## القواميس: بنك اللغة وجسر تواصل الحضارات – رحلة عبر الزمن في صناعة المعاجم
في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات وتتداخل الثقافات
تظل اللغة هي الركيزة الأساسية للتواصل وحفظ الهوية. وفي قلب
هذه اللغة تكمن القواميس، تلك المستودعات المعرفية التي لا تقتصر وظيفتها على
تفسير الكلمات فحسب، بل تمتد لتكون بنوكاً للغة، وجسوراً تعبر بها الشعوب والحضارات
الزمن وتتواصل فيما بينها. مؤخراً، أثرت الدكتورة المغربية ربيعة العربي المكتبة
العربية بكتابها القيم "القاموسية: النشأة والتطور"، الصادر عن مركز
أبوظبي للغة العربية، ليقدم لنا رحلة معرفية عميقة في عالم صناعة المعاجم، مسلطاً
الضوء على أهمية القواميس ودورها المحوري في الحفاظ على الموروث اللغوي والثقافي.
| ## القواميس: بنك اللغة وجسر تواصل الحضارات – رحلة عبر الزمن في صناعة المعاجم |
القاموس والمعجم فك الاشتباك الاصطلاحي
يُعدّ أحد أهم المحاور التي يتناولها
الكتاب هو التفريق بين مصطلحي "القاموس" و"المعجم"، وهما
مصطلحان غالباً ما يُستخدمان بالتبادل، على الرغم من وجود فوارق دقيقة بينهما. يشير
الكتاب إلى أن القاموس يميل إلى كونه أشمل وأوسع، حيث قد يتضمن بالإضافة إلى
تعريفات الكلمات، معلومات حول أصلها، استخداماتها، مرادفاتها، ومتضاداتها، وقد
يشمل أيضاً مصطلحات خاصة بمجالات علمية أو فنية محددة. أما المعجم، فيُعرف بكونه
أكثر تخصصاً، ويهتم بدراسة المفردات وتحليلها من حيث المادة والقيمة والأصل، وهو
فرع من اللسانيات يُعرف بـ "المعجمية". هذا التمييز يسهم في فهم أعمق
للوظائف المتعددة لهذه المراجع اللغوية ودور كل منها في إثراء المعرفة.
القاموسية من النشأة إلى التطور في الحضارات القديمة
لم تكن صناعة القواميس وليدة العصر
الحديث، بل تمتد جذورها عميقاً في تاريخ الحضارات الإنسانية. يخصص الفصل الثاني من
كتاب الدكتورة ربيعة العربي لتتبع هذا المسار التاريخي في الحضارات القديمة،
كاشفاً عن البدايات الأولى التي كانت عبارة عن قوائم محدودة من الكلمات، شكلت
البذرة التي نما منها صرح القواميس الضخم. هذه البدايات المشتركة في مختلف
الثقافات، وإن اختلفت في الزمان والمكان، تدل على حاجة إنسانية فطرية لتوثيق اللغة
وحفظها.
كانت الدوافع وراء هذه الصناعة متعددة
تتراوح بين الغايات الدينية، حيث سعت الحضارات إلى شرح نصوصها المقدسة،
والغايات الفلسفية والأدبية، بهدف فهم أعمق للمفاهيم والشعر. وقد اعتمدت هذه
الصناعات القاموسية المبكرة على معيارين أساسيين: معيار الكم، الذي سعى إلى جمع
جميع ألفاظ اللغة، ومعيار الكيف، الذي ركز على تنقية اللغة واختيار الألفاظ
الفصيحة والراقية.
رحلة القواميس عبر الحضارات الصين، الهند، فارس
يتعمق الكتاب في استعراض تجارب
حضارات محددة في صناعة القواميس، مقدمًا أمثلة حية على هذا التطور:
* **القواميس الصينية:** تُعتبر الحضارة الصينية من أقدم الحضارات
التي عرفت القواميس، حيث يعود تاريخ أقدم قاموس صيني، "إريا"، إلى 200 ق.م.
وقد شكل هذا القاموس النواة المركزية للقاموسية الصينية، وتلاه ظهور العديد من
القواميس الأخرى التي أسهمت في توثيق اللغة الصينية. ومع انتشار المسيحية في القرن
السادس عشر، شهدت الصين ظهور القواميس الثنائية اللغة التي جمعت بين الصينية ولغات
أخرى كالإنجليزية واللاتينية والهندية، مما وسع نطاق تأثير اللغة الصينية وأدى إلى
الاعتراف بالقاموسية كمجال أكاديمي مستقل.
* **القواميس الهندية:** تعود أصول القواميس الهندية إلى أكثر من
ألفي عام، وكان الدافع الديني هو المحرك الأساسي لنشأتها. ارتبطت القاموسية
الهندية بالكتاب المقدس "الفيدا"، حيث بدأت على شكل قوائم تشرح الألفاظ
الصعبة فيه. وتميزت القواميس الهندية بترتيب الكلمات وفق معانيها وحقولها المعرفية
كالفلك والرياضيات والطب، بدلاً من الترتيب الألفبائي.
