أبو فراس الحمداني: فارساً وشاعراً
مقدمة
كان أبو فراس الحمداني أميراً عربياً من بلاد الشام، اشتهر بمهاراته الفروسية التي لم يُشق لها غبار، وبعبقريته الشعرية التي لامست ذروة البلاغة والجمال.
امتاز شعره بالجزالة والسهولة والحلاوة والفخامة، وظهرت هذه الصفات بوضوح في أشهر قصائده، وهي "روميّاته"، التي تُعتبر شاهداً على فصاحته ومقدرته على التعبير عن مشاعر الألم والحنين.
كان أبو فراس ابن عم سيف الدولة الحمداني، الذي أحبه كثيراً. شارك أبو
فراس سيف الدولة في العديد من المعارك، وولاه سيف الدولة الحكم على منبج وحران،
وهما مدينتان سوريتان تقعان بين حلب ونهر الفرات
![]() |
أبو فراس الحمداني: فارساً وشاعراً
.
نسب ونشأة أبو فراس الحمداني
هو الحارث بن سعيد بن حمدان، وتعود أصوله إلى قبيلة تغلب. ولد في مدينة الموصل بالعراق في زمن الخلافة العباسية عام 320 هـ (932 م) أو 321 هـ (933 م) حسب بعض المصادر. كان والده أميراً من أمراء بني حمدان، بينما كانت أمه رومانية يقال إنها كانت سبيّة حرب.
قتل أبوه عندما كان أبو فراس في عمر ثلاث سنوات، فعاش يتيماً وربته أمه بمساعدة ابن عمه سيف الدولة الحمداني، الذي كان في تلك الفترة حاكماً على بلاد الشام.
نشأ أبو فراس وترعرع في كنف سيف الدولة، الذي أولاه عناية ورعاية خاصة. شّب فارساً شجاعاً، يتمتع ببنية قوية وقامة طويلة، وكان يبدو عليه دلائل القوة.
كان خلوقاً وذكياً، ويفخر بنفسه وشجاعته وقدرته على هزم أعدائه في المعارك
.
شعر أبو فراس الحمداني
تنوعت الأغراض الشعرية في شعر أبو فراس الحمداني، فكتب في الرثاء شعراً امتاز بعدم المبالغة في التفجع.
ركز على ذكر الحكم في الحياة والموت للتخفيف عن صاحب المصيبة.
كتب أيضاً في الغزل شعراً امتاز بصدق المشاعر وحرارة العاطفة، لكنّه لم يخرج في غزله عن نهج سابقيه من شعراء الجاهلية من حيث الوقوف على الأطلال والتشبيهات.
أما شعره في الفخر، فقد جاء متأثراً بمكانته وبرفعة نسبه، فافتخر بنفسه وبعشيرته.
كتب أبو فراس أيضاً في فترة أسره في بلاد الروم قصائد سُميّت "بالروميات"، التي كانت مليئة بمشاعر الألم والحزن بسبب معاناته في الحبس وسلبه لحريته.
بثّ من خلالها حنينه وشوقه لوالدته، وعتبه على سيف الدولة الحمداني بسبب
تأخره في تخليصه من سجنه عن طريق الفدية
.
أغراض شعر أبو فراس الحمداني
روميّات أبو فراس
تُعتبر "روميات أبو فراس الحمداني" من أفضل أشعاره، لما فيها من صدقٍ للعاطفة، وضوح للألم، لا سيما في أشعاره الموجهة إلى أمه التي امتازت بأسلوبٍ يمتزج بعواطف الشوق والحنين.
الألم هو مصدر روميات الأمير الشاعر، وهو ما أكسبها صبغة جمالية فريدة وبعداً نفسياً عميقاً.
جعلها تُنوّع نزعاته النفسية من فخر وحنين إلى مناجاة وصبر وأنين.
سجل أبو فراس في رومياته معاناته وعذابات نفسه خلال فترة حبسه.
