Friday, November 05, 2010

كتاب كندي يعلن وفاة العولمة !


في عام 2003 خرج عدد من الدول والرؤساء على نظام العولمة أمثال الهند وماليزيا والصين والبرازيل، معلنين إعادة الاعتبار إلى النزعة الوطنية والقومية، وبعدها مباشرة .. كان قد تم التأكد من وفاة العولمة " هكذا يؤكد الاقتصادي الكندي جون رالستون سول مؤلف كتاب "انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم" للتدليل على أن نظام العولمة رغم الفوائد الجمة التي حققها لكنه أدى لزيادة البطالة واحتكار دول وشخصيات بعينها ثروات الشعوب وخاصة من العالم الثالث مؤكدا ان ضحايا العولمة قد فاق الحروب .

الكتاب فاز مؤخرا بجائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة في دورتها الثالثة لعام 2009 ، وهو صادر عن عن الدّار المصرية اللبنانية ومؤسسة محمد بن راشد.

قدّم للكتاب الدكتور حامد عمار شيخ التربويين في مصرالذي أوضح أن مؤلف الكتاب – الذي يعد فيلسوفًا ومؤرخًا وكاتبًا سياسيًّا وأحد من المهتمين بتحليل تاريخ الحضارة وهيكل السلطة في الغرب - يقدم لنا ملخصا لأهم الوعود والآمال التي أطلقتها عقيدة العولمة منذ أوائل السبعينيات، ويحددها المؤلف في تقليص سلطة الدولة بل توقع أن بعض الدول قد تتهاوى وتموت وسوف تصبح مفاتيح القوة في المستقبل في قبضة الأسواق العالمية، التي مع تحررها من المصالح القومية الضيقة وقيودها الخانقة سوف تتحقق بالتدريج أنواع التوازن الاقتصادي العالمي.

وسوف تؤدي هذه الأسواق إلى تدفق موجات من التجارة، وهذه بدورها سوف تطلق مدا هائلا من النمو، في الغرب أو الدول النامية، ويترتب على هذا الرخاء الناجم عن ذلك إتاحة إمكانات وقدرات لدى لأفراد لممارسة مسئوليتهم في تحول النظم الديكتاتورية إلى نظم ديمقراطية، ولن تكون لهذه الديمقراطيات السلطات المطلقة التي كانت تتمتع بها الدول في النظام القديم، ومن ثم سوف تشهد ذبول توجهات الوطنية غير المسئولة وما تتسم به من نزعات العنصرية والعنف السياسي.

وعلى الرغم من وعود العولمة، إلا أن أعراض الفشل بدأت في الظهور منذ منتصف التسعينيات في مسار العولمة وآمالها ووعودها، وأخذت تنكشف وتتعرى صور تلك الوعود وآثارها السلبية التي ارتبطت بعقيدة الاقتصاد وحرية التجارة متجاهلة كل ضحايا الصالح العام وجوانبها الاجتماعية والإنسانية.

ويختتم الدكتور عمار المقدمة بقوله: كنت وما زلت أتمنى أن يقرأ قادة الفكر الاقتصادي والسياسي هذا الكتاب، وبخاصة أولئك المسئولين الذين يتولون إصدار قرارات نظامنا الاقتصادي المجتمعي من أنصار "خصخص خصخص" والذين يقول عنهم المؤلف في إحدى عباراته في وصف مآسِي العولمة "نحن نضرب الطفل حتى يبكي، ثم نضربه مرة ثانيةً ليتوقف عن البكاء".




الإيمان بالعولمة

يشير المؤلف سول إلى أن نماذج نجاح نظام العولمة تتمثل في ما حدث من نمو في مجال التجارة، وأمثلة الفشل تتبلور في الوصول باقتصادات معظم الدول - وخاصة دول أفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض دول آسيا- إلى حالة من التوقف، ومعظمها لا يزال حتى الآن شبه متوقف لما يقرب من 20 سنة، والآلام التي ما زالت موجعة هي أزمة ديون العالم الثالث التي لا تزال بغير حلول، إضافة إلى النطاق المتسارع من سلوكيات العنف الدولي.

ويشير المؤلف إلى أن سمة العولمة الأساسية تتمثل في تأكيدها أن جميع الحضارات من الآن فصاعدا سوف تقودها التجارة، وقد بدأت الأسئلة تتوالى عن جدوى العولمة مثل: لماذا لم يسفر هذا التوسع المدهش والمتواصل في التجارة عن نمو اقتصادي واسع النطاق؟ أو عن انتشار الثروة وخفض البطالة، ويرى المؤلف أن أسوأ ضروب فشل العولمة هو الاعتراف بذلك الانفصام بين التجارة والنمو، ولا يزال المؤمنون بالعولمة يحيطون شكوكهم من فوائدها بسياج من الصمت بدلا من مناقشتها بشفافية .

حقائق مذهلة


مناهضو العولمة يتظاهرون ضد سياسات الدول الكبرى

يشير الكتاب أن هناك دراسة جديدة أوضحت أن عدد الذين يعيشون على دولار واحد في اليوم أو أقل انخفض إلى 350 نسمة، ويقول مقدمو هذه الدراسة بأن هذه الأرقام التي تم التوصل إليها جاءت " لتنهي الآراء التي كان يطرحها خصوم العولمة بأن الفقر واللامساواة في ازدياد" ، ولكن المؤلف يؤكد على العكس من ذلك أن الإمعان في هذه الدراسة الطويلة يكشف أن خمسة من البلدان الثلاثة عشرة التي شملتها الدراسة تعاني أكثر من غيرها من الإيدز، وهو وباء مدمر للنظام الاجتماعي والاقتصادي، والأعجب من ذلك أن بوتسوانا كانت هي نجمة الرخاء الإفريقي في الدراسة المذكورة، وهي تعد أيضا الأولى على قائمة طوارئ الإصابة بوباء الإيدز، الباحث لم يفسر كيف أمكنها تخفيض معدل فقر الدولار الواحد من 35% إلى 1 % ،الإجابة بسيطة ، كما يقول سول، حيث أن بوتسوانا تحظى بمنجم ضخم من الماس، وتضم عددا متناقصا من السكان من شأنهم أن يتقاسموا هذه الثروة بفضل مرض الإيدز، دون أن يكون أي من هذه العوامل متصلا بنظرية اقتصاديات العولمة!.

ويرى المؤلف الذي يعد في طلعية المفكرين السياسيين الكنديين، أن القول بنجاح العولمة وفق الأرقام المنسوبة للدراسة يماثل نتائج الطاعون الأسود، - الوباء الذي اجتاحت عدواه أوروبا خلال الفترة (1350 – 1347) - لقد لقى الكثيرون حتفهم لدرجة أن مجرد الذين قدر لهم البقاء على قيد الحياة ومن ثم وراثة ممتلكات الضحايا أصبحوا أغنى، فهل هذا يعني أن الحقائق تجسد الافتراضات الأساسية بشان قيمة نظرية اقتصادية بعينها؟.

كابوس

إن أكثر القضايا شيوعا بالنسبة لحقبة دامت ربع قرن – ويقصد المؤلف العولمة - كانت خفض التكاليف، وهو ما تم في غالب الأحيان من خلال حرمان العاملين المