recent
أخبار ساخنة

مراجعة المجموعة القصصية «جامع العملات القديمة»: تشريح لواقع يترنح بين السخرية والوجع

الصفحة الرئيسية

 

مراجعة المجموعة القصصية «جامع العملات القديمة»: تشريح لواقع يترنح بين السخرية والوجع

صدر حديثا


تعد القصة القصيرة في مصر والعالم العربي أحد أصعب الفنون الأدبية، فهي تتطلب تكثيفاً شديداً وقدرة فائقة على التقاط "اللحظة" وتحويلها إلى عالم كامل. وفي مجموعته القصصية الجديدة «جامع العملات القديمة» الصادرة عن دار «بتانة» للنشر والتوزيع، يقدم الكاتب المبدع شريف عبد المجيد درساً في كيفية تطويع هذا الفن لخدمة قضايا الإنسان المعاصر.

  • بخبرة تمتد لأكثر من 25 عاماً، يطل علينا عبد المجيد بنصوصه التي تمزج بين "السخرية السوداء" و"الوجع الإنساني"، مؤكداً مكانته كواحد من أبرز كتاب القصة الذين يمتلكون "عيناً فوتوغرافية" قادرة على رصد الشقوق في جدار الواقع.
•	شريف عبد المجيد جامع العملات القديمة •	قصص قصيرة مصرية حديثة •	دار بتانة للنشر •	نقد أدبي قصصي •	السخرية السوداء في الأدب •	أفضل المجموعات القصصية 2024 •	تحليل شخصيات شريف عبد المجيد
مراجعة المجموعة القصصية «جامع العملات القديمة»: تشريح لواقع يترنح بين السخرية والوجع

مراجعة المجموعة القصصية «جامع العملات القديمة»: تشريح لواقع يترنح بين السخرية والوجع


سيمياء العنوان «جامع العملات القديمة» ودلالة الاندثار

يبدأ التلقي من العنوان؛ فـ "جامع العملات القديمة" ليس مجرد هاوٍ للأنتيكات، بل هو رمز للإنسان الذي يتشبث بقيم أو ذكريات أو "عملات" معنوية لم يعد لها صرف في سوق الواقع الحديث. العنوان يشي بنوع من الاغتراب، حيث تبدو الشخصيات وكأنها تعيش في زمن، والعالم من حولها يتحرك في زمن آخر، مما يخلق تلك المفارقة التي يعزف عليها الكاتب طوال نصوص المجموعة.

شريف عبد المجيد: رحلة ربع قرن من الإبداع السردي

لا يمكن قراءة «جامع العملات القديمة» بمعزل عن تاريخ شريف عبد المجيد الأدبي. فقد راكم الكاتب تجربة لافتة عبر أعمال سابقة مثل:

  • ·         «خدمات ما بعد البيع»
  • ·         «تاكسي أبيض»
  • ·         «صولو الخليفة»
  • ·         «بالحجم العائلي»
  • ·         «جريمة كاملة»

هذا التراكم المعرفي والفني جعل من مجموعته الجديدة نقطة انطلاق نحو نضج سردي أكبر، حيث تتحول اللغة من مجرد أداة للحكي إلى أداة للتشريح الاجتماعي والنفسي.

المفارقة الدرامية التقاط المتناقضات من ركام الواقع

يتميز السرد عند شريف عبد المجيد بـ "العين الصائدة". إنه لا يبحث عن الغرائب، بل يستخرج الغرابة من قلب المألوف. نجد في المجموعة صراعاً خفياً ومعلناً بين:

1.      الشعارات والمبادئ: تلك التي ترفعها المؤسسات أو يتمسك بها الأفراد.

2.      الواقع الفعلي: الذي يتسم بالانتهازية، القسوة، والانهيار الأخلاقي.

من خلال حكايات مثل "ساحر قديم متقاعد" أو "موظفة في بنك شهير"، يضعنا الكاتب أمام مرآة كاشفة؛ فالمجتمع الذي يدعي المثالية هو نفسه الذي يطحن أفراده في تروس البيروقراطية أو الإحباط النفسي.