* **القواميس الفارسية:** تُعد "قاموس لغة الفرس" لأبي
منصور السعدي من أهم القواميس الفارسية القديمة. وقد تميز هذا القاموس بترتيب
المداخل تبعاً للحرف الأخير لمساعدة الشعراء في إيجاد القافية المناسبة، مع تقديم
شواهد شعرية. مرت القاموسية الفارسية بعدة مراحل، من التركيز على الشعر الفارسي في
مرحلة ما قبل العهد المغولي، إلى جمع المفردات الصعبة في شعر معين خلال العهد
المغولي، وصولاً إلى ظهور القواميس الثنائية التي جمعت بين الفارسية والعربية في
العهد الجديد.
القاموسية العربية الريادة والتأثير
يُخصص الفصل الثالث من الكتاب
للقاموسية العربية والعبرية، مسلطاً الضوء على الريادة العربية في هذا المجال. بدأ
الاهتمام بالصناعة القاموسية العربية في القرن الأول الهجري، وكان الدافع الديني
هو المحدد لنشأتها، حيث كان التركيز على "غريب القرآن" هو البذرة الأولى
لجمع الألفاظ الغريبة وتدقيق دلالاتها، مع الاستشهاد بالشعر الجاهلي لتأكيد
فصاحتها. ويُرجح أن أول كتاب صنف في غريب القرآن كان لعبد الله بن عباس أو لأبي
سعد أبان بن تغلب.
مرت الصناعة القاموسية العربية بثلاث
مراحل رئيسية:
1. **جمع الكلمات في مسارد:** وهي قوائم غير مرتبة من الكلمات.
2. **جمع الكلمات تبعاً للموضوعات:** حيث كانت الكلمات تُصنف حسب
مجالاتها الدلالية.
3. **جمع الكلمات تبعاً لترتيب مخصوص:** وهي المرحلة التي شهدت ظهور
أنظمة ترتيب أكثر منهجية بهدف تبويب ألفاظ اللغة العربية.
وقد شهد القرن الثامن عشر ظهور القواميس العربية الحديثة، مثل "المعجم الوسيط" و"قاموس الغني الزاهر" لعبد الغني أبو العزم، التي عكست تطوراً كبيراً في المنهج والشمولية.
التأثير العربي على القاموسية العبرية
يكشف الكتاب عن التأثر الكبير للقواميس
العبرية بالقواميس العربية، خاصة في العصور الوسطى. ففي أوج ازدهار الحضارة
الإسلامية، استغل اليهود اللغة العربية كوسيلة للحفاظ على تراثهم. لم تقتصر
قواميسهم على الكتابة باللغة العربية بحروف عبرية فحسب، بل استشهدوا بالشعر العربي
وأقوال النحاة والفلاسفة العرب، بل وتجاوزوا ذلك إلى الاستشهاد بالقرآن الكريم
والأحاديث النبوية الشريفة، مما يدل على عمق التفاعل الثقافي واللغوي بين
الحضارتين.
### القاموسية الغربية تجاوز التقليد نحو العالمية
يتناول الفصل الرابع "القاموسية
الغربية"، مبيناً كيف تجاوزت الصناعة القاموسية في الغرب دورها التقليدي في
جمع الثروة اللغوية وتصنيفها. فمع التطورات اللغوية والاجتماعية، اتجهت القواميس
الغربية نحو الإسهام في توسيع النطاق الجغرافي للغات، وذلك بالتركيز على الجانب
التعليمي. استهدفت هذه القواميس بشكل أساسي المتعلم الأجنبي، مقدمة له أدوات لتعلم
اللغات وفهم ثقافات أخرى، وبالتالي تحولت القواميس إلى أدوات فعالة للتواصل
العالمي وتبادل المعرفة.
القواميس حافظة الهوية وجسر التواصل
في الختام
يؤكد كتاب الدكتورة ربيعة العربي على أن القواميس ليست مجرد كتب تحتوي على تعريفات للكلمات، بل هي كيانات حية تتطور مع تطور اللغة وتفاعلات الحضارات. إنها حافظة لهوية الشعوب، توثق مفردات اللغة واللهجات وطرق النطق، وتُعد مورداً مهماً من موارد الثقافة.
وفي الوقت نفسه،
هي جسر تواصل بين الشعوب، تمكنهم من فهم بعضهم البعض، وتبادل المعارف، وبناء
علاقات قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل. إن دراسة القاموسية، كما يقدمها هذا
الكتاب القيم، ليست مجرد استعراض تاريخي، بل هي دعوة للتفكير في أهمية اللغة
ودورها المحوري في تشكيل عالمنا.