Wednesday, June 22, 2011

"بيوت بيضاء"


تستلهم الرواية الأولى الصادرة للأديبة المصرية هدى توفيق من أحداث غربتها في عمان، والتي اصطدمت فيها بأوجاع الصداقة وفراق المحبين والموت أيضا .. وقد عادت لتروي ما شاهدته .

المؤلفة أصدرت قبل رواية "بيوت بيضاء" أربع مجموعات قصصية الأولى بعنوان "أن تصير رجلاً"، "عن عاقر وأحول"، "كهف البطء" و"مذاق الدهشة".

تحدثت المؤلفة لـ"محيط" عن روايتها التي استغرقت عامين ونصف، مؤكدة أن الأبطال تعاملت معهم في الغربة، لكن الرواية مدعومة بشخصيات من نسج خيالها ومنهم "أم بدر".

أما أول قراء الرواية فكان د. عبدالمنعم تليمة، الناقد الأدبي المعروف، والذي أرشدها كثيرا حتى لا تكون كتاباتها مفككة أمام القاريء .

الرواية تعبر عن أن الغربة لا ترتبط بمكان، فقد أعيش في وطني وأشعر بالغربة أيضا، وفي عمان نشاهد أبطال الرواية يشعرون بالغربة النفسية ومنهم أم بدر وفاطمة البلوشية، وتطرقت الرواية كما تقول مؤلفتها عن مشكلات المرأة والرجل في المجتمع العربي .

وترى الكاتبة أن الحزن الطاغي على روايتها سببه أوضاع مصر وميراثها ، معتبرة أن الحزن طابع الشعوب المتخلفة بوجه عام ، فنراه يغلف أدب إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكنه يجعل الأدب أكثر نجاحاً لأنه يقترب ويحكي عن آلام البشر.

ورغم ظهور الرواية إلى النور بعد ثورة 25 يناير، إلا أن توفيق تقول أنها رصدت الفساد في روايتها بشكل إخباري، كما رصدت مؤشرات ما قبل الثورة وتعامل جهاز الشرطة العنيف مع المواطنين، ولكن الواقع أسوأ كما تقول .

إمرأة مدانة

تبدأ الرواية بالحديث عن صديقة البطلة المفضلة، وهي امرأة لم تتزوج بعد رغم اقترابها من سن الأربعين، قابلتها البطلة بعد رحلة عودتها من عمان التي سافرت إليها للعمل كمدرسة، وتقترب الرواية أكثر من حياة بطلتها لنعرف أن فاطمة البطلة عاقر بلا أولاد، طلقها زوجها ليتزوج بأخرى لتنجب له لكنه رحل عن الدنيا في يوم زفافه!.

تقول البطلة عن علاقتها بصديقتها: "..رغم أي اختلاف بيننا فكلتانا يشعر بالوحدة، وحدة الروح والجسد، وكلتانا يجمع صفة المرأة عاثرة الحظ، المدانة بالفشل والنقص، لأنها لا تحمل بطاقة المرور في مجتمعنا، فهي عانس وأنا مطلقة وأرملة".

تحكي البطلة عن ممارسات الشرطة العنيفة بحق صديقتها، فقد ألح الضابط عادل شوقي على صديقتها للتعارف عليها مدفوعاً بإحساس التباهي وهو يحاول اصطياد تلك الفتاة العانس وبعد أن صدته لفق لها قضية ودخلت على إثرها السجن .

تعلّق البطلة: تلجأ البطلة للبوح على الورق لتعبر عن رحلتها إلى عمان مخاطبة صديقتها في نفسها قائلة: "..لعل تلك الثرثرة تعيد إلى ذاكرتي الأوقات السعيدة لتلك الذكريات الماضية، إلى حين حضورك، فقد كان لي ماض مع بشر هناك بعضهم كانوا أبرياء وعظماء مثلك".




عودة اضطرارية

تبدأ البطلة حكيها عن السفر إلى عمان قائلة: ".. لا أشعر بأي أسى لأنني غادرت مسقط منذ خمس سنوات بعد الحادث الذي ماتت فيه صديقتي القديمة فاطمة البلوشية، التي كنا أنا وهي نتشارك الاسم ذاته، وكان أحباؤنا وأصدقاؤنا العرب والمصريين يطلقون علينا فاطمة المصرية وفاطمة البلوشية للتمييز بيننا، حين علمت بوفاتها إثر حادث أليم قبل زفافها بأيام، عرفت أنني لن أستطع أن استمر في العيش هناك بدون فاطمة، رغم محاولات الأصدقاء لإقناعي بالبقاء، حينها قررت أن أقطع صلاتي بكل شئ، وأن اطرح عني كل ما له علاقة بحياتي السابقة، وأعود إلى مدينتي الصغيرة".

كما تحكي البطلة عن ظروف سفرها بعد أن طلقها زوجها لعدم إنجابها، أنه كان هروباً من واقع لا أريد أن أحياه، وتقول: "..الحق أن هذه المصائب الثلاث وهي عدم إنجابي وطلاقي وموت زوجي، تجعلني سعيدة على نحو من الأنحاء فلقد اختفى الآن وللأبد بعض شهود الإثبات على حياتي المتسربلة بالعار، لن يكون هناك من سيتذكرني في تلك السنوات القادمة المضطربة من حياتي الباقية".

تصل البطلة إلى مسقط وترى بيوتها البيضاء، وتحكي لنا عبر فصول ممتدة عن سكن المعلمات ومن فيهن، والقصص التي تدمي الروح، لنتعرف على عدد من الشخصيات النسائية في الرواية، وقصة كل منهن، وتصفهن البطلة في الرواية، بأن لديهن أكثر من سبب للصمت والعمل والإنشغال بقوة للنسيان، والتركيز بإتقان لتحقيق أفضل كفاءة، وإرضاء الكفيل الذي هو إله على الأرض في تلك اللحظات!.

كانت فاطمة البطلة تقوم كل خميس بتدوين وتفريغ كل ما يستحق اهتمامها ويشغل تفكيرها في مذكراتها "يوميات العباقرة"، لم تكن تستهويها حياة النزق التي تحياها المعلمات الأخريات، فتعلقت بابن احداهن "سيف" الذي أنار حياتها، وكأنه أتى إلى عمان من أجل فاطمة المحرومة من الأمومة لتجد طفلها الذي كانت تتمناه، لكن لأن أيام فاطمة لا تبتسم لها على الدوام سيرحل سيف مع والدته إلى الإمارات تاركاً عمان، وقلباً أحبه.



المؤلفة

فراق جديد

رحلت فاطمة إلى بلدة أخرى في عمان للعمل بمعهد تدريبي للغات والحاسب، تديره سيدة مصرية تعيش بعمان منذ أربعين عاماً ، وقد تجاوزت الآن الستين من عمرها.

تعرفت فاطمة البطلة في المعهد على الأستاذ عبد العزيز العماني التي وقعت في حبه فيما بعد، ومحمد المصري معلم الحاسب الآلي التي رأت مصرعه بعينيها، وأسرة الدكتور عبد الله وهو بهائي وهم جميعهم أصدقاء فاطمة عبد الناصر مديرة المعهد .

تفقد فاطمة البطلة كل من تحبهم بالفراق أو الموت بدء من سيف الطفل، ورحيل فاطمة عبد الناصر بعد مؤامرة أحيكت ضدها لتفقد حضن وملاذ دافئ، ثم محمد المصري الذي تحترمه، وأخيراً عبد العزيز العماني الذي طلب منها عقد قرانهما في مصر لأن القانون العماني يجرم الزواج من أجنبية، ثم السفر سوياً لبعثة إلى لندن، لكن الظروف لم تمكنها من الحصول على جواز سفرها من الكفيل ، ولهذا دفعت حبيبها لأن يتركها ويرحل.

سافرت فاطمة إلى "الرستاق" للعمل في معهد تملكه ابنة الكفيل، وتسكن في بيت كفيلها التي تعرفت على زوجتيه، إحداهن تدعى أم بدر وهي كفيفة، توفى ابنها وهو شاب صغير لكنها تأبى التصديق وتظن أنه سيعود يوماً وتقسم أنه يحدّثها ولم يمت.

وعلى هذه الأسطورة تقول البطلة: ".. لابد أن رينيه ديكارت كان صادقاً حين قال: بالرغم من شكوى الشعراء من الحب، لن تكف البشرية عنه، كما لم تكف الصدف عن حدوثها"، الصدف التي تراها الكاتبة كما تقول على لسان البطلة هي أكثر الأشياء انتشاراً وذيوعاً في العالم.

بعد أن علمت البطلة بموت صديقتها العمانية فاطمة البلوشية، تحولت إلى حجر أصم بارد وفقدت الرغبة في العيش في عمان، ومن ثم اتخذت قرار السفر تقول: " ..وأنا أرتب حقائبي عمني سلام عميق، وقد انقطعت الحكاية وسيحل غد جديد في وطن آخر، كل ما أتلهف عليه الآن هو الرحيل للعودة إلى حضن منزل أمي القديم، وأنام نوماً عميقاً بدون صداع، ولا تقلب في الفراش، ولن أشكو من الفراغ الكئيب الذي كان يجثم على صدري، ويجمد مشاعري كالصنم، ولكن هل سيتحقق هذا في الوطن الأم، أم انه بداية لضياع واغتراب آخر أكبر وأوسع المدى؟".

بقلم/ سميرة سليمان



Saturday, June 18, 2011

النسيان ترياق المحبين!


تفتتح الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي كتابها "نسيان دوت كوم" الصادر عن دار "الآداب" اللبنانية بالحديث عن الكاتب بصفته مرشداً عاطفياً، مقتبسة قول كامي لورانس " بماذا يفيد الأدب إن لم يعلمنا كيف نحب؟.

أما المفاجأة كما تقول فكانت القصيدة التي تركها محمود درويش قبل رحيله كوصية لشاعر شاب، مشيرة إلى أن فكرة هذا الكتاب جاءتها لمساعدة الشابات، قائلة: "..لا أحد يعلمنا كيف نحب .. كيف لا نشقى..كيف ننسى..كيف نتداوى من إدمان صوت من نحب..كيف نكسر ساعة الحب..كيف لا نسهر.. كيف لا ننتظر.. كيف نحبط مؤامرة الذكريات وصمت الهاتف. كيف نخرج من بعد كل حب أحياء وأقوياء وربما سعداء، هل من يخبرنا ونحن نبكي بسبب ظلم من احببنا أننا سنضحك مما اليوم يبكينا؟".

تقول مستغانمي: كتبت دليل النسيان بسخرية كبيرة، أريدكن أن تضحكن، لا شئ يستحق الأسى، في النهاية ما النسيان سوى قلب صفحة من كتاب العمر، وإن لم تفعل فستظل تعثر على الصفحة نفسها مستنسخة في كل صفحات حياتك ، لهذا يسعى الكاتب لتخفيف وزن هذه الصفحة وقلبها نيابة عنكم !

تحكي الكاتبة عن أحد المحبين وقد حياها في معرض للكتاب بالجزائر وقال أن حبيبته طلبت كتابا لمستغانمي، الأمر الذي أسعد الكاتبة، وجعلها تعدهما بثلاثة أيام إقامة في أي فندق جزائري يختارانه بعد زواجهما .

حزب النسيان

تقول مستغانمي : الأدب يتغذى من الذاكرة لا من الحاضر، ذلك أن ذكرى الحب أقوى أثراً من الحب، وكشف لي تهافت الجميع على فكرة الكتاب حجم البؤس العاطفي في العالم العربي، الأمر الذي دفعني للتوقع بأن يتجاوز الكتاب أهدافه العاطفية إلى طموحات سياسية مشروعة فقد صار ضرورياً تأسيس حزب عربي للنسيان.

تقول الكاتبة: أراهن أن يجد هذا الحزب دعماً من الحكام العرب لأنهم سيتوقعون أن ننسى من جملة ما ننسى منذ متى وبعضهم يحكمنا، وكم نهب هو وحاشيته من أموالنا، وكم من دمائنا علقت على يديه.

نحتاج أن نستعيد عافيتنا العاطفية كأمة عربية عانت دوماً من قصص حبها الفاشلة، بما في ذلك حبها لأوطان لم تبادلها دائماً الحب، حينها فقط عندما نشفى من هشاشتنا العاطفية المزمنة بسبب تاريخ طاعن في الخيبات الوجدانية يمكننا مواجهتهم بما يليق بالمعركة من صلابة وصرامة.

ذلك أنه ما كان بإمكانهم الاستقواء علينا لولا أن الخراب في أعماقنا أضعفنا، ولأن قصص الحب الفاشلة أرقتنا والوضع في تفاقم بسبب الفضائيات الهابطة التي وجدت كي تشغلنا عن القضايا الكبرى، وتسّوق لنا الحب الرخيص والعواطف البائسة فتبقينا على ما نحن عليه من بكاء الحبيب المستبد ونسيان أنواع الاستبداد الأخرى.


الفصول الأربعة

تُقسم الكاتبة فصول الحب إلى فصل اللقاء والدهشة، فصل الغيرة واللهفة، فصل لوعة الفراق، و
فصل روعة النسيان، وتقول عنهم: إنها رباعية الحب الأبدية بربيعها وصيفها وخريفها وأعاصير شتائها.

وتبرر سبب اختيارها للنسيان لتكتب عنه لأن عليه يؤسس الحب ذاكرته الجديدة، ومن دونه لا يمكن لحب أن يولد، ولأنه الفصل الذي يتفوق فيه الرجال على النساء، ويذهلوننا بقدرتهم على التعافي والشفاء.

ولمغادرة شتاء الحب والدخول في ربيعه على النساء – كما تقول المؤلفه – التعافي تماما من ذكريات الحب الماضية، وتقبل فكرة النسيان كما يفعل الرجال .

ثم تورد قصة أستاذ ياباني طلب من تلاميذه تعريف الثلج، أحدهم أجاب إنه بداية الربيع، كان التلميذ مشروع شاعر، وكان بذلك التعريف يختصر لنا ميلاد الحب من صقيع النهايات والخيبات، أي مما سيذيبه النسيان غداً ويغذي بجداوله مروج الحب الجديد.

ثم تتساءل : ماذا لو تعلمنا ألا نحب دفعة واحدة، ساخرة من العاشقات بعبارتها "ويل لخل لم ير في خله عدوّاً".


زلزال

أكبر لغزين في الحياة كما تقول مستغانمي هما الموت والحب، كلاهما ضربة قدر صاعقة لا تفسير لها خارج المكتوب، لذا تتغذى الأعمال الإبداعية الكبرى من الأسئلة الوجودية المحيرة التي تدور حولهما.

وتقول إذا كانت الهزات العاطفية قدراً مكتوباً علينا، كما كُتبت الزلازل على اليابان، فلنتعلم من اليابانيين إذن، الذين هزموا الزلزال بالاستعداد له، عندما اكتشفوا أنهم يعيشون وسط حزامه.

صنعت اليابان معجزاتها بعقلها، وصنعنا كوارثنا جميعها بعواطفنا، فالإنسان العربي جاهز تماماً لأن يموت ضحية الكوارث الطبيعية أو الكوارث العشقية، لأنه يحمل في تكوينه جينات التضحية الغبية للوطن وللحاكم المستبد.

ماذا لو أعلنا الحب كارثة طبيعية بمرتبة إعصار أو زلزال أو حرائق موسمية، لو جرّبنا الاستعداد لدمار الفراق بتقوية عضلة قلبنا الذي صنعت سذاجته وهشاشته الأغاني العاطفية والأفلام المصرية التي تربينا عليها.


رجل حقيقي

تقول مستغانمي بكتابها الساخر : ما تريده النساء من الرجال لا يُباع، ولا يُمكن للصين ولا لتايلاند أن تقوم بتقليده، فهن تردن الشهامة والفروسية والأنفة وبهاء الوقار ونبل الخُلق وإغراء التقوى والنخوة والإخلاص لامرأة واحدة والترفع عن الأذى وستر الأمانة العاطفية والسخاء العاطفي.

والرجولة في تعريفها الأجمل وفقاً للكاتبة تختصرها مقولة كاتب فرنسي "الرجل الحقيقي ليس من يغري أكثر من امرأة بل الذي يغري أكثر من مرة المرأة نفسها"، تلك الرجولة التي تؤمن أن العذاب ليس قدر المحبين ولا الدمار ممراً حتمياً لكل حب ولا كل امرأة يمكن تعويضها بأخرى.

مضيفة : سنظل نحلم أن تكون لنا بالرجال الحقيقيين قرابة أن نكون لهم أمهات أو بنات..زوجات أو حبيبات كاتبات أو ملهمات.

وتستشهد بما قالته الأديبة والشاعرة غادة النسيان: "ما أندر الرجال الذين نفشل في نسيانهم، ولكن إذا مرّ أحدهم بصفحة الروح، دمغها إلى الأبد بوشمه".

سلام روحي

"من كان الله معه فما فقد أحداً، ومن كان عليه فما بقى له أحد" تقول الكاتبة أن السلام الروحي يأتي قبل الهناء العاطفي، فهو أهم من الحب، كل عاطفة لا تؤمن لك هذا السلام هي عاطفة تحمل في كينونتها مشروع دمارك.

واجهي المشاكل العاطفية أو النفسية بالإيمان، وجاهدي الحزن بالتقوى، بقدر إيمانك يسهل خروجك من محن القلب وفوزك بنعمة النسيان، لأن الإيمان يضعك في مكانة فوقية يصغر أمامها ظلم البشر.

عليك بالصلاة التي بها وحدها نستطيع أن نحقق بين الجهد والعقل والروح اتحاداً يكسب العود البشري الواهي قوة لا تتزعزع..اسعدي بكل موعد صلاة، إن الله بجلاله ينتظرك خمس مرات في اليوم وثمة مخلوق بشري يدب على الأرض يبخل عليك بصوته وكلمة طيبة.. لكن رب هذا الكون ينتظرك ويحبك.


بقلم /  سميرة سليمان

Thursday, June 16, 2011

كيف تخرج من الأزمات منتصراً؟


كان الحكيم الهندي (يوجي) يقول: "إذا رأيت حجراً في الطريق فأزله، ولا تنتظر حتى تتعثر به" ، وعن فن إدارة الأزمات كتب خبير الموارد البشرية الأستاذ بجامعة كاليفورنيا ستيف ألبريخت كتابا هاما بعنوان " إدارة الأزمات .. فن الدفاع عن النفس للشركات" صدرت ترجمته للعربية عن الشركة العربية للإعلام العلمي "شعاع" .. السطور التالية تحمل أهم الفوائد من الكتاب الهام.

في المقدمة يقول المؤلف أن الأزمات أصبحت سمة من سمات الحياة المعاصرة ؛ الأزمة هي ذلك الحدث السلبي الذي لا يمكن تجنبه أياً كانت درجة استعداد المنظمة، والذي يمكن أن يؤدي إلى تدميرها أو على الأقل إلحاق الضرر بها.


قائمة الأزمات

يقول المؤلف: عندما يشتد قلقك وتوترك، ينصحك خبراء إدارة الضغوط بكتابة قائمة بالمشكلات التي تؤرقك؛ فرؤية هذه المشكلات على الورق تمنحك الإحساس بإمكانية إدارتها والسيطرة عليها.

كما ينصح المؤلف بأن تكتب قائمة بالأزمات المحتملة، وأن تضع لكل واحدة منها درجة احتمال معينة، ثم تحدد المهارات الخاصة التي يتطلبها التعامل مع كل منها، ومقياس لقياس النجاح، وفي النهاية حاول أن تحدد حجم الفجوة؛ أي الفارق بين المهارات التي تستدعيها الأزمة والمهارات التي تمتلكها أنت وبين الموارد التي تحتاجها الأزمة وموارد الشركة/ القسم الذي تديره.

وليست الحوادث من قبيل انهيار جدران المصنع أو انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 24 ساعة هي وحدها التي تندرج تحت مصطلح أزمة؛ فهذه الأزمات تجلب للشركة قدراً من تعاطف الرأي العام والحكومة وتصبح فرصة لمزيد من العلاقات الإيجابية، لكن هناك أنواعاً من الأزمات التي تنفجر بفعل فاعل والتي ينتهزها المنافسون للانقضاض عليك وتتطلب يقظة من جانب شركتك واستعداد دائم للأسوأ.

فإذا وجدت مثلا مدير لأحد الأقسام ينشر ثقافة العنف أو الرشوة والمحسوبية داخل الشركة وبالتالي يحتمل أن يشعل أزمة حقيقية، أو أن تجد عميلا يهرع إلى أقرب محامي ليقاضيك إثر تضرره من استخدام منتجاتك بما يضر صورة شركتك أمام الرأي العام، كل ذلك يستدعي التفكير في طرق معالجة الأزمة والتحسب لها قبل نشوبها.




يضرب المؤلف أيضا أمثلة للأزمات الخارجية التي ينبغي على صاحب الشركة أو المكتب أن يخطط لمعالجتها، منها الدعاوى القضائية ضد الشركة، حملات المقاطعة من جانب الرأي العام قائلا: لايهدف أصحاب حركات المقاطعة، في الغالب لتحقيق ربح مادي، ولذا يجدر بك الابتعاد عن محاولة التسوية المالية وإلا شهروا بك أكثر وأكثر، وذلك على العكس من أسلوب التعامل مع أصحاب الدعاوى القضائية.

وهناك كذلك حملات الإعلام المضادة، وهنا يشرح المؤلف: يفضل في حالة التعامل مع وسائل الإعلام أن تكسبها إلى جانبك منذ البداية. فالعديد من المسؤولين عن تشغيل هذه الأداة الرهيبة لا يهتمون بالبحث عن الحقيقة الكاملة بقدر ما يندفعون للتعبير عن مشاعرهم أو مشاعر مروجي الإشاعات الذين يذهبون إليهم بقصص تسيء لشركتك. فإذا كانوا يشعرون بوجودك ويتفهمون موقفك وشخصيتك فلن يصدقوا كل ما يلقي به مروجو الإشاعات عنك.

ويحذر المؤلف من المخاطر التي تنبع من داخل شركتك، ومنها سيادة الشعور بالفشل بين العاملين، وخاصة إذا كان ذلك مصحوبا بنجاح المنافسين، وهو ما يصيب العاملين بمزيد من التوتر ، ويقول عن ذلك "في مثل هذه البيئة تركد الاتصالات وتعشش العناكب في زواياها المظلمة لتزيدها ظلاماً، يتحول كل يوم من أيام مثل هذه الشركات إلى أزمة.. أزمة للنجاة من الموت" .

تجارب الآخرين




يوجه الكتاب إلى أن جوهر الإدارة هو إدارة الأفراد للقيام بالعمل، وليس المطلوب أن ينشغل المديرون بمشكلات الصيانة والبرمجة وحدها، كما ينبغي عليهم التفكير في الأزمات المتعلقة بالمنتج نفسه، فمثلا شركات الأغذية تكون على أهبة للتعامل مع مسألة الأغذية الفاسدة.

ويرى المؤلف أن المدير الكفء عليه "إجهاض الأزمة" أو يعني هذا المصطلح القضاء على الأزمة قبل أن تولد ، وذلك بإزالة أسبابها المحتملة، ويتطلب هذا أن تتقبل النقد وتزن التحذيرات وتدرسها دون إهمال.

فعقب أزمة "ماكدونالدز" قامت شركة "ستاربكس" الشهيرة و"دنكن دونتس" بإعادة تقييم طريقة تقديم القهوة لعملائها. أما مطاعم "ويندوز" فقد أوقفت بيع الشيكولاتة الساخنة بصفة مؤقتة.

ولاحتواء أي أزمة ينبغي برأي المؤلف الاعتراف بها مبدئيا؛ فكثيراً ما نتجاهل البوادر الأولى للأزمة مثلا نقول أن الانخفاض الحاد في رقم الإيرادات يرجع إلى كساد الموسم بصفة عامة، وتكاسل الموظفين يعود إلى حرارة الجو، وتتوالى هذه التبريرات حتى تجد نفسك أمام الأزمة وقد تفاقمت، لذا كن مستعداً دائماً، فكما قال أحد مدرسي الكيمياء: "أحذر عندما تشم غازاً عديم الرائحة، فمن المحتمل أن يكون أول أكسيد الكربون".

وينبغي كذلك تخصيص موارد معينة وفريق بعينة للتعامل المباشر مع الأزمة، مع وضع خطة طارئة للتغلب على الأزمة بشكل جذري وسريع.

