 |
| فلسفة التمرد الفني: قراءة معمقة في كتاب «جماليات القبح» لهدى حسن |
فلسفة التمرد الفني: قراءة معمقة في كتاب «جماليات القبح» لهدى حسن
مقدمة: تحرير الجمال من قيود التقليد
تعد العلاقة بين الجمال والقبح واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر الفلسفي عبر العصور. فبينما انشغلت الفلسفات الكلاسيكية لقرون بتقديس "الجمال" بوصفه تجلياً للخير والحقيقة، جاء الفكر الحديث والمعاصر ليعيد الاعتبار لـ "القبح"، ليس بوصفه نقيضاً منفراً، بل بوصفه قيمة استاطيقية (جمالية) قادرة على إثارة الدهشة وكسر الجمود. في هذا السياق، يأتي كتاب «جماليات القبح» للباحثة المصرية هدى حسن، الصادر عن دار المحروسة للنشر، ليفتح نافذة جديدة على تاريخ التمرد الفني وفلسفة القبح.
في مؤلفها الأول، تخوض الباحثة هدى حسن، المدرسة المساعدة بقسم الفلسفة في جامعة حلوان، مغامرة فكرية تسعى من خلالها إلى "تحرير الجمال من قيوده التقليدية". تنطلق الدراسة من فرضية جوهرية مفادها أن القبح ليس عدواً للجمال، بل هو "وجهه الآخر" الذي يمنحه العمق والارتباط بالواقع الإنساني المأزوم. الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو محاولة لوضع "مفاتيح معرفية" لفهم كيفية تحول القبيح إلى عنصر مركزي في التجربة الفنية المعاصرة.
الباب الأول: الجذور الفلسفية وتشريح القبح (من روزنكرانتس إلى ستيس)
1. كارل روزنكرانتس مشرح القبح الأول
تبدأ هدى حسن رحلتها من ألمانيا، وتحديداً مع الفيلسوف كارل روزنكرانتس، أحد أبرز أقطاب الجناح اليميني في الهيغلية. تميز روزنكرانتس بدقته البالغة في تقديم أول تشريح منهجي لمفهوم القبيح.
- توضح الباحثة كيف استلهم روزنكرانتس منهجية هيغل (الديالكتيك) ليثبت أن القبح يمثل "اللحظة السلبية" في قلب الجمال. فمن خلال مزيج فريد بين المنهج التجريبي التاريخي والمنهج التجريدي التأملي، استطاع روزنكرانتس أن يثبت أن القبح عنصر ضروري لتطور الفن، فلا يمكن إدراك النور دون الظل، ولا يمكن فهم التناغم دون النشاز.
2. المثالية الإنجليزية بوزانكيت وستيس
تنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى الفلسفة الإنجليزية، حيث تستعرض رؤى برنارد بوزانكيت وولتر ستيس.
بوزانكيت: يرى أن الجمال والقبح يجب دراستهما من خلال "الحياة" ذاتها، معتبراً أن الفن الذي يصور القبح قد يكون أكثر صدقاً وقوة في تعبيره عن التجربة الإنسانية العميقة.
ولتر ستيس: يطرح مفهوماً مغايراً يرتكز على "الخبرة الاستاطيقية". تبرز هدى حسن كيف رفض ستيس "الثالوث القيمي" التقليدي (الحق، الخير، الجمال) ليعيد تعريف الجمال والقبح بناءً على كيفية تفاعل المتلقي مع العمل الفني، فاتحاً الباب أمام قبول القبح كجزء أصيل من المتعة الفنية.
الباب الثاني القبح في عصر الواقع الفائق (جان بودريار)
ينقلنا الكتاب في بابه الثاني إلى تخوم الفلسفة المعاصرة مع المفكر الفرنسي المثيرة للجدل جان بودريار. هنا، تتناول الباحثة مفهوم "القبح الصناعي"، وهو مفهوم يرتبط بآليات الاستهلاك الجماهيري.
الصراع بين الأصل والنسخة
تصف هدى حسن تجربتها مع بودريار بأنها كانت "مرهقة ومراوغة"، نظراً لطبيعة فكره الذي يرفض التعريفات الثابتة. يناقش هذا الجزء من الكتاب كيف أدى عصر "الواقع الفائق" (Hyperreality) إلى طمس الحدود بين الجميل والقبيح.
في عالم بودريار، لم يعد القبح متمثلاً في التشوه العضوي، بل في "التكرار اللانهائي" و"سيادة النسخة على الأصل". القبح الصناعي هنا هو نتاج الميكنة والإنتاج الواسع الذي يفقد الأشياء روحها وتفردها، مما يجعل العالم غارقاً في سيولة من الصور التي لا تعبر عن حقيقة، بل عن "قبح اصطناعي" مغلف ببريق الاستهلاك.
الباب الثالث تاريخ الوحوش وانتصار القبح (أومبرتو إيكو)
تختتم الباحثة دراستها بمواجهة فكرية مع الفيلسوف والروائي الإيطالي الراحل أومبرتو إيكو. يعد هذا الباب الأكثر إثارة، حيث يستعرض تاريخ "الوحوش" وكيف تم تجسيد الشيطان في المخيلة الغربية.
1. فتنة الوحوش وعجائب المخلوقات
تشير المؤلفة إلى ولع إيكو الدائم بالوحوش والغرائب، وكيف جمع في مكتبته مؤلفات نادرة عن "عجائب المخلوقات". القبح عند إيكو ليس مجرد غياب للجمال، بل هو بنية ثقافية وتاريخية تطورت عبر العصور.
2. التشريح الطولي لتاريخ القبح
من خلال تحليل الأعمال الفنية عبر التاريخ، يرى إيكو (كما تورد الباحثة) أننا نعيش حالياً في "عصر انتصار القبح". فبينما كانت الحضارات القديمة تحاول تهميش القبح أو حصره في دائرة "الشر"، صار الفن المعاصر يحتفي به ويجعله بطلاً للمشهد. تستعرض هدى حسن كيف تتبع إيكو تطور صورة الشيطان والساحرات والكائنات المشوهة، ليثبت أن "جماليات القبح" أصبحت لغة العصر الحديث بامتياز.
لماذا يعد كتاب «جماليات القبح» إضافة هامة للمكتبة العربية؟
سد ثغرة معرفية: تفتقر المكتبة العربية إلى الدراسات المتخصصة في "فلسفة القبح" بشكل مستقل، وغالباً ما يتم تناولها كفرع ثانوي من فلسفة الجمال.
المنهجية الرصينة: نجحت هدى حسن في الربط بين الفلسفة المثالية الكلاسيكية وبين ما بعد الحداثة، مما يعطي القارئ رؤية بانورامية لتطور المفهوم.
لغة فلسفية ميسرة: رغم دقة الموضوع وعمق الفلاسفة المتناولين (مثل بودريار وروزنكرانتس)، إلا أن الكاتبة استطاعت تقديم أفكارهم بلغة تحليلية رشيقة تناسب المختص والقارئ المثقف على حد سواء.
المفتاح المعرفي: ميزة الكتاب الكبرى هي محاولة الباحثة وضع "مفتاح" لكل فيلسوف، مما يسهل على القارئ الدخول إلى عوالم فلسفية معقدة.
الخاتمة القبح كفعل حرية
إن كتاب «جماليات القبح» لهدى حسن ليس دعوة لتمجيد البشاعة، بل هو دعوة لفهم "التمرد الفني" في أسمى صوره. إنه يخبرنا أن الفن الحقيقي هو الذي يجرؤ على النظر في وجه القبح ليصيغ منه معنى، وأن الجمال الحقيقي قد يكمن في تلك "الوحوش" التي نخشاها، لأنها تعبر عن صدق التجربة الإنسانية بعيداً عن أقنعة التجميل الزائفة.
- هذا الكتاب هو صرخة فلسفية تذكرنا بأن "القبح ليس عدواً للجمال، بل هو وجهه الآخر الذي يمنحه معنى أعمق"، وهو بلا شك بداية واعدة لباحثة تمتلك أدواتها النقدية بتمكن.