صور فيها حالة أسره ونفسيته المنكسرة، وقدرته على التصبر وقوة إيمانه بالله.
ظهر جلياً في "الروميات" فتور همته الحربية، فقد كان همه الوحيد هو الخلاص من سجنه المظلم، والتحرر من أسره والعودة إلى الديار ولقيا الأحباب.
لهذا اتسمت قصائد "الروميات" بالرقة والسلاسة وببعدها عن التكلف
والتصنع
.
الرثاء
لم يرْثِ أبو فراس إلا بعض ذويه كأمه وأخته وابن أخته، وبعض أقاربه مثل ابن عمه وأخت سيف الدولة وبعض أصدقائه المقرّبين.
بلغ عدد أبيات شعره في الرثاء تسعين بيتاً.
كان أكثر رثائه لأمه، وذلك واضحاً في صدق العاطفة وقوتها.
فمثلاً يقول:
"أيا أمَّ الأسيرِ سقاكِ غيثٌ
بكُرْهٍ مِنْكِ مَا لَقِيَ الأسِيرُ
أيا أمَّ الأسيرِ سقاكِ غيثٌ
إلى منْ بالفدا يأتي البشيرُ
إذا ابنكِ سارَ في برٍ وبحرٍ
فمنْ يدعو لهُ أو يستجيرُ"
العتاب
امتلأ شعر أبو فراس الحمداني بالعتاب، وخاصة العتاب الموجه لابن عمه سيف الدولة، الذي كان أمله في خلاصه من حبسه.
فلما رآه قد لاذ بالصمت عن مأساته ومعاناته، وتَأَخر في افتدائه، زاد من عتابه له.
كان عتابه ممزوجاً بالاعتزاز بالنفس، والحب والوفاء والتقدير لسيف الدولة.
هو يعاتبه وهو غير مقتنع بحجته، لكنّه يسكت احتراماً له.
هذه الأبيات هي صورة جميلة لهذا العتاب الراقي والتي قال فيها:
"أيا عاتبًا لا أحمل الدهر عتبه
علي ولا عندي لأنْعُمه جحدُ
سأسكت إجلالًا لعلمك أنني
إذا لم تكن خصمي لي الحجج اللدُ"
ديوان أبي فراس الحمداني
لم يكن أبو فراس يعتني بشعره فينقحه أو يجمعه.
كان يلقيه إلى أستاذه ابن خالويه ويطلب منه عدم نشره
.
عمل ابن خالويه على جمعه.
كانت روايته هي الرواية الوحيدة التي أخذ عنها علماء العرب أمثال التنوخيّ، والثعالبيّ، والحصريّ وغيرهم.
وقد انتشرت مخطوطات ديوانه في مكتبات العالم الكبرى في أوروبا وأفريقيا وآسيا.
كان علماء المستشرقين هم أول من حاول نشر ديوان أبي فراس معتمدين في ذلك على بعض النسخ الموجودة في مكتبات بلادهم.
لكنّ محاولاتهم هذه باءت بالفشل.
وظلت عبارة عن مخطوطات موجودة في بعض المكتبات العامة
.
من هؤلاء العلماء أهلورد، وكرومر، وتوربكة وغيرهم.
صدرت عدة طبعات لديوان أبي فراس لكنها كلها مليئة بالأخطاء.
ظهرت أول طبعة من هذه الطبعات عام 1873 م في بيروت.
وحاول المستشرق (هاينريش توربكة) تنقيحها وشرحها لكنه لم يُتم ذلك، فظلت محاولته مجرد مخطوطة.
في عام 1900 م ظهرت طبعة أخرى للديوان وطبعة في عام 1910 م في بيروت، وكانتا مثل سابقاتهما مليئتا بالأخطاء.
في عام 1944 م ظهرت طبعة محققة على يد سامي الدهان، الذي اعتمد في تحقيقها وتدقيقها على عشرات المخطوطات والكتب الأدبية.