تراجيديا المصائر البحث عن مكان تحت الشمس

واحدة من أبرز سمات «جامع العملات القديمة» هي "النهايات المأساوية". الشخصيات في عالم عبد المجيد ليست شريرة بالضرورة، بل هي شخصيات "شريفة" تحاول النجاح بكرامة. لكن الكاتب يرفض تقديم النهايات الوردية الزائفة، بل يواجه القارئ بحقيقة صادمة:

·         العبقري: ينتهي به المطاف في مصحة نفسية، وكأن العقل في مجتمع غير عاقل هو "تهمة" تستوجب العزل.

·         الفنانة التشكيلية: التي تسعى للفن الخالص، تجد نفسها متورطة في جريمة قتل، في إشارة إلى أن القبح يلاحق الجمال حتى في أكثر زواياه عزلة.

·         الباحثة عن التحقق: التي تهرب من فشلها الشخصي إلى العمل، لتجد نفسها محاصرة بإعلانات المقابر، وكأن الموت هو الونيس الوحيد المتاح.

هذه المصائر الموجعة تعكس رؤية وجودية ترى في العالم مكاناً يسرق من الإنسان حقه في الحياة الكريمة، ويحيل أحلامه إلى "عملات قديمة" لا قيمة لها.

اللغة والتقنية عندما تلتقي السينما بالقصة القصيرة

لا يكتب شريف عبد المجيد نصه من برج عاجي، بل يستلهم أدواته من فنون بصرية متعددة كالمسرح، السيناريو، والتصوير الفوتوغرافي. وهذا ما يجعل نصوصه تتسم بـ:

1.      المشهدية: تشعر وأنت تقرأ أنك أمام "كادرات" سينمائية مدروسة بعناية.

2.      الحوار السريع: حوارات مقتضبة، دالة، تبتعد عن الثرثرة وتدفع بالحدث نحو الذروة.

3.      التكثيف والتقشف: لغة "نحيفة" بلا دهون بلاغية، تعتمد على الوصف المركز الذي يصيب الهدف مباشرة.

4.      عنصر المفاجأة: نهايات تضرب توقعات القارئ، مما يحفزه على إعادة قراءة النص لاكتشاف المفاتيح التي فاتته.

تحليل نصي استنطاق "هذيان" الحقيقة من داخل المصحة

في المقطع المقتبس من المجموعة، نجد بطلاً يتحدث من داخل مصحة نفسية. هذا النص يختزل فلسفة المجموعة كاملة:

"أعرف أن هناك من يراقبني... ميكروفونات تسجل كل كلمة... وكاميرات تنقل كل همسة".

هذه الـ "بارانويا" ليست مجرد مرض نفسي، بل هي استعارة لحالة الرقابة المجتمعية والسياسية التي تلاحق الفرد. ثم تأتي رمزية "شجرة الأكاسيا" بزهورها الصفراء التي تزهر في بيئة طاردة؛ لتعبر عن صمود الإنسان/المبدع رغم التجاهل.

  1. يقلب الكاتب الآية في هذا النص؛ فالمجرمون والقتلة يمرحون في الخارج، بينما صاحب الفكر محاصر في الداخل. يطرح النص سؤالاً جوهرياً: من هو المجنون الحقيقي؟ هل هو من يواصل أبحاثه لتغيير العالم رغم العزلة، أم هم أولئك الذين يركضون في الشوارع خلف المال والشهرة بلا هدف؟

لماذا يجب أن تقرأ «جامع العملات القديمة»؟

تعتبر هذه المجموعة صرخة هادئة في وجه القبح. إنها كتابة تنتصر للإنسان المهزوم، وتكشف زيف الواقع بأسلوب أدبي رفيع. شريف عبد المجيد لا يقدم حلولاً، بل يضع يد القارئ على "الوجع" ببراعة جراح وفنان.

الخلاصة:
إن «جامع العملات القديمة» هي أكثر من مجرد مجموعة قصصية؛ إنها وثيقة إنسانية مكتوبة بلغة بصرية حديثة، تعيد الاعتبار لفن القصة القصيرة كأداة للمقاومة الفكرية والجمالية. إذا كنت تبحث عن عمل يجمع بين المتعة السردية والعمق الفلسفي، فإن هذه المجموعة هي خيارك الأمثل.




author-img
Tamer Nabil Moussa

تعليقات

ليست هناك تعليقات

    google-playkhamsatmostaqltradent