Wednesday, May 04, 2011

الإستبداد وتجارب العصيان الشعبي في "رواق عربي"

 
 
بالرغم مما قدمته المقاومة المدنية من نماذج ناجحة في عدة أماكن من العالم مثل تركيع الاحتلال الإنجليزي في الهند وإرهاق السلطة العنصرية في جنوب إفريقيا فإن هذا النوع من المقاومة لا يلقى اعترافاً عريضاً من قبل غالبية المؤرخين والذين يصبون جل اهتمامهم على الكفاح المسلح في تاريخ الشعوب.

حيث ينظر للمقاومة المدنية من قبل الكثيرين على أنها "طريق العاجزين" الذين ليس بوسعهم أن يحملوا السلاح، أو هي الخيار المتاح حين تدرك الجماهير أن كلفة العمل المسلح باهظة ونتائجه غير مضمونة.

 هذا ما أشار إليه د.عمار علي حسن في دراسته التي تضمنها العدد الـ 56/ 57 من كتاب "رواق عربي" وهو غير دوري يصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان .

وفي دراسته التي حملت عنوان "النضال المدني من الغمغمة إلى العصيان" استعرض د. عمار أهم ثلاث تجارب في هذا المجال في العالم "المهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا، ومارتن لوثر كينج".

وعرف عمار أساليب المقاومة المدنية المختلفة بأنها "الاحتجاج السلمي المباشر ضد أفعال وسياسيات الخصوم وترمي لحرمانهم من السيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة أو ردع من بيدهم الأمر عن اتخاذ قرارات أو أفعال تضر بمصلحة الجماهير".

وتعتمد المقاومة المدنية على ثلاثة أشكال رئيسية "اللاعنف" يتمثل في صور رمزية قولا وفعلا لمعارضة الخصم مثل الاضرابات والإعتصامات والمظاهرات والعصيان المدني وتنظيم المسيرات وتدبيج بيانات الرفض وغيرها.

أما النوع الثاني فيتمثل في "عدم التعاون" أو المقاطعة السياسية والاقتصادية والإجتماعية وذلك من قبيل رفض التحالف مع الخصم والإمتناع عن تأييده ومقاطعة الإنتخابات وعدم التعاون مع المؤسسات الرسمية، ورفض الوظائف التي تعرضها السلطة، وفي الحالة التي يكون فيها الخصم طرفا خارجياً أو دولة أجنبية تأخذ المقاومة نطاقا أوسع مثل الإنسحاب من منظمات دولية وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها.



    
    اضراب عمال جزائريون        


ويتمثل الشكل الثالث من المقاومة المدنية في "التدخل غير العنيف" نفسياً من خلال تصرفات كالتعريض بالأعداء وفضحهم والصيام وممارسة الضغوط الأخلاقية، والمضايقات غير العنيفة، وإقامة أسواق بديلة وإنشاء مؤسسات اقتصادية مغايرة، وإبداء عدم الخوف من السجن، وممارسة الأعمال اليومية دون التعاون مع الخصوم أو المحتلين، وعدم إطاعة القوانين المعمول بها وتشكيل حكومة موازية.

ومن التجارب العربية في المقاومة المدنية والتي نجح بها الأجداد في مقاومة المستعمر الغاشم وقيادة العديد من البلاد العربية نحو الاستقلال والدستور، تجربة سعد زغلول ورفاقه في ثورة 1919 المصرية بعد أن فوضهم الشعب عبر مليوني توقيع ليتحدثوا باسمه في المطالبة باستقلال البلاد.

واعتمد المصريون على ثلاث وسائل أساسية في مقاومتهم المدنية الأولى "المقاطعة" مثل مقاطعة طلبة مدرسة الحقوق لزيارة السلطان العثماني الموالي لبريطانيا لمصر عام 1915، كذلك المقاطعة الشعبية التي  نظمها حزب الوفد للجنة ميلنر التي جاءت إلى القاهرة في ديسمبر 1919 ورفض المصريون التعاون معها أو مساعدتها في تأدية مهمتها، وبالتالي غادرت في النهاية وهي متأكدة أن الأحكام العرفية لم تعد مقبولة للشعب المصري.

وتمثل الأسلوب الثاني في "التظاهر" والذي بدأ عام 1916 احتجاجاً على قيام بريطانيا بإعلان مصر محمية بريطانية وفرض الاحكام العرفية، بينما تجلى التظاهر في أقوى صوره عام 1919 احتجاجاً على نفي سعد زغلول.

كذلك اعتمد المصريون على أسلوب "الإضراب" الذي أصبح مكوناً أساسياً من مكونات النضال المصري أنذاك فبعد واقعة اعتقال سعد زغلول عمت الاضرابات العديد من المدن المصرية بادئة بالطلاب والمحاميين ثم لحق بها عمال البريد والترام والسكك الحديدية وتبعهم موظفو الحكومة.