جاءت طبعة مميزة ونادرة، لكنها تفتقر إلى شرح الأبيات والمفردات الصعبة.
ثمّ ظهرت بعد ذلك العديد من الطبعات إلا أنّها جميعها لم ترقى إلى مستوى
تلك الطبعة من حيث التحقق
.
علاقة أبو فراس بسيف الدولة
لم يكن لليتم أثرٌ في حياة أبو فراس الحمداني، فقد عوضه الله بوالدته التي ساعدته على صعود درجات المجد، مذللةً كل العقبات التي قد تعترضه في أثناء صعوده.
وقد ساعدها على ذلك ذكاؤه وشخصيته التي اكتسبت الخصال الحميدة من عائلته العريقة.
كما أعانها ابن عمه وزوج أخته سيف الدولة، الذي أخذ على عاتقه تجهيزه ليصبح فارساً شجاعاً.
كان سيف الدولة يستبشر بأبو فراس خيراً، وكان معجباً بمناقبه.
حين استولى سيف الدولة على حلب، اصطحب معه أبو فراس وأسرته.
أحضر له المعلمين الذين علموه كافة العلوم الفكرية والأدبية.
قضى أبو فراس معظم سنين حياته في حلب، التي امتازت آنذاك ببيئتها الراقية التي لم يكن لها مثيل بين بيئات العالم الإسلامي في تلك الفترة، لا سيما في مجالات الفكر والأدب.
وكان هذا بفضل سيف الدولة الحمداني، الذي كان محباً للأدب والفكر
.
اشتهر بلاطه في حلب بالحشد الكبير من العلماء والأدباء الذين أقاموا في كنفه وتحت رعايته.
وقد ذكر الثعالبيّ هذا الأمرعند حديثه عن سيف الدولة الحمداني فقال: (وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومهبط الرجال، وموسم الأدباء وحلية الشعراء).
ويقال: (إنّه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ).
كان لهذه الحياة التي عاشها أبو فراس في ظل سيف الدولة وقربه منه الأثر الكبير في حياته، لما تمتع به ذلك الرجل من صفات نبيلةٍ، فقد كان شجاعاً كريماً مهيوب الجانب، يمتلك القدرة على اصطفاء الرجال ووضعهم في مكانهم المناسب.
لم يخطئ سيف الدولة في تقدير مواهب أبو فراس، فصنع منه شخصية فذة، كان لها دور كبير في حياة الدولة الحمدانية السياسية.
كان أبو فراس أيضاً شاعراً ترك إرثاً أدبياً عظيم
.
وفاة أبو فراس الحمداني
توفي الفارس أبو فراس الحمداني، الذي عاش حياته مقاتلاً وأسيراً، سنة (356 هـ -966 م)، أي بعد عامٍ واحد من خروجه من سجنه.
ترجّل عن صهوة جواده وهو في ريعان شبابه، حيث كان عمره سبعة وثلاثين عاماً.
وقد قدر له أن يموت في ميدان المعركة، إذ تقول الرواية أنّه حين أراد الاستيلاء على مدينة حمص، وقع
معركة بينه وبين أعدائه، فسقط فيها قتيلا
ً.
خاتمة
كان أبو فراس الحمداني نموذجاً فريداً للفارس الشجاع والشاعر الموهوب.
ترك إرثاً أدبياً غنياً، يشهد على عبقريته الشعرية، ويكشف عن عمق مشاعره، وتنوع مواهبه.
أضافت "الروميات" إلى شعره بعداً جديداً، تعكس معاناته في الأسر وتُظهر قدرته على التعبير عن الألم والحنين.
ستظل قصائده شاهداً على إبداعه، وسيُذكر أبو فراس
الحمداني كواحد من أهم شعراء العصر العباسي، والذي ترك بصمة واضحة في تاريخ الأدب
العربي