ولابد من الاستعانة بشخصية ذات مصداقية وخبرة للتصدي لقرارات حل الأزمات، وخير دليل على فعالية هذا الأسلوب هو نجاح "لي إياكوكا" ـ الإداري الأول لشركة "كرايسلر" ــ والذي كان يسوق لمنتجاته ويخاطب العملاء بنفسه، ويبذل لهم الوعود ويعتذر عن الهفوات.

لكن هذا لا يعني أن مجرد تواجد الشخصية الإدارية الأكبر يكفي وحده لفك لعنة الأزمة، فهذه الشخصية الإدارية يجب أن تتمتع بالقبول، وأن يري فيها الآخرون المصداقية اللازمة. فها هو "داريل جيتس" رئيس شرطة لوس أنجيليس يتدخل في الأحداث الدامية التي هزت المدينة عقب عرض شريط فيديو يصور أفراداً من الشرطة يعذبون الزنجي "روني كنج" بعد القبض عليه.

لكن شخصية "داريل جيتس" المتزمتة والرافضة للاعتراف بالخطأ أو للاعتذار وتهدئه مشاعر الجماهير الثائرة، زادت من التمرد، وكانت النتيجة خسائر تزيد عن 800 مليون دولار، نتيجة تحطيم الممتلكات أثناء أحداث الشغب وامتناع بعض أفراد الشرطة عن منع هذه الأحداث، تعبيراً عن امتعاضهم.

إن ما يريده جمهور الناس عقب الأزمة، هو شخصية ذات مصداقية تعبر عن قدرتها على قيادة الأمور إلى بر الأمان. وكما أن هناك وقتاً آخر لإرخاء العنان، وكما يعرف المدير الذكي متى يقفز إلى منصب الديكتاتور ليفرض أوامره المركزية على الجميع، عليه أيضاً أن يعرف متى يمثل دور الغائب، ويرخي العنان دون أن يفلته.

قواعد ذهبية




يضع المؤلف قواعد سبع لإدارة أي أزمة يقول فيها: احذر الكذب واحذر نشر كل الحقائق أمام كل الناس، بل اقصر هذا على مجموعة معينة من أولي الثقة.

والنصيحة الثانية يقول فيها: لا تضع نفسك محل المتهم الذي يطلب البراءة، وإلا سيطالب الناس برأسك، والجدير أن تعرض بشجاعة قدرتك على إنقاذ الموقف والوعد بتصحيح الأخطاء مع اتخاذ خطوات فعلية لذلك، أما النصيحة الثالثة فتنصح مدير الشركة أن يكون مركزياً في صناعة القرار وتنفيذه، على أن يكون الرأي شورى بين أكبر عدد ممكن من ذوي العقل الراجح.

وينبغي كذلك تعزيز العلاقات وقنوات الاتصال مع الخصوم ومع المساندين وتوسيع دائرة المساندة، وتحفيز الحماس في العاملين دائماً، متابعا: وحذار أن تلجأ إلى الصراخ والصوت العالي، وعليك أن توفر الحماية والأمان لأعوانك ومساعديك، وألا تبخل بأي شيء.

ومن النصائح الهامة أن تدرس مصالح ومناهج عمل الأطراف الأخرى المتورطة في الأزمة، والتنبؤ باستجابتها، مع محاولة إخماد الحرائق قبل اشتعالها واضطرامها، وذلك بأن تستمع لجميع أبواق التحذير..

بقلم /  أبوبكر خلاف



Friday, June 10, 2011

المرأة وأيقونة الضعف في روايات محمد البساطي


تكاد أغلب الروايات العربية تكرس صورة نمطية، عن المرأة العربية.. كضحية المجتمع الأبوي، ولا يمكننا إنكار هذه الحقيقة، مثلما لا يمكن تجاهل أن الرجل العربي -أيضا- ضحية، فيلجأ إلى التنفيس عن مختلف ألوان القهر، التي يكابدها في حياته اليومية بممارستها على الكائن الأضعف.. لكن هذا القهر يكون أبشع حين تكتب المرأة عن المرأة، فبدل تشريح المعاناة الحقيقية للمرأة، تجعل الروائيات الجسد محور أحداث الرواية/البكائية.

لقد استطاع نجيب محفوظ أن يحفر في الوجدان العربي شخصية "أمينة" في ثلاثيته الشهيرة، ففاقت شهرتها كل شخصيات نجيب محفوظ، ولا يخفى على القارئ اللبيب الدور الخطير للسينما والتلفزيون، حين تم نقل الثلاثية إلى الشاشتين، في حين لا أحد يستطيع أن يستحضر أية شخصية في روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، رغم أنهما كرسا كل كتاباتهما - تقريبا- للدفاع عن هذا الكائن الهش المهمش.

أما الكاتب المصري محمد البساطي، فمثلما رسم لنفسه مسارا إبداعيا متفردا عن أبناء جيله، فقد أبدع في "خلق" شخصيات أنثوية خالدة، لها ألقها الخاص، بل إن القارئ يدهش من قدرته الفائقة على الغوص في أعماقهن؛ هذه القدرة التي تجعله يتوهم كاتب الرواية امرأة وليس رجلا، فضلا عن ذلك فمحمد البساطي ليس كاتبا "نسوي" النزعة، وإنما كاتبا إنسانيا كرس إبداعه للكتابة عن مختلف أشكال القهر الذي يتعرض لها الإنسان العربي، سواء كان رجلا أو امرأة، طفلا أو عجوزا، وهذا ما يتضح جليا في رواية "جوع".






"فردوس" :

تعد "فردوس" بطلة الرواية التي تحمل اسمها من أشهر نساء محمد البساطي وأكثرهن عذوبة، وهي تكاد تتماهي إلى حد ما وشخصية "سعدية" في رواية "بيوت وراء الأشجار".

ترصد الرواية تفاصيل معاناة تلك المرأة الجميلة الوحيدة المحرومة، التي تخلص منها أخوها بتزويجها للفلاح "موافي"، رغم أنه متزوج، والذي سرعان ما سيهجرها، ويعود إلى ضرتها، بعد أن تأكد من عقمها، ويبدأ ابن زوجها "سعد"، المراهق في التحرش بها، فتحلم بفتوته التي افتقدتها في الزوج الغائب، وتقع ضحية صراع داخلي، يؤججه تلصص المراهق مع أترابه عليها، حتى وهي في بيتها، ويعبر عن اشتهائه الصامت لها بالحديث عن كلام أقرانه، الذين يحاصرونه بأسئلتهم عنها.

ينجح "سعد" في اختراق قلاع عزلة الخالة "فردوس"، وتشي انتظاراتها لزياراته الليلية، وتجد نفسها مدفوعة لأن تخرج بحثا عنه بين أقرانه، عندما افتقدت حضوره.. ويباغتها، في الليلة التالية، بإشارته إلى أن رفاق السوء أدركوا أنها خرجت للبحث عنه، رغم تسترها بعباءتها و بالليل، فقد عرفوها من خلال "الشبشب" الذي لا ينتعله سواها.

ومثلما تغاضت عن تحرشاته، لا تعترض على استيلائه على طعامها، الذي تخزنه لليوم التالي، حتى تستريح من الطبخ، بعد أن يتسلل إلى بيتها، وتفلت منه الصيحة في المطبخ :

-"مهلبية يا خالة. مهلبية. وثلاثة أطباق. يا قوة الله.".

ولكي لا تنهار، تقاوم بالحلم، بعد أن تستيقظ في الليل، تمضي إلى النهر، هائمة بين الحقول.. مقتربة باستيهاماتها من أولئك العشاق الصغار.

وعند تفكيرها في ترك بيتها، تأخذ معها كل متاعها، كي لا تترك أي شيء لضرتها، وهذا المتاع ليس سوى "أربع قطع صابون"، "شباشب" و "البيض تسلقه وتأخذه لكي لا تترك شيئا لأحد"، وتكوم كل ما لديها في صرتها، تسحب العنزة و تغلق باب الدار خلفها! لكنها تعود في نفس الليلة، بعد أن تتذكر قسوة معاملة زوجة أخيها لها، التي تعاملها كخادمة...
وحين بدأت تستأنس بحكايات سعد، وتجد في حضوره بعض السلوى، يفاجئنا محمد البساطي، وكعادته في أعماله السردية، بأن تعلم وهي في بيت ضرتها، أن سعدا سيتزوج إحدى قريباته.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك من اتهم البساطي بالسطو على فكرة رواية "مديح زوجة الأب" (وفي ترجمة أخرى"امتداح الخالة")، لكن لـ"فردوس" فرادتها السردية واللغوية، وشتان بين العملين، ومناخيهما، كما أن الكاتب قد عايش هذه التجربة عن قرب في طفولته، لهذا أضفى سحر القرية على رواية "فردوس" ألقا سرديا، تفتقده الروايات التي تتطرق إلى مثل هذه العلاقات الآثمة، فتغرق في "فضائحية" و"ابتذال" روايات الأبواب المغلقة.




"دق الطــبـول":

في رواية "دق الطبول" تشدنا شخصية زاهية، الوصيفة المصرية لإحدى السيدات الخليجيات، وهي تبوح لجارها المصري، في كل ليلة، بحكاياتها اللا متناهية، وكأن هذا البوح إشباع لشهوة الحكي /الكلام لدى المرأة في المجتمعات العربية الشفاهية، تلك الشهوة المتوارثة عن الجدة شهرزاد.

تبدأ بالحديث عن السيدة خديجة، وقراءة ألف ليلة وليلة، ثم استدراج السيدة لها إلى تلك اللعبة، لكي تسترد زوجها.. فيعود إليها ويبيع "شقة الحرية"، (ومعذرة إن استعرنا عنوان غازي القصيبي)، وذلك بإغرائه بالخادمة والاتفاق معها على أنها ليست على علم بعلاقتهما... هذه العلاقة ستثمر ابنا، ستحرم منه زاهية، وينسب لخديجة التي لم يسبق لها أن أنجبت، والمدهش أن زاهية متزوجة ولها بنت، وتواجدها في الإمارة كان بهدف مساعدة أسرتها.

يقيم سالم/الرضيع في حجرة لوحده، وتقاوم زاهية دموعها حين تنزل لترضعه، وحتى المربية تصدها. وكانت تفضل أن ينام في حضنها، وتربت على ظهره... يكبر سالم ويلعب في الحديقة مع المربية، متجاهلا أمه، ولا يستريح لغير المربية، ويرتمي في حضن خديجة (السيدة) ولا يهتم بها، يزداد ابتعادا كلما كبر، وتكتفي بمشاهدته من بعيد...




"أوراق العائلة" :

ماذا يحدث حين تتزوج امرأة جميلة ومتعلمة رجلا أميا، مهووس بالتحرش الجنسي بكل االنساء؟
ظهور شخصية الجدة زينب في المتن الحكائي، سيمنح الرواية هالة من الشفافية والشجن، فبعد الشهور الأولى لزواجها، وبعد أن اشتد خصامها مع أب السارد/الجد شاكر صارت تتناول الزوجة الشابة (الجدة زينب) عشاءها مع الجد كامل في غرفته، بينما زوجها في حجرته يغير ملابسه مستعدا للسهر خارج البيت.. في الأفراح والموالد، وأحيانا، يسافر مع رفاقه إلى "كازينوهات" المنصورة.

بعد أسبوع من زواجها، تظهر الجدة زينب للبنات بوجه تعلوه الكدمات، لكنها لا تشكو ولا تهدد بالعودة إلى بيت أهلها.. وبعد تحضير الغداء، تحرص على الذهاب- بنفسها بدل الخادم- إلى الحقول، راكبة الحمار، وفي طريقها تمر برجال القرية، وهم مسترخين على كراسي المقاهي، والنساء على المصاطب، وبعد أن يتناول الجد كامل طعامه، يجلسان - معا- تحت شجرة التوت، وهو يعد الشاي. وبذهابها كل يوم، يبدأ التهامس حولهما، ولن تتوقف عن الذهاب الى الحقول إلا بعد الشهر الثالث من الحمل، ويستمر الهمس الآثم حتى بعد ولادتها، حيث سيندهش الجد شاكر (الزوج) عند سماعه بخبر إنجابها، وقد كان غائبا عن البيت كل تلك المدة، فيتلقى التهاني في البيت صامتا شاردا، وبعد يوم وليلة، يعود إلى حياته السابقة، و ستكون المرة الوحيدة التي يرى فيها ابنه، وقد بلغ عاما.. من خلف زجاج المقهى، والجد كامل يتجول به على متن فرسه..

ويزور بيت أهل الجدة زينب، يبلغ والدها بأنه ينوي الطلاق، فلا يعارض، وفي نفس الليلة يتوقف "الحنطور" أمام البيت، وينصت الجد كامل مطرقا.. بعدها تخرج الجدة زينب حاملة بعض الأغراض، التي تخص الطفل/ والد السارد.
وسيعتاد الجد كامل على الذهاب كل جمعة إلى بيت الأهل.. يوقف الفرس على بعد خطوات، يرسل في طلب الحفيد، (المثير أن تعلق الجد الشديد بحفيده، ومن قبل، كان يعامل ابنه (الجد شاكر) و والدته بقسوة). لا يحاول أن يطرق الباب ولا أحد يخرج إليه من الكبار، وفي وقفته وهو ينتظر حفيده، يسمع صرير شيش شباك يفتح، ويلمح بطرف عينه الجدة مورابة ترقب خروج ابنها.

تغدو عليلة، طريحة الفراش، ذابلة، كما تروي إحدى زائراتها، وبعد خمسة أشهر من طلاقها تموت. و حين طلب الجد كامل من حفيده/ الراوي أن يصطحبه في الخارج وفي وقت متأخر... وقبالة البيت، يشير إلى ذلك الشباك، حيث كان يراها خلف الشيش، عندما يجيء لاصطحاب حفيده/ والد السارد.. ويلمح ذراعها على قاعدة الشباك. يعرفها من خلال الخاتم، ذي الفص الأحمر، ويرى خصلة من شعرها تطير، بعد أن تسربت من فتحة الشيش.. طوال الوقت تنتظرهما في وقفتها تلك، وهي قلقة. وعند موت الحفيد/ والد السارد يهتف الجد كامل ملتاعا: " أخذته. ماكانت لتتركه طويلا معنا".

*****
لقد استطاع محمد البساطي من خلال الهشاشة والشجن والشفافية رسم شخصيات تتسلل إلى قلوب قرائه، بدون استئذان.. فتأسره بعفويتها وسحرها وشجنها، دون محاولة استجداء عواطف ودموع القارئ بطريقة ميلودرامية فجة، والتعبير بصدق عن معاناة نصف المجتمع... بدون المتاجرة بها، بحثا عن مآرب أخرى.


بقلم الناقد المغربي هشام بن الشاوي