أما التجربة العربية الثانية فهي الانتفاضة العراقية عام 1948 ضد الإنجليز حين احتج العراقيون على المعاهدة التي وقعها رئيس الوزراء صالح جبر سرا في بوتسمورت ببريطانيا والتي تقضي باستمرار النفوذ البريطاني في العراق وإقامة قواعد عسكرية دائمة في أرض الرافدين، وحينها خرج طلاب كليتي الحقوق والهندسة في مظاهرة عارمة وعمت الاضرابات بقية الكليات وانضم العمال إلى الطلاب وتواصلت المظاهرات يومياً للمطالبة برحيل جبر .

وقرر الأخير مواجهة المتظاهرين بالقوة الامر الذي أسفر عن سقوط أكثر من 100 شهيد، إلا أن المتظاهرين تدفقوا إلى الشوارع وواجهوا الشرطة ببسالة فانهارت معنوياتها ورفضت تنفيذ أوامر جبر الذي لم يجد بد سوى الاستقالة، ثم
    
            

واصلوا الاحتجاج حتى تم إلغاء المعاهدة.
    
            


تجربة عربية أخرى في النضال المدني اتضحت في الإضراب العام الذي شهدته فلسطين عام 1936 احتجاجاً على الانتداب البريطاني والهجرة المنظمة لليهود إلى فلسطين لاقامة دولة على أراضيهم.  وقد مهد هذا الاضراب لثورة استمرت ثلاث سنوات كان الكفاح المسلح فيها حاضراً بشدة لكنه ترافق مع حالات نضال غير عنيف وضعت بذرته الأولى في عشرينات القرن المنصرم وتمثلت في الكتابات المناهضة لتوطين اليهود وإرسال الوفود إلى لندن لتقديم صورة لما يجرى على الأرض من قتل وتدمير على أيدي العصابات الصهيونية وشرح المطالب الفلسطينية العادلة.

وفي العشرين من أبريل 1936 تم تشكيل لجان وطنية لتنظيم الإضراب في نابلس ويافا وامتد إلى بقية المدن الفلسطينية، أعقبها تشكيل اللجنة العربية العليا المشرفة على الإضراب التي دعت في 7 مايو من خلال مؤتمر للجان الوطنية إلى عصيان مدني لشل عمل الجهاز البيروقراطي، وإثر ذلك توقف العمل في جميع المصالح والهيئات وانقطت وسائل الاتصال العربية، وقد أثر الإضراب تأثيراً ملموساً في المصالح اليهودية وفي المقابل اعطى دفعة لكفاح الفلسطنيين وأجبر الإنجليز على الاعتراف بمطالبهم وعلى التخلي عن الانتداب وخطة التقسيم وان كان لم يفلح في وقف الهجرة اليهودية لفلسطين.

كذلك ظهر هذا النوع من المقاومة في الانتفاضات السبع التي قام بها ابناء الشعب الفلسطيني الصامد وكان أخرها انتفاضة الأقصى عام 2000 ولم يفقد الفلسطنيون طيلة تاريخهم الطويل الثقة في جدوى المقاومة المدنية.


حقوق الإنسان المصري
    
            


تحت عنوان "مشكلة حقوق الانسان في مصر.. إرداة سياسية أم الإسلام" قدم بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان دراسة عن وضع الحريات في مصر.

 ويرى حسن أن النظام السياسي التسلطي الذي عانت منه مصر منذ عدة عقود تعود جذوره إلى ثورة 23 يوليو 1952، حيث شيد الضباط الأحرار أركان نظام سياسي استبدادي يقوم على حكم الفرد، وتم الإطاحة بدستور عام 1923، ورفضوا مشروع دستور 1954 الليبرالي الذي وضعته هيئة شكلها ضباط يوليو بأنفسهم، ثم قاموا بوضع دستوراً في عام 1956 بهدف إضفاء الشرعية على النظام الجديد.

كما شهدت الفترة التي تلت ثورة يوليو إلغاء الأحزاب السياسية، وتقييد النقابات المهنية، والاستيلاء على النقابات العمالية بعد إعدام اثنين من القيادات العمالية في العام الأول من الثورة، ثم تأميم الصحافة عام 1961، ومحاصرة الجمعيات الأهلية ثم إصدار قانون عام 1964 يقنن خضوعها للسيطرة الحكومية.

 كذلك تم ممارسة ضغوط عنيفة على النظام القضائي والقضاة ظهر ذلك من خلال إجراء تعديلات تعسفية على النظام القضائي وإنشاء محاكم موازية استثنائية عسكرية وشبه عسكرية لمحاكمة خصومهم السياسيين، وبلغ الأمر ذروته بما عرف "بمذابح القضاة" عامي 1954، و1968 حيث تم فصل عدد كبير من القضاة الذين رفضوا التدخل السياسي في شئون القضاة.

كذلك فرض النظام الاستبدادي سيطرته على الحرية الأكاديمية فتم فصل العديد من الأساتذة الجامعيين الذين اعتبروا خصوماً فكريين لنظام يوليو، وعانت الجماعات السياسية مثل الإخوان المسلمون واليساريون وخاصة الشيوعيين منهم من القمع وحملات الاعتقال والتعذيب دون محاكمة.

