Wednesday, April 13, 2011

"عناقيد النور"

" صححت لي مفهوماً خاطئاً كان غائراً في أعماقي حتى النخاع، وهو أن البورتريه لا يتحقق إلا رسماً أو نحتاً، ولكنك نسفت لي هذا المعتقد الخاطئ في لحظة عندما رأيتك ترسم بالكلمة وكأنك ممسك بريشة بارعة تنقل أدق التفاصيل التشريحية والنفسية، وتغوص بها في أعمق الأعماق لتبرز أدق المشاعر التي يحتكرها الباطن ويعتبرها من ممتلكاته الخاصة".

هكذا قال الفنان التشكيلي الكبير حسين بيكار الذي اشتهر بفن البورتريه عن كتاب خيري شلبي "عناقيد النور" الصادر عن دار "العين" للنشر الذي رسم فيه الكاتب الكبير بقلمه  21 بورتريها كتبها على فترات متباعدة تناول فيها شخصيات عديدة، ونتوقف في السطور القادمة مع بعض منها.

سنوحي المصري

هو عالم الجيولوحيا المصري الكبير الدكتور رشدي سعيد، أحد أبرز هذا العلم في العالم، ومع ذلك تم نفيه من جميع الجوائز وحفلات التكريم في مصر، لأن الفائزون دائما برأي صاحب "الوتد" في هذا السباق ليسوا الفرسان.

 يصف شلبي وجه سعيد بأنه يشبه دلتا النهر على خريطة مصر، القاهرة على ذقنه نقطة التقاء فرعي النهر على هيئة فكين ناعمين، الحنك الواسع يعكس روح المرح والصلابة والرصانة والشغف بالحياة.

   
    د. رشدي سعيد        

كتابه عن النيل هو في تقديري – والحديث لا يزال لصاحب الكتاب - أعظم سيرة تاريخية للنهر، لأن عبقرية دكتور سعيد استطاعت أن توازي شخصية الباحث وتستنطق النهر نفسه ليبوح ويعترف بجميع أسراره وخفاياه، حين رأيته لأول مرة تذكرت "سنوحي المصري" بطل القصة الفرعونية التي تدل على حنين المصري القديم لبلده الأم مصر مهما كانت مناصبه خارج الدولة, فرغم كونه طبيباً خارج بلده إلا أنه يدخر المال للعودة إلى الوطن لإنقاذ قائده ورفيق صباه حور محب من مؤامرات دولية تحاك حوله.

هكذا هناك جوانب كثيرة في شخصية الدكتور رشدي سعيد تشابه شخصية سنوحي المصري، وهو مشابه لما يرويه الدكتور في كتابه "رحلة عمر" حين زار المتحف الإنجليزي لأول مرة فلاحظ أن سيدة بريطانية تحملق فيه بذهول، ثم تحملق في تمثال فرعوني معروضا أمامها لتسأله في النهاية عن وطنه الأصلي، وتزول عنها دهشتها حين تعلم أنه مصري.

في سيرته الذاتية كما يقول شلبي نقف على تفاصيل ملحمة معاصرة نادرة، من جهود علمية في مرحلة التكوين، إلى صراع مع الجامعة في سبيل تأسيس بحث علمي يليق بجامعة تحمل اسم مصر، إلى محاولة ناجحة للإنعتاق من جو الاضطهاد  في الوسط الجامعي، إلى إعادة تأسيس مؤسسة التعدين وربطها بهيئة المساحة الجيولوجية، إلى العزل السياسي ثم النفي  من مجلس الأمة والاتحاد الاشتراكي ثم الصدام مع جميع الحكومات الجائرة التي لم تعرف المنهج العلمي في حياتها.

