجاهدون من المدينة وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدة نحو الجبل الأخضر, وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار والإنضواء تحت قيادة عمر المختار, كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح, وعندما ضاق الإيطاليون ذرعا من الهزيمة على يد المجاهدين, أرادوا أن يمنعوا عنهم طريق الإمداد فسعوا إلى احتلال الجغبوب ووجهت إليها حملة كبيرة في 8 فبراير 1926م, وقد شكل سقوطها أعباء ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار, ولكن الرجل حمل العبء كاملاً بعزم العظماء وتصميم الأبطال.
ولاحظ الإيطاليون أن الموقف يملي عليهم الاستيلاء على منطقة فزان لقطع الإمدادات على المجاهدين, فخرجت حملة في يناير 1928م, ولم تحقق غرضها في احتلال فزان بعد أن دفعت الثمن غاليا. ورخم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم, إلا أن الأحداث لم تنل منهم وتثبط من عزمهم, والدليل على ذلك معركة يوم 22 أبريل التي استمرت يومين كاملين, انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتادا كثيرا

-----------------------------

مفاوضات السلام في سيدي ارحومة :
وتوالت الانتصارات, الأمر الذي دفع إيطاليا إلى إعادة النظر في خططها وإجراء تغييرات واسعة,
فأمر موسوليني بتغيير القيادة العسكرية, حيث عين بادوليو حاكماً عسكريا على ليبيا في يناير 1929م, ويعد هذا التغيير بداية المرحلة الحاسمة بين الطليان والمجاهدين.
تظاهر الحاكم الجديد لليبيا في رغبته للسلام لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده,وطلب مفاوضة عمر المختار, تلك المفاوضات التي بدأت في 20 أبريل 1929م,
واستجاب الشيخ لنداء السلام وحاول التفاهم معهم على صيغة ليخرجوا من دوامة الدمار. فذهب كبيرهم للقاء عمر المختار ورفاقه القادة في 19 يونيو1929م في سيدي ارحومه. ورأس الوفد الإيطالي بادوليونفسه، الرجل الثاني بعد بنيتو موسليني، ونائبه سيشليانو، ولكن لم يكن الغرض هوالتفاوض، ولكن المماطلة وشراء الوقت لتلتقط قواتهم أنفاسها، وقصد الغزاة الغدر به والدس عليه وتأليب أنصاره والأهالي وفتنة الملتفين حوله..
وعندما وجد المختار أن تلك المفاوضات تطلب منه اما مغادرة البلاد إلى الحجاز اومصر أو البقاء في برقة و انهاء الجهاد .والإستسلام مقابل الأموال والإغراءات, رفض كل تلك العروض, وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الاختيار الثالث وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة.
تبين للمختار غدر الإيطاليين وخداعهم, ففي 20 أكتوبر 1929م وجه نداء إلى أبناء وطنه طالبهم فيه بالحرص واليقظة أمام ألاعيب الغزاة.
وصحت توقعات عمر المختار, ففي 16 يناير 1930م ألقت الطائرات بقذائفها على المجاهدين

-----------------------------

السفاح يتدخل :
دفعت مواقف المختار ومنجزاته إيطاليا إلى دراسة الموقف من جديد وتوصلت إلى تعيين غرسياني وهو أكثر جنرالات الجيش وحشية ودموية.. ليقوم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ في وحشيتها وفظاعتها وعنفها وقد تمثلت في عدة إجراءات ذكرها غرسياني في كتابه "برقة المهدأة": 1- قفل الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة لمنع وصول المؤن والذخائر.2- إنشاء المحكمة الطارئة في أبريل 1930م.3- فتح أبواب السجون في كل مدينة وقرية ونصب المشانق في كل جهة.4- تخصيص مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة البيضاء والمقرون وسلوق من أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الإعتقال والنفي والتشريد.5- العمل على حصار المجاهدين في الجبل الأخضر واحتلال الكفرة.
إنتهت عمليات الإيطاليين في فزان باحتلال مرزق وغات في شهري يناير وفبراير 1930م ثم عمدوا إلى الإشباك مع المجاهدين في معارك فاصلة, وفي 26 أغسطس 1930م ألقت الطائرات الإيطالية حوالي نصف طن من القنابل على الجوف والتاج, وفي نوفمبر اتفق بادوليو وغرسياني على خط الحملة من اجدابيا إلى جالو إلى بئر زيغن إلى الجوف, وفي 28 يناير 1931م سقطت الكفرة في أيدي الغزاة, وكان لسقوط الكفرة آثار كبيرة على حركة الجهاد والمقاومة.
الأسد أسيرا :
في معركة السانية في شهر أكتوبر عام 1930م سقطت من الشيخ عمر المختار نظارته، وعندما وجدها أحد جنود الطليان وأوصلها لقيادته، فرائها غراتسياني فقال: "الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يوماً ما".
وفي 11 سبتمبر من عام 1931م، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لحصاره ولحقها تعزيزات، واشتبك الفريقين في وادي بوطاقة ورجحت الكفة للعدوفأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق، ولكن قُتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائياً. فلم يتمكن من تخليص نفسه ولم يستطع تناول بندقيته ليدافع عن نفسه، فسرعان ماحاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته، فنقل على الفور إلي مرسى سوسه ومن ثم وضع على طراد الذي نقله رأسا إلي بنغازي حيث أودع السجن الكبير بمنطقة سيدي اخريبيش. ولم يستطع الطليان نقل الشيخ براً لخوفهم من تعرض المجاهدين لهم في محاولة لتخليص قائدهم.