يؤكد بهي الدين حسن في دراسته على أن من أبرز نتائج ثورة يوليو 1952 صعود الدور الإستثنائي لأجهزة الأمن في إدارة الحكم، حيث صاحب تحول مصر من نظام ملكي إلى نظام جمهوري تحول أكثر أهمية وهو القضاء على الاستقلالية النسبية التي كان تتمتع بها السلطتان التشريعية والقضائية، لحساب
    
    ثورة يوليو         

هيمنة السلطة التنفيذية عليهما، والتحول إلى نمط حكم الفرد "الرئيس".
    
    ثورة يوليو         


 ويرى بهي الدين حسن إن رئيس الجمهورية في ظل نظام يوليو الجمهوري كان وظل حتى وقت قريب يتمتع بسلطات أكثر "ملكية" من السلطات التي كان يتمتع بها الملك في العهد الملكي الذي "اسقطته" ثورة يوليو.

كذلك فإن الخلل الهيكلي في بنيان نظام الحكم في أعقاب ثور يوليو كان المصدر الرئيسي ليس فقط لشيوع وتسهيل الاعتداء على حقوق الإنسان بل صعوبة محاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات نتيجة لتهميش دوري السلطتين التشريعية والقضائية.

وعانى البرلمان بدوره من التقزيم حيث منع من محاسبة رئيس الجمهورية أو مساعديه بينما يستطيع الرئيس حل البرلمان، والذي ظهر كأداة لمنح تفويضات مطلقة للرئيس أو نافذة ملحقة بالسلطة بالتنفيذية يجري من خلالها تمرير التشريعات التي جرى إعدادها سلفا في المطبخ الحكومي.

ومن مظاهر تدهور حقوق الإنسان كما يرصدها د. بهي الدين، استخدام قانون الطوارئ بشكل موسع خلال الأعوام 2005 – 2008 ضد الناشطين في حركات الاحتجاج الإجتماعي والبلوجرز وإحالة بعضهم لمحاكم أمن الدولة "طوارئ" برغم أنه لم توجه إليهم تهمة الإتصال بالإرهاب، إلى جانب الإعتداء على الصحفيين والمدونين وقنوات الإعلام المستقلة.

كذلك وصفت تقارير الأمم المتحدة ممارسة التعذيب في مصر بأنها تجري بشكل روتيني وومنهج وهو ما تؤكده ايضاً تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والمصرية.

يذكر أن عدد "رواق عربي" احتفى بالكاتب الراحل د.نصر حامد أبو زيد فكتب حلمي سالم عن "حامد .. حدوتة مصرية" بينما كتب د. علي مبروك مقالا عن علاقة الكاتب بالسلطة ، في حين ناقش د. رضوان زيادة علاقة نصر بنقد الفكر الديني .

 بقلم / مي كمال الدين

12 comments:

الامير سلطان بهنسى سلطان عدو المراة said...

اختيار رائع تامر

تسلم ايدك

تحياتى

بنت البلد said...

معلومات رائعة

ونبزة مختصرة

وكانى قريت الكتاب كلة

مشكور تامر.

تحياتى

فارس الاندلس said...

السلام عليكم

مشكور تامر مجهودك رائع
تحياتى

ريبال بيهس said...

صباح الورد تامر

في البداية كتاب جميل أختصرته أنت بطريقة رائعة فكانت النتيجة كتاب مصغر عن الكتاب الرئيسي فشكراً لك ...

أعتبر الثورات المدنية هي أشد فاعلية من الثورة العسكرية لأن الثورة العسكرية ستواجه بالنار وقد تنتهي بسرعة نتيجة المواجهة الغير متكافأة بين الطرفين ولكن عندما تكون المواجهة مدنية وشعبية فستعجز الحكومة عن مواجهة الشعب السلاح لأنها لا تستطيع قتل العزل جميعهم وفي النهاية سترضخ مرغمة لمطالبهم بقوة صوتهم ...

كتاب جميل والأجمل هو ذكرك له ..

تحياتي

كريمة سندي said...

في اعتقداي أن التجارب العربية كلها لم تحظى بالدعم الإعلامي الكبير

أم said...

موضوع مهم وجميل فهو يلحص مجد نضالنا

Tamer Nabil Moussa said...

الامير سلطان بهنسى سلطان عدو المراة


الله يسلمك سلطان


منورالمدونة

مع خالص تحياتى

Tamer Nabil Moussa said...

بنت البلد

العفو اختى بنت البلد

منورة المدونة


مع خالص تحياتى

Tamer Nabil Moussa said...

فارس الاندلس


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة

الله يخليك فارس

تسلم

منور المدونة

مع خالص تحياتى

Tamer Nabil Moussa said...

ريبال بيهس


صباح الجمال ريبال

كلامك صح واتفق معاك المقاومة المدنية الشعبيبة اقوى من العسكرية

الله يخليك تسلم


منور المدونة

مع خالص تحياتى

Tamer Nabil Moussa said...

كريمة سندي


اكيد اختى كريمة

الاعلام قريب منها دائما

لااهمية الامر ولان هذا اساس ومضمون عملة

منورة المدونة


مع خالص تحياتى

Tamer Nabil Moussa said...

أم

صح كلامك

الله يخليكى ام

منورة المدونة


مع خالص تحياتى