صراع المتخيل والسلطة في رواية "ماء العروس" لخليل صويلح: قراءة في سيمياء الخوف والذاكرة
مقدمة: سحر الحكي وغواية المتخيل
في عالم الأدب المعاصر، لا تعد الرواية مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل هي "لعبة سردية" معقدة تهدف إلى إعادة صياغة الواقع وتفكيك بنية التاريخ. تأتي رواية "ماء العروس" للروائي السوري المبدع خليل صويلح (الصادرة عن منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2025) لتقدم نموذجاً فريداً على قدرة السرد في مخاتلة الواقع ومغالبة السلطة.
- في هذا العمل، يستخدم صويلح أدوات "الحكواتي" الماكر، لا ليروي قصة فحسب، بل لينتزع من التاريخ سطوته، وليمنح اللغة بهاءً يكسر حدة القمع السياسي والاجتماعي. إن "ماء العروس" ليست مجرد نص أدبي، بل هي موقف وجودي من العالم، وبحث مضنٍ عن الخلاص عبر الكتابة.
 |
| صراع المتخيل والسلطة في رواية "ماء العروس" لخليل صويلح: قراءة في سيمياء الخوف والذاكرة |
صراع المتخيل والسلطة في رواية "ماء العروس" لخليل صويلح: قراءة في سيمياء الخوف والذاكرة
1. بنية الرواية عندما ينسحب الحدث من التاريخ إلى الواقع الموازي
تتوزع رواية "ماء العروس" على ثلاثين فصلاً، تخلو من العناوين التقليدية لتشكل بنية إطارية مفتوحة. يعتمد خليل صويلح على تقنية "المكان الموازي"؛ حيث ينقلنا من جغرافيا الصحراء القاسية إلى فضاءات "ديستوبية" يستغرقها العنف.
- البطل الأضحوي، إسماعيل، يمثل محور هذه التغيرات. تبدأ الحكاية من نقطة الصدام الأولى بين الفرد والسلطة، حيث يشهد الابن هزيمة والده المذلة. هذا الحدث ليس عابراً، بل هو "الخطيئة الأولى" التي تؤسس لكل الصراعات النفسية والدرامية اللاحقة في الرواية.
2. ثيمة "السحل" دلالات العنف ورمزية السلطة
يعد مشهد "سحل الأب" بواسطة حبل يجرّه حصان دركي بتهمة "حيازة سلاح غير مرخص" هو الحدث المركزي الذي يبني عليه صويلح ملاحمه السردية.
الدركي كرمز للسلطة: الدركي في الصحراء ليس مجرد موظف حدود، بل هو تجسيد للسلطة الغاشمة التي تهدف إلى كسر "الهيبة" واختراق الخصوصية.
السلاح ككناية سياسية: في بيئة بدوية لا تستقيم الحياة فيها دون سلاح، يصبح تجريم حيازته رمزاً لمحاولة السلطة نزع أدوات المقاومة (سواء كانت سلاحاً مادياً أو فكراً معارضاً).
مشهد السحل: صاغه الروائي كبناء ملحمي يجسد الصراع بين الهامش (البدو/الصحراء) والمركز (السلطة/القمع).
3. الشخصية الروائية إسماعيل وجرح النرجسية
يتحول الابن إسماعيل من مجرد شاهد عيان إلى "مدون" للآلام. إن علاقته بوالده الذي سُحل أمام عينيه تحولت إلى "جرح نرجسي" عميق.
من أجل مواجهة هذا الجرح، يلجأ إسماعيل إلى:
تمثيل سردية الاستعادة: عبر كتابة "مسودات" و"تخطيطات سردية" يحاول من خلالها تغيير مسار الحكاية.
أسطرة الأب: تحويل شخصية الأب من ضحية مسحولة إلى "غائب ميثولوجي"، مما يمنح الغياب بعداً نفسياً يساعد الابن على تحمل واقع الهزيمة.
الكتابة كفعل تطهيري (Catharsis): تصبح المخطوطة السردية التي يكتبها إسماعيل هي "مستودعه" الذي يفرغ فيه كراهيته للسلطة وبحثه عن الذات المستلبة.