----------------------------

كان لاعتقاله في صفوف العدو، صدىً كبيراً، حتى أن غراسياني لم يصدّق ذلك في بادىء الأمر،وكان غراتسياني في روما حينها كئيباً حزيناً منهار الأعصاب في طريقه إلي باريس للاستجمام والراحة تهرباً من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في برقة، حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه والانتقادات المرة تأتيه من رفاقه مشككة في مقدرته على إدارة الصراع. وإذا بالقدر يلعب دوره ويتلقى برقية مستعجلة من نغازي مفادها إن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان. فأصيب غراتسياني بحالة هستيرية كاد لا يصدق الخبر. فتارة يجلس على مقعده وتارة يقوم، وأخرى يخرج متمشياً على قدميه محدثاً نفسه بصوت عال، ويشير بيديه ويقول: "صحيح قبضوا على عمر المختار ؟ ويرد على نفسه لا، لا اعتقد." ولم يسترح باله فقرر إلغاء أجازته واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازي في نفس اليوم وطلب إحضار عمر المختار إلي مكتبه لكي يراه بأم عينيه.
وصل غرسياني إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر , وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 سبتمبر 1931م, وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار, يذكر غرسياني في كتابه (برقة المهدأة):
"وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل, رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة, وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه (بالجرد) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر, وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر, ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح."
غراتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة لفاشستية ؟

----------------------------

أجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.
غراتسياني:ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟
فأجاب الشيخ: لا شئ إلا طردكم … لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.
غراتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟.
فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أي شئ … وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الأخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح…
ويستطرد غرسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد, فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء, وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يديه كانت مكبلة بالحديد."
مهزلة المحاكمة :
عقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 سبتمبر 1931م،
وبعد ساعة تحديداً صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت،
وعندما ترجم له الحكم، قال الشيخ "إن الحكم إلا لله … لا حكمكم المزيف ... إنا لله وإنا أليه لراجعون".

----------------------------

وهنا نقلا حرفيا لمحضر المحاكمة كما ورد في الوثائق الإيطالية :
إنه في سنة ألف وتسعمائة وواحدة وثلاثين ؛ السنة التاسعة ، وفي اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر ، ببنغازي ، وفي تمام الساعة 17 بقصر "الليتوريو" بعد إعداده كقاعة لجلسات المحكمة الخاصة بالدفاع عن أمن الدولة ، والمؤلفة من السادة :
- المقدم الكواليير اوبيرتو فانتيري مارينوني ، رئيسا بالوكالة ، نيابة عن الرئيس الأصيل الغائب لعذر مشروع .
- المحامي د. فرانشيسكو رومانو (قاضي مقرر) .
- الرائد الكاواليير قوناريو ديليتلو (مستشار ، أصيل ) .
- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير جوفاني منزوني ، مستشار أصيل) .
- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير ميكيلي مندوليا ، مستشار أصيل) ، والرئيس بالنيابة عن الرئيس الأصيل ، الغائب بعذر مشروع .
- بمساعدة الملازم بسلاح المشاة ، ايدواردو ديه كريستوفانو (كاتب الجلسة العسكري بالنيابة) .
للنظر في القضية المرفوعة ضد : عمر المتخار ، بن عائشة بنت محارب ، البالغ من العمر 73 سنة ، والمولود بدفنة ، قبيلة منفة ، عائلة بريدان ، بيت فرحات ؛ حالته الاجتماعية : متزوج وله أولاد ، يعرف القراءة والكتابة ، وليست له سوابق جنائية ، في حالة اعتقال منذ 12 سبتمبر 1931.
المتهم بالجرائم المنصوص عليها وعلى عقوباتها في المواد 284-285-286-575-576 (3) ، والمادة 26 ، البنود : 2 - 4 - 6 - 10 ، وذلك أنه قام ، منذ عام 1911م وحتى القبض عليه في جنوب سلنطة في 11سبتمبر 1931، بإثارة العصيان وقيادته ضد سلطات الدولة الإيطالية ، داخل أراضي المستعمرة ، وباشتراكه في نصب الكمائن للوحدات المعزولة من قواتنا المسلحة وفي معارك عديدة وأعمال الإغارة للسلب والنهب واللصوصية مع ارتكاب جرائم قتل بدافع نزعته إلى القسوة والتوحش ، وأعمال البطش والتنكيل ، بقصد إحداث الدمار وسفك الدماء لفصل المستعمرة عن الوطن الأم .
بعد ذلك سمح للجمهور بدخول قاعة الجلسات ، بينما جلس المتهم في المكان المخصص للمتهمين ، تحت حراسة عسكرية ، وهو طليق اليدين وغير مكبل بأغلال من أي نوع .
كما حضر وكيل النيابة العامة السينور "كواليير" أوفيتشالي جوسيبي بيديندو ، كمدعي عسكري ، والمكلف بالدفاع عن المتهم ، المحامي ، النقيب في سلاح المدفعية ، روبيرتو لونتانو .
يعلن الرئيس افتتاح الجلسة . فيحضر أيضا المترجم السيد نصري هرمس الذي يطلب إليه الرئيس الادلاء ببيانات هويته فيجيب :
- نصري هرمس ، ابن المتوفى ميشيل ، وعمري 53 سنة ، ولدت في ديار بكر ببلاد ما بين النهرين (العراق) رئيس مكتب الترجمة لدى حكومة برقة .
يكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة ، بعد تحذيره حسبما هو مقرر ، فيؤديها بصوت عال وبالصيغة التالية : (( أقسم بأنني سأنقل الأسئلة إلى الشخص المقرر استجوابه بواسطتي بأمانة وصدق ، وبأن أنقل الردود بأمانة )) .
فيوجه الرئيس ، عن طريق الترجمان ، أسئلة للمتهم حول هويته ، فيدلي بها بما يتفق مع ما تقدم ، ومن ثم ينبه عليه بالانصات إلى ما سيسمع . وعند هذه النقطة ، يثبت في المحضر طلب وكيل النيابة بإعفاء المترجم نصري من المهمة بسبب وعكة ألمت به والاستعاضة عنه بالكواليير لومبروزو ابن آرونه وماريا قاندوس ، المولود بتونس في 27 - 2 - 1891م ، ومهنته صناعي .
فيكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة ، بعد تحذيره نظاميا ؛
يتلو كاتب الجلسة صحيفة الاتهام ، فيتولى الترجمان ترجمتها للمتهم ، ويسرد بعدها قائمة المستندات والوثائق المتصلة بالدعوى ،
وبعد سردها يكلف الرئيس الترجمان بترجمتها ، حيث إن المتهم غير ملم باللغة الإيطالية ، ومن ثم يبدأ استجوابه حول الأفعال المنسوبة إليه ؛ فيرد عليها ، ويتولى الترجمان ترجمة ردود المتهم عليها .

------------------------------

ويثبت بالمحضر أن المتهم يرد بانتظام عن كل اتهام حسب ما جاء في محضر استجوابه المكتوب ، معترفا بأنه زعيم المقاومة في برقة وبهذه الصفة فهو الفاعل والمحرض لجميع الجرائم التي اقترفت في أراضي المستعمرة خلال العقد الأخير من الزمن ، أي الفترة التي ظل خلالها الرئيس الفعلي للمقاومة .
وردا عن سؤال ، يجيب :
منذ عشر سنوات ، تقريبا ، وأنا رئيس المحافظية . ويثبت هنا أن المتهم ظل يرد عن كل سؤال محدد حول تهمة بعينها ، بقوله : (( لا فائدة من سؤالي عن وقائع منفردة ، وما أرتكب ضد إيطاليا والإيطاليين ، منذ عشر سنوات وحتى الآن ، كان بإرادتي وإذني ، عندما لم أشترك أنا نفسي في تلك الأفعال ذاتها )) .
وردا عن سؤال ، يجيب : (( كانت الغارات تنفذ أيضا بأمري وبعضها قمت بها أنا نفسي )) .
يعطي الرئيس الكلمة لوكيل النيابة : بعد أن تناول الكلمة ، أوجز مطلبه في أن تتكرم المحكمة ، بعد تأكيد إدانة المتهم بالجرائم المنسوبة إليه ، بإصدار حكم الإعدام عليه وما يترتب عليه من عواقب .
وينهي الدفاع ، بدوره مرافعته بطلب الرأفة بالمتهم . وبعدما أعطى المتهم الكلمة كآخر المتحدثين ، يعلن الرئيس قفل باب المناقشة ، وتنسحب هيئة المحكمة إلى حجرة المداولة لتحديد الحكم
عادت المحكمة بعد قليل إلى قاعة الجلسات ؛ لينطق الرئيس بصوت عال بالحكم بالإدانة ، بحضور جميع الأطراف المعنية . فيقوم الترجمان بترجمة منطوق الحكم .
أثبت تحريريا كل ما تقدم بهذا المحضر الذي وقع عليه : كاتب المحكمة العسكري .
الإمضاء : ادواردو ديه كريستوفانو ، الرئيس (المقدم الكاواليير أوميركو مانزولي) .
كاتب المحكمة العسكرية ، الإمضاء : ادواردوديه كريستوفاني (Edoardo De Cristofano) .
الرئيس : (المقدم الكاواليير أوميركو مانزوني)
الإمضاء : أومبيرتو مانزوني (Umberto Marinoni) .
- صورة طبق الأصل -
كاتب المحكمة العسكرية بالنيابة
التوقيع
الإعدام :

--------------------------

في صباح اليوم التالي للمحاكمة الأربعاء، 16 سبتمبر 931م، اتخذت جميع التدابيراللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران،
واحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.
واحضر الشيخ عمر المختار مكبل الأيدي، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر،
وبدأت الطائرات تحلق في الفضاء فوق المعتقلين بأزيز مجلجل حتى لا يتمكن عمر المختار من مخاطبتهم،
وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً سلم الشيخ إلي الجلاد، وكان وجهه يتهلل استبشاراً بالشهادة وكله ثبات وهدوء، فوضع حبل المشنقة في عنقه، وقيل عن بعض الناس الذين كان على مقربة منه انه كان يأذن في صوت خافت آذان الصلاة، والبعض قال انه تمتم بالآية الكريمة "يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية" ليجعلها مسك ختام حياته البطولية. وبعد دقائق صعدت روحه الطاهرة النقية إلي ربها تشكوأليه عنت الظالمين وجور المستعمرين.
وسبق إعدام الشيخ أوامر شديدة الطبيعة بتعذيب وضرب كل من يبدي الحزن أويظهر البكاء عند إعدام عمر المختار، فقد ضرب جربوع عبد الجليل ضرباً مبرحاً بسبب بكائه عند إعدام عمر المختار. ولكن علت أصوات الاحتجاج ولم تكبحها سياط الطليان، فصرخت فاطمة داروها العبارية وندبت فجيعة الوطن عندما على الشيخ شامخاً مشنوقاً، ووصفها الطليان "بالمرأة التي كسرت جدار الصمت".

Tuesday, September 11, 2007

البغدادي

نبذة
هو موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف البغدادي، اشتهر بالفلسفة والكيمياء والطب، ولد ببغداد سنة 557 هجرية وتوفي سنة 629 هجرية
----------------------
سيرته:
هو موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف البغدادي، ولد في بغداد سنة 557 هـ ودرس فيها الأدب والفقه، والقرآن، والحديث،,الحساب والفلك. ثم رحل إلى مصر حيث تعمق فيالفلسفة والكيمياء، على يد يس السيميائي (الكيميائي)، كما تخصص في الطب على يد موسى بن ميمون الطبيب. انتقل إلى دمشق ليشتغل بدراسة العلوم الطبية مدة من الزمن، ثم عاد إلى مصر ليتسلم إحدى وظائف التدريس في الأزهر الشريف أيام العزيز ابن صلاح الدين. وكان التدريس بالأزهر شرفاً لا يناله إلا من يناله الحظ من العلماء. وفي أواخر حياته عاد البغدادي إلى دمشق وحلب حيث توفي سنة 629 هـ .
من أهم ما وصلنا من مؤلفات البغدادي كتاب (الإفادة والاعتبار) وفيه تحدث عن أحوال مصر وما شاهده فيها. كما يتضمن الكتاب وصفاً للنباتات والحيوانات التي رآها في مصر، مع ذكر التفاصيل الدقيقة، والإشارة إلى الخصائص الطبية للأعشاب

Tuesday, July 31, 2007

رباعيات صلاح چاهين

أحب أعيش ولو في الغابات
أصحي كما ولدتني أمي و ابات
طائر .. حوان.. حشرة .. بشر ..بس أعيش
محلا الحياة.. حتي في هيئة نبات
عجبي !!
--------------------

سهير ليالي و ياما لفيت و طفت
و ف ليه راجع في الضلام قمت شفت
الخوف ... كأنه كلب سد الطريق
و كنت عاوز أقتله .. بس خفت
عجبي !!
-------------------

كان فيه زمان سحليه طول فرسخين
كهفين عيونها و خشمها بربخين
ماتت لكين الرعب لم عمره مات
مع إنه فات بدل التاريخ تاريخين
عجبي !!
----------------------

عجبتني كلمة من كلام الورق
النور شرق من بين حروفها و برق
حبيت أشيلها ف قلبي .. قالت حرام
ده أنا كل قلب دخلت فيه اتحرق
عجبي !!!
------------------------
رقبه قزازة و قلبي فيها انحشر
شربت كاس و اتنين و خامس عشر
صاحبت ناس م الخمرة ترجع وحوش
و صاحبت ناس م الخمرة ترجع بشر
عجبي !!!!
----------

ليه يا حبيبتي ما بيننا دايما سفر
ده البعد ذنب كبير لا يغتفر
ليه يا حبيبتي ما بيننا دايما بحور
أعدي بحر ألاقي غيره اتحفر
عجبي !!!

Friday, June 01, 2007

الشاعر أيمن اللبدي


مواليد طولكرم العام 1962 فلسطين بكالوريوس علوم جامعة بيرزيت العام1985/1986 العمل في حقول التعليم والصحافةوالتسويق البداية مع الحرف 1978 - قصائد ومقالات ودراسات أدبية منوعة - مساهمات في عدد من الأمسيات الأدبية والمواقع على الشبكة- جائزة درع القصيدة العمودية من أسبوع فلسطين -سوق عكاظ /جامعة بيرزيت-
-------------------------
عدد من المجموعات الشعرية: *نشر الأول منها عام - من وصايا النزف1980 *هوامش على تغريبة القمر العائد 1996 *انتفاضيات 2003 -ثلاثة كتب إليكترونية من إصدار ناشري
-------------------------
مدير تحرير الحقائق الثقافية - المملكة المتحدة/لندن
-------------------------
لمن العتاب ؟
من أينَ تبتدأ ُ القصيدة ُ نفسَها؟
من أينَ يرتفع ُ الستار؟
ويغوصُ في البحرِ الشراعْ ؟
ويضيع ُ قنديلُ المرافئِ ......آه! آه....

آهِ من خط ِ المشاعلْ
.يا خانةَ الأشجان ِ والأوجاعْ
وقوافل َ النصل ِ المريرْ
يا أيها البحر ُ المغادر ُ في انتفاء
ألك َ العيونُ المسرجات ُعلى الحصانْ؟!
أواهُ يا "بردى"؟!.....

"دجلى"يئن ويستغيث ُ من الحصارْ موج ٌ حسيرْ .....///

ونضيع ُفي رملِ القلاعْ
والكل ُّيغرق ُفي الدُوارْ
يتفتَّت ِ الكبدُ المحدَّدُ بالرهانْ
ويسافر ُ الفرح ُ المؤجَّل
وبغير ِخط ٍّ أو مدارْ
كان العتابْ ....
لمن ِ العتاب ْ؟!.
والسيف ُ نصل ٌ في يديك َ ومقبضاً في "الفاوِ" كانْ
من أين ترتسم ُ العلامات ُ الطوال ،
لبداية ِالمشوار. ؟!
بيروتُ تلعنُ نفسَها
وتحزُّ آلاف الرقابْ
وتظلُّ تنسج ُمن دموع ِ الفجرِ أغنيةَ الدمارْ
فيها النشيدْ
فيها عيون ُ الصَّلب ِ لافتةَ الجدارْ
فيروز" ُ كيف َ الحبُّ في وطنِ القبابْ ؟!
وجع ٌ عضالْ
والنارُ تلتهم ُالتراب
فُكُّوا الصليبْ
فالحزنُ فوقَ العظمِ مسمار ٌ عنيدْ
والموتُ قناص ٌومتراسُ السفرْ
من أين َيبتدأُ الرِّكابْ ؟
والحبُّ آلته تترى بها شعر ٌ وغارْ
لسنا على ثأرٍ ولا كنا نحارب في "البسوس
فكيف يفترق ُالرفاقْ؟
وجذور ُ غابات ِ المواجع ِبيننا
أبدا ًتحاولُ أن تغيبْ !
في القلب ِ نزرع ُ ضفتين ِ و عرق َ زيتون ٍ ودارْ
للقدس ِ بوصلةِ السفن
لعرائس ِ البلدانِ نكتب ُ كلَّ يوم ٍ أغنيةْ
فهناك َكل ُّ بداية ٍ للبحرْ
وهناك َينفجرُ الهوى ويسيرُ خط الابتداء ْ...

Tuesday, May 08, 2007

زكى طليمات (1894-1982) ممثل – مخرج • ولد زكى عبد الله طليمات بحى عابدين من اب من أصل عربى وام شركسية . • فى عام 1916 حصل على شهادة إتمام الثانوية العامة القسم الادبى .
-----------------------------

إنضم الى فرقة عبد الرحمن رشدى " المحامى " عند تكوين فرقته المسرحية فى عام 1917 . • فى يناير 1921 وعقب حل عبد الرحمن رشدى فرقته المسرحية . إنضم زكى طليمات الى فرقة جورج أبيض ولكنه لم يستمر فيها طويلاً إذ إنه فضل الوظيفة الحكومية بحثاً عن حياة كريمة إذ أنه قد عين بوظيفة كاتب بمصلحة وقاية الحيوانات . حيث أنه فى هذه الفترة تزوج من السيدة روز اليوسف ، إلا إن زكى طليمات لم تنقطع صلته بالمسرح والحركة المسرحية .
--------------------------------
فى نوفمبر 1925 أوفد فى بعثة الى فرنسا لتلقى فن التمثيل والإخراج وتتلمذ فى باريس على يد " دينى دينيس " . • فى اكتوبر 1928 عاد من بعثته ، وعين سكرتيراً لمدير الفنون الجميلة . • فى ديسمبر 1929 نقل الى وظيفة معاون بدار الأوبرا الملكية . • فى نوفمبر 1930 تم إفتتاح معهد التمثيل وعين مشرفاً إدارياً له ومدرساً للإلقاء ، لكن المعهد أغلق فى صيف 1931 بحجة مخالفته للتقاليد والآداب .
----------------------------------
فى عام 1934 عين مديراً لاتحاد الممثلين الذى ألف بدعم من الدولة لحل أزمة المسرح ، ولكن الفرقة لم تستمر طويلاً حيث كانت الدسائس والوقيعة سبباً فى فشل الفرقة وحلها . • فى عام 1935 ثم إنشاء الفرقة القومية المصرية كأول فرقة مسرحية تشرف عليها الدولة وعين عضواً للجنة الإشراف على الفرقة ومخرجاً بها . • فى عام 1937 أوفدته وزارة المعارف إلى أوربا لتمثيل مصر في مؤتمري التعليم الثانوي والمسرح المدرسي ، ولدراسة المسرح الشعبي .
-----------------------------------
في أغسطس 1942 عين مديراً فنياً للفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى التي حلت محل الفرقة القومية ، وفى نفس العام إفتتح المعهد العالي لفن التمثيل العربي وعين زكى طليمات أول عميد له . • في عام 1954 سافر إلى تونس بدعوة من حكومتها في تأسيس الفرقة القومية ، وشارك في إنشاء معهد الفنون المسرحية بتونس . • في عام 1961 عهدت إليه حكومة الكويت بتأسيس مسرحها القومي ، وعين مشرفاً عاماً على مؤسسة المسح والفنون بها .
----------------------------------------
عام 1971 بعد عودته من الكويت عين مستشاراً فنياً للهيئة العامة للسينما والمسرح والموسيقى . • أخرج عدة مسرحيات منها :- أهل الكهف – تاجر البندقية –السيد / نشيد الهوى –الفاكهة المحرمة –الشيخ متلوف –مدرسة الأزواج –أوبريت يوم القيامة –مدرسة النساء –الناصر – حواء الخالدة……………. • حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الإخراج المسرحي عن مسرحية يا ليل ياعين . -الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون سنة 1975 . -جائزة الدولة التقديرية سنة 1976 .

Saturday, May 05, 2007

...شاعر الاطلال....ابراهيم ناجي....


إبراهيم ناجي شاعر مصري ولد في عام 1898 م و ذلك في حي شبرا في القاهرة في اليوم الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر . و توفي في عام 1953 عندما كان في الخامسة و الخمسين من العمر. و كان والد الشاعر مثقفاً، مما ساعده على نجاحه في عالم الشعر و الأدب. و قد تخصص الشاعر في مجال الطب و من بعدها عيّن مراقباً للقسم الطبي في وزارة الأوقاف.
------------------------
كان ناجي شاعراً يميل للرومانسية، أي الحب و الوحدانية. و كان رئيساً لمدرسة أبولو الشعرية و ترأس من بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن العشرين. ترجم إبراهيم ناجي الكتب الإنجليزية و الإيطالية إلى العربية و كتب الكثير من الكتب الأدبية مثل "مدينة الأحلام" و "عالم الأسرة". و من أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها المغنية أم كلثوم. لقب بشاعر النيل.وشاعر الأطلال
-----------------------
وقد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين المتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نـهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي
------------------------
بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسييه وتوماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية ، وانضم إلى جماعة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة .
------------------------
وقد تأثر ناجي في شعره بالاتجاه الرومانسي كما اشتهر بشعره الوجداني ، وكان وكيلاً لمدرسة أبوللو الشعرية ورئيساً لرابطة الأدباء في مصر في الأربعينيات من القرن العشرين .
---------------------------
قام ناجي بترجمة بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان أزهار الشر، وترجم عن الإنكليزية رواية الجريمة والعقاب لديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية الموت في إجازة، كما نشر دراسة عن شكسبير، وقام بإصدار مجلة حكيم البيت ، وألّف بعض الكتب الأدبية مثل مدينة الأحلام وعالم الأسرة وغيرهما
---------------------------
واجه نقداً عنيفاً عند صدور ديوانه الأول من العقاد وطه حسين معاً ، ويرجع هذا إلى ارتباطه بجماعة أبولو وقد وصف طه حسين شعره بأنه شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه ، وقد أزعجه هذا النقد فسافر إلى لندن وهناك دهمته سيارة عابرة فنقل إلى مستشفى سان جورج وقد عاشت هذه المحنة في أعماقه فترة طويلة حتى توفي في الرابع والعشرين من شهر مارس في عام 1953.
----------------------------
وقد صدرت عن الشاعر إبراهيم ناجي بعد رحيله عدة دراسات مهمة، منها: إبراهيم ناجي للشاعر صالح جودت ، وناجي للدكتورة نعمات أحمد فؤاد ، كما كتبت عنه العديد من الرسائل العلمية بالجامعات المصرية . ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها أم كلثوم ولحنها الموسيقار الراحل رياض السنباطي .
-----------------------------
ومن دواوينه الشعرية : وراء الغمام (1934) ، ليالي القاهرة (1944)، في معبد الليل (1948) ، الطائر الجريح (1953) ، وغيرها . كما صدرت أعماله الشعرية الكاملة في عام 1966 بعد وفاته عن المجلس الأعلى للثقافة

Tuesday, May 01, 2007

حافظ إبراهيم


حافظ إبراهيم "شاعر النيل" ولد في 4 فبراير 1872- ديروط وهو من أبرز الشعراء العرب في العصر الحديث، نال لقب شاعر النيل بعد أن عبر عن مشاكل الشعب، أصدر ديوانا شعريا في ثلاثة أجزاء، عين مديرا لدار الكتب في أخريات حياته وأحيل إلى التقاعد عام 1932،ترجم العديد من القصائد والكتب لشعراء وأدباء الغرب مثل شكسبير وفيكتور هوجو ولقد توفى في 21 يونيو 1932. جمع شعره في ديوان موحداً ، وانتمى هو وأحمد شوقي إلى مدرسة الإحياء وعرف بموقفه ضد المستعمر في حربه ضد اللغة العربية .
---------------------
أثرتَ بنا مِنَ الشَّوقِ القديمِ
أثرتَ بنا مِنَ الشَّوقِ القديمِ وذِكرَى ذلكَ العيشِ الرَّخيمِ

مَلأناها بنا حُسناً فكانت بجِيدٍ الدَّهرِ كالعِقِدِ النَّظِيمِ
وفِتيانٍ مَساميحٍ عليهم جلابيبٌ منَ الذَّوقِ السَّليمِ
لهمْ شيمٌ ألذُّ من الأمانِي وأطربُ منْ معاطاة ِ النَّديمِ
كهمِّكَ في الخَلاعَة ِ والتَّصابِي وإنْ كانوا على خُلُقٍ عَظيمِ
ودعوتهم إلى أنسٍ فوافَوا موافاة َ الكريمِ إلَى الكريمِ

وَجَاءُوا كَالْقَطا وَرَدَتْ نَميراً عَلى ظمَإٍ وهَبُّوا كالنَّسِيمِ

وكانَ اللَّيْلُ يمرحُ في شبابٍ ويَلهُو بالمَجَرَّة ِ والنُّجُومِ
فواصَلنا كُؤوسَ الرّاحِ حتى بَدَتْ للعينِ أنوارُ الصَّريمِ

وأعملنَا بهَا رأيَابنِ هاني فألحِقْنا بأصحابِ الرَّقيمِ
وظَبْيٍ مِنْ بنِي مِصْرٍ غَرِيرٍ شَهِيَّ اللَّفظِ ذي خَدٍّ مَشيمِ
ولّحْظٍ بابليٍّ ذِي انكسارِ كأنَّ بطرفهِ سيما اليتيمِ

سقانَا في مُنادَمَة ٍ حديثاً نَسِينَا عِنْده بِنْتَ الكُرُومِ








سَلامُ اللهِ يا عَهدَ التَّصابي عليكَ وفِتيَة ِ العَهدِ القَديمِ
أحِنُّ لهم ودُونَهُمُ فَلاة ٌ كأنَّ فَسِيحَها صَدرُ الحَليمِ



كأنَ أديمَهَا أحشاءُ صَبٍّ قدْ التهبتْ مِنَ الوجْدِ الأليمِ
كَأنَّ سَرَابَها إِذْ لاَحَ فِيها خِداعٌ لاحَ في وجهِ اللَّئيمِ

وتَمشي السّافياتُ بها حَيارَى إذا نُقِلَ الههجيرُ عن الجحيمِ
فمَن لي أنْ أرى تلك المَغاني ومافيها من الحُسنِ القَديمِ
فما حَظُّ ابنِ داوُدٍ كحَظِّي ولاَ أُوتيتُ مِنْ عِلْمِ العليمِ




ولا أنا مُطلَقٌ كالفِكرِ أسري فاستَبِقُ الضَّواحِكَ في الغُيُومِ

ولكنّي مُقَيَّدَة ٌ رِحَالِي بقَيدِ العُدمِ في وادي الهُمومِ
نَزَحتُ عن الدّيارِ أرُوَّمُ رِزقي وأضرِبُ في المهامِة ِ والتُّخُومِ
وما غادَرتُ في السُودان قَفراً ولم أصبُغ بتُربَتِه أديمي




وهأَنا بين أنيابِ المَنايا وتحت بَراثِنِ الخَطبِ الجَسيمِ
ولولاَ سَوْرَة ٌ للمجدِ عِندي قَنِعْتُ بعيشتِي قَنَعَ الظَّليمِ
أيابْنَ الأكرَمين أباً وجَدّاً ويا بنَ عُضادَة ِ الدِّنِ القَويمِ

أقامَ لدِيننَا أَهلُوكَ رُكْناً له نَسَبٌ إلى رُكنِ الحَطيمِ


فما طافَ العُفاة ُ به وعادُوا بغيرِ العسجدية ِ واللطِيمِ

أتَيْتُكَ والخُطُوبُ تُزِفُّ رَحلِي ولي حالٌ أرقُّ مِنَ السَّديمِ
وقدْ أصْبَحْتُ مِنْ سَعْيِ وكَدحِي على الأرزاقِ كالثَّوبِ الرَّديمِ



فلاَ تُخْلقْ-فُدِيتَ-أديمَ وجَهِي ولا تَقطَعْ مُواصَلَة َ الحَميمِ