recent
أخبار ساخنة

قراءة في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» لمحمد سليمان: مرثية الذات في زمن الشاشات والتصحّر الوجداني

الصفحة الرئيسية

محمد سليمان شاعر مصري.  ديوان لا أحد هنا سيميل عليك.  جوائز معرض القاهرة الدولي للكتاب.  نقد ديوان محمد سليمان.  قصيدة النثر في مصر.  الهيئة المصرية العامة للكتاب.  تحليل قصائد محمد سليمان.  الشعر المصري المعاصر.  الاغتراب في الشعر الحديث.
قراءة في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» لمحمد سليمان: مرثية الذات في زمن الشاشات والتصحّر الوجداني

قراءة في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» لمحمد سليمان: مرثية الذات في زمن الشاشات والتصحّر الوجداني

كتب

يعد ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري القدير محمد سليمان، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، علامة فارقة في مسيرة قصيدة النثر المصرية المعاصرة. ولم يكن فوز هذا العمل بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب محض صدفة، بل جاء تتويجاً لتجربة شعرية ناضجة استطاعت أن تقتنص ملامح الاغتراب الإنساني في أبشع صوره الحديثة.

  • في هذا المقال، نغوص في أعماق الديوان، محللين دلالات العنوان، والصراع بين ثنائية الماضي والحاضر، وكيف تحول الشعر عند محمد سليمان إلى أداة لمقاومة "تنميط" الروح في عصر الأوبئة والشاشات.

قراءة في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» لمحمد سليمان: مرثية الذات في زمن الشاشات والتصحّر الوجداني

دلالات العنوان نبوءة العزلة الكلية

تبدأ رحلة القارئ مع الديوان من عتبة العنوان الصادم: «لا أحد هنا سيميل عليك». إن اختيار فعل "يميل" يحمل حمولات تراثية واجتماعية عميقة في الوجدان العربي؛ فالميل هو السند، وهو التكاتف، وهو الحنان الذي يبحث عنه الإنسان في لحظات انكساره.

  • بيد أن الشاعر يستهل عمله بنفي قاطع. إنها "حكمة الذات" التي وصلت إلى اليقين بعد تجربة مريرة. العنوان هنا ليس مجرد جملة، بل هو حكم نهائي وموقف وجودي؛ فالذات الشاعرة تخاطب نفسها بصيغة المستقبل "سيميل"، مما يحول العزلة من حالة آنية إلى قدر حتمي يصبغ المستقبل بالسواد.

"هنا" وتكثيف الزمان والمكان

تعتبر مفردة "هنا" في العنوان هي المركز الذي تدور حوله المجرات الدلالية للقصائد. "هنا" ليست مجرد إشارة إلى مكان جغرافي، بل هي إشارة إلى "اللحظة الحضارية" الراهنة. إنها الزمان والمكان والظرف الثقافي الذي جعل من التواصل الإنساني أمراً مستحيلاً.

الصراع الوجودي الذات القديمة في مواجهة العالم المتصحر

يتكون الديوان من تسع قصائد، تبني في مجملها معماراً درامياً يصور تحولات الواقع. يبرز محمد سليمان في قصائده كـ"محارب قديم" ينظر إلى العالم الجديد بعين الدهشة والأسى.

النيل كرمز للخصوبة المنسحبة

في قصيدة «كي أذكّر الطيور بي»، يعقد الشاعر مقارنة موجعة بين ذاته وبين "نهر النيل". يقول:

"مثل النيل لم أفز بجائزة.. ومثله غدوت ربما قديماً"

هذا التشبيه ليس عفوياً؛ فالنيل يمثل الاستمرارية، العطاء، والقداسة التاريخية. لكن الشاعر يرى أن "القدم" في هذا العصر أصبح عيباً يؤدي إلى الوحدة. إن اعتراف الشاعر بأنه أصبح "قديماً" هو ذروة المكاشفة الوجدانية؛ فهو يرفض الانخراط في زيف الحداثة المشوهة، ويفضل أن يظل "فارغ اليدين" لكنه محتفظ بعذوبته النيلية.

"وباء الشاشات" نقد الحداثة السائلة

يفرد الشاعر مساحة هامة لنقد التكنولوجيا التي استلبت الإنسان. في قصيدته «بالشاشات التصقوا»، يتحول النقد الأدبي إلى سوسيولوجيا شعرية. يرى سليمان أن الشاشات (الهواتف، التلفزيون، المنصات الرقمية) لم تكن نوافذ للمعرفة، بل أصبحت "جدران سجن" تمنع الهواء عن الأرواح.

  • تشيؤ الإنسان: يصف الشاعر البشر كآليين فقدوا القدرة على "العيش" واكتفوا بـ"الفرجة".

  • استبدال الطبيعة: استخدم الشاعر مفردة "انزرعت" لوصف الشاشات في الساحات والحارات، وهي استعارة مقلوبة؛ فبدلاً من زراعة النخيل والأشجار التي تمنح الحياة، انزرعت الشاشات التي تمتص الأكسجين الروحي وتنفث العزلة.

الثنائيات الضدية في معمار الديوان

يرتكز الديوان على تقابل حاد بين معسكرين دلاليين، يعكسان الصراع بين الفطرة والزيف:

  1. معسكر الجمال (الماضي/ الطبيعة): (الشعر، النيل، العصافير، الحقول، صخب الأطفال، الحارات القديمة، الهواء النقي).

  2. معسكر القبح (الحاضر/ الآلة): (الشاشات، الحروب، الصحراء، الغربان، الأوبئة، الكمامات، القنابل).

هذا التقابل يبرز فكرة "التصحر"؛ فالعالم في نظر محمد سليمان يزحف نحو الجفاف. حتى الهواء، ذلك العنصر المجرد الذي لا لون له، يصفه الشاعر في قصيدة «هواء آخر» بأنه صار "مثل الحجر.. هامداً وثقيلاً وأسود". إنها صورة سريالية تعبر عن الاختناق الكوني الذي يعيشه الإنسان المعاصر.

تجليات "الربيع العربي" والوجع السياسي

لم ينفصل ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» عن السياق العام للمنطقة. في قصيدة «قالت المرايا»، نلمح قراءة شعرية عميقة لمآلات "الربيع العربي". لا يتحدث الشاعر بلغة الشعارات، بل بلغة الفصول؛ حيث يصور كيف سحق صقيع الشتاء وهجير الصيف "براعم الربيع". هنا تتقاطع السياسة مع البيئة لتشكل لوحة من اليأس الوجودي الذي أعقب الأحلام الكبرى.

اللغة والأسلوب بساطة العمق

يستخدم محمد سليمان لغة تتسم بـ"السهل الممتنع". قصائد النثر في هذا الديوان تبتعد عن التعقيد اللغوي المتعمد، وتعتمد على قوة الصورة الشعرية وصدق التجربة.

  • الإيقاع الداخلي: يعتمد الشاعر على تكرار بعض الجمل (مثل جملة العنوان) لخلق حالة من التنويم المغناطيسي الشعري الذي يرسخ فكرة الوحدة.

  • التكثيف: يمتلك الشاعر قدرة فائقة على تلخيص مآسي العصر في سطر واحد، مما يجعل قصائده قابلة للاقتباس والخلود في ذاكرة القارئ.

الخاتمة حين يلمُّ الشاعر طيوره

ينتهي الديوان بمقطع شديد العذوبة والأسى في آن واحد، يعلن فيه الشاعر نوعاً من "الاعتزال الجميل":

"آن لي أن ألمَّ طيوري.. وأن أدع الريح ترتاح في كوخها"

هذا الختام يمثل وصولاً إلى مرحلة التصالح مع الهزيمة. لقد أدرك الشاعر أن "الشعر لم يعد بحراً يسوق الكنوز"، وأن العالم الجديد لا يتسع للجمال القديم.

إن ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» ليس مجرد مجموعة قصائد، بل هو وثيقة إنسانية تدين القبح المعاصر وتنتصر لرفات الذكرى. إنه عمل يدعو القارئ للتأمل في مرآة نفسه، ليسأل: هل ما زلنا بشراً أحياء، أم أصبحنا مجرد انعكاسات باهتة على شاشات صماء؟





author-img
Tamer Nabil Moussa

تعليقات

ليست هناك تعليقات

    google-playkhamsatmostaqltradent