4. الفضاء الديستوبي والواقع الموازي
يبرع خليل صويلح في تصوير "الصحراء" ليس كفضاء رومانسي، بل كمكان للضياع والعزلة والقمع. خروج إسماعيل من "المخيم" إلى العالم الخارجي لم يكن هروباً، بل كان سعياً لصناعة "واقع مضاد".
تستخدم الرواية تقانة "الاستعادة" للكشف عن التراجعات النفسية المرتبطة بذاكرة القهر. إن "المكان السوري" في الرواية مشبع برائحة الموت والقلق، مما يدفع الأبطال للبحث عن "نهر الخابور" و"ماء العروس" كرموز للارتواء والخصوبة في مواجهة الجفاف السياسي والإنساني.
5. الثنائيات الضدية إسماعيل وجاسم عطية
يقدم صويلح توازياً ذكياً بين شخصيتين تمثلان ردود الفعل تجاه القمع:
إسماعيل: يمثل الجيل المحكوم بالخوف، الذي يمارس "النكوص" نحو الذات ويبحث عن خلاصه في عزلة الكتابة والميثولوجيا.
جاسم عطية: هو الضد النوعي؛ الشخصية التي ترفض الخوف وتسعى لفهم آليات "القوة الغاشمة". جاسم لا يكتفي بالصمت، بل يحمل الأسئلة الضدية التي تعري زيف السلطة وصناعتها الممنهجة للرعب.
6. الميتاسرد رواية داخل رواية
تتجلى عبقرية صويلح في استخدام "الميتاسرد" (Metafiction)، حيث تصبح الرواية مهتمة بعملية الكتابة ذاتها. إسماعيل يحمل رواية "فساد الأمكنة" (إشارة إلى عمل صبري موسى)، لتكون شفرة دالة على رفض المكان الذي شهد ذل الأب.
- تتحول مسودات إسماعيل، التي يطلق عليها "مستودع الأنقاض"، إلى مرآة تعكس تشظي الذات السورية. الكتابة هنا ليست ترفاً، بل هي محاولة لضبط إيقاع الزمن الذي توقف عند لحظة السحل، وهي الطريقة الوحيدة لمواجهة "قانون الطوارئ" وبيئة الفساد التي تبتلع الجميع.
7. اللغة والسخرية واقعية الفضح
لا يميل صويلح إلى الحكي التقليدي، بل يستخدم لغة مشبعة بالرمزية والسخرية المريرة. يصف أحد المواقف بسخرية لاذعة بأنها تشبه "شاياً بنكهة الزنجبيل والقرفة والتاريخ، كما قد يصفه روائي متحذلق".
هذه السخرية هي أداة دفاعية تهدف إلى:
فضح "الواقعية الفجة" للزيف السياسي.
التخفيف من وطأة الإحساس بالإثم والعجز.
إضفاء صبغة إنسانية على الشخصيات التي تعيش في الهامش والدونية.
8. الخلاص عبر الأسطورة ماء العروس ونهر الخابور
عنوان الرواية "ماء العروس" يحمل دلالات ميثولوجية عميقة. في ظل الجفاف الروحي والمادي الذي تفرضه السلطة، يصبح البحث عن "الماء" بحثاً عن الحياة، عن التطهير، وعن الارتواء الجنسي والوجودي.
الارتباط بنهر الخابور والأسطورة الشامية يعكس رغبة الروائي في إيجاد جذور تتجاوز التاريخ السياسي القريب الملوث بالعنف، والعودة إلى زمن الحكاية "الشهرزادية" حيث يمتلك الحكي القدرة على تأجيل الموت أو إلغائه.
9. خاتمة الرواية كشهادة على عصر القلق
رواية "ماء العروس" لخليل صويلح هي عمل أدبي رفيع يغوص في مكبوتات الإنسان السوري والعربي. إنها رواية سيرة الولد الذي يكره العالم لأن السلطة شوهت ملامح أبيه، ويبحث عن خلاص فردي وجماعي عبر الحبر والورق.
بين المكان الواقعي والمكان الميثولوجي، ينسج صويلح شبكة سردية معقدة تجعل القارئ شريكاً في عملية "تفريغ المكبوت". إنها دعوة للإنصات إلى الأصوات الداخلية التي تخشى الظهور، وإعلان صريح بأن الكتابة هي الفعل الثوري الأخير المتبقي في مواجهة الانكسار.