 ثم أزمة سبتمبر الساداتية الشهيرة التي وضعته ضمن المعتقلين فيما هو في أمريكا يعيد البحث عن نفسه، فإذا بالخبر يحاصره في المنفى حصاراً قاسياً، ثم كيف اضطر أن يبيع مكتبته وهي أثمن شئ في حياته لفريق بحث ألماني لكي يسدد نفقات عيشه الباهظة التكاليف، لنخرج من قراءة تلك المذكرات بيقين أن الدكتور رشدي سعيد ليس عالما في طبقات الأرض فحسب، بل عالماً في طبقات النفس البشرية يعالجها بصبر وحكمة فلاح فرعوني طويل البال.

   
    حسن فتحي - معماري مصري عالمي راحل       

الفانوس حسن فتحي

حريف كقرن الفلفل، سلس كانسياب الماء، عريق كصخور المقطم، غضوب كقط بري، فانوس عتيق قديم لكنه مضاء بالكهرباء، رفض المهندس الراحل حسن فتحي النموذج الغربي في الهندسة المعمارية، ولم يكن هذا من قبيل التعصب لثقافته القومية، إنما كان رفضه على دراسات علمية عميقة أثبتت له أن المعمار جزء لا يتجزأ من البيئة.

اقتنع كذلك أن العمارة الأوروبية لا تتناسب مع طبيعة البيئة المحلية، فضلاً عن أنها غير إنسانية بالمرة، وإذا كانت العمارة الأوروبية قد انتشرت في بلادنا بشكل سرطاني فإن ذلك ليس دليلاً على ملاءمتها لنا، بقدر ما هو دليل على انسحاقنا أمام النموذج الغربي في الثقافة بوجه عام، رغم أن العمارة العربية الإسلامية المنبثقة من ثقافتنا القومية ليست تكلفنا فوق ما نطيق.

وقد سئل ذات يوم لماذا أنت ضد البيت الأوروبي! فقال: "إن الشرق العربي أصيب بذهول أمام التقدم الصناعي الأوروبي إلى درجة دفعت به إلى أن يرمي بتراثه، والاستعانة بنقل حضارة أخرى، فالبيت العربي المتأمرك بدلاً من أن يتوجه بانفتاحه نحو فناء الدار، يواجه الشارع العام بغباره وضجيج سياراته ولهيب الصيف الحار، إنه تقليد حمل إلينا الكثير من المصائب".

والبيت العربي في نظره بيت إنطوائي ذو أجواء حميمية خاصة، الغرف ذات أبعاد متناسبة ومنسجمة من ناحية الطول والعرض والارتفاع.

فالبيت هو صورة الإنسان برأيه، كان فتحي أيضاً يهتم باستعمال المواد المحلية في البناء، فالمعمار الهندسي كما ينقل عنه خيري شلبي هو لحظة خلق وإبداع لا يمكن أن تحصل عليه كما تحصل على تاكسي لتستعمله ثم تدفع أجرة السائق!.

وقد بنى حسن فتحي قرى في مصر لم يسكنها احد، وهي كانت المأساة الكبرى في حياة هذا العبقري، فقد حاربه واقعه، لكن عزاءنا كما يقول صاحب الكتاب هو أن العالم كله قد انتبه إلى معماره، حيث أعيد بعثه وتشييده في مناطق كثيرة من العالم المتقدم.


   
    جرجي زيدان       

جرجي زيدان

يعجب خيري شلبي بشخصية جرجي زيدان وفكره الذي يراه مستنيرا يجابه الأطماع الأجنبية والنوايا المبيتة ضد العرب، كما أسس مع ولديه إميل وشكري زيدان "دار الهلال" كما أسس لفروعها : المجلة والروايات وكتاب الهلال.

وبحسب خيري فإن زيدان أسس دار الهلال لتخدم فن الرواية وتكرس له في الثقافة العربية الحديثة، كفن له تأثير على جماهير القراء يمكن عن طريقه تحقيق ما نصبو إليه من حضارة وتقدم، ولذلك يعد زيدان هو مؤسس الرواية التاريخية بمعناها الأدبي الحديث.

كما كان جرجي زيدان مفتونا بتاريخ الإسلام فكتب "تاريخ التمدن الإسلامي" في خمسة أجزاء، الذي صور فيه النهضة الحضارية للإسلام في نظم الحكم والإدارة، والمواصلات، والمراسلات، والعلاقات الخارجية، وإقامة المدن والقلاع، وإدارة الحروب، من أجل المبادئ السامية والاهتمام ببناء الإنسان باعتباره أهم منجزات التمدن الإسلامي.

   
    جبران       

الوجداني جبران

هكذا يطلق صاحب الكتاب على جبران خليل جبران، تلك العبقرية الفذة التي قلما تكررت في زمن أمة من الأمم، ولو كانت الأمور كما يقول شلبي تجري في العالم بميزان عادل لكان جبران حصل على جائزة نوبل، حيث كان يكتب بالإنجليزية كأحد أبنائها، وبالفرنسية كالضالعين فيها، وبالعربية كأحد فقهائها.

ويركز شلبي على علاقة جبران بقلب القمر ويقصد مي زيادة، حيث يجد فيهما تشابها نفسيا واحدا، فكلاهما رومانسي حتى النخاع، وكلاهما ينطوي على نفس شديدة الحساسية تستجيب لكل الفنون، ولشدة ائتلاف روحيهما كان جبران هو الوحيد الذي خاطب مي كأنثى، وعرف كيف يدخل إلى قلبها، وبموت جبران في سن مبكرة اهتز كيان مي وفقدت توازنها النفسي تماما.

يواصل: قارئ جبران يدمنه، لأن كتاباته تنطلق من هموم الذات لتتحول إلى موضوع يلتقي عليه الكثيرون، وكلما عمقت قراءة جبران أدركت ما في أدبه من ثورة متأججة، على الأنماط والنمطية وعلى النظم السياسية المتسلطة.



   
    سعد زغلول قائد ثورة 1919       

الأسطورة

هو الوصف الذي أطلقه شلبي على الزعيم سعد زغلول الذي يصفه بأن مقومات الزعامة ولدت معه، فقد كان خياله خصباً، وثقافته أكثر عمقا واتساعاً، ووجدانه مفتوحا على الوجدان الشعبي العام فاحتل مكانة كبيرة بقلوب الجماهير العريضة ، خاصة بعدما نجح في تأليف شتات الرأي العام إلى ما يشبه العائلة الواحدة.

يرى خيري شلبي أن سعد زغلول كان طيب إلى حد البراءة، وهو ما كشف عنه في مذكراته مارس 1918: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" فلقد خدمت كثيراً من الناس، وساعدتهم في وقت الحاجة، فلما استغنوا أنكروا معروفي، وستروه بالتصدي لإيذائي بالدسائس التي يقدرون عليها".

ويخاطب سعد نفسه قائلا: اسمح لي أيها المضطرب في فكره، أن أحدثك في بعض شأنك ، فمن الحمق أن تحاول تعديل العالم ليلائمك، ويسير طبق مدارك! ومن الحكمة أن تعدل أنت سيرك حتى يطابق سير العالم. فإن لم تفعل، فقدت راحتك، وخسرت خسراناً مبيناً.

ويواصل زغلول: "من أسباب انجذاب الناس إليك استغناؤك عنهم واحتياجهم إليك. أما إذا شعروا منك بالحاجة إليهم، وأحسوا باستغنائهم عنك، فما أسرع ما يستخفوه بشأنك ويتولون عنك!.

ويعلق شلبي قائلا: إن رجلا تزدحم حياته بجلائل الأمور، ورغم ذلك يجد وقتاً ليكتب مثل هذا الكلام الحميم، يكون رجلاً عظيماً بمعنى الكلمة لأنه بخلوه بمذكراته كل يوم يعني أنه في مواجهة يومية مع النفس، ومحاكمة لها حقاً.

بقلم / سميرة سليمان

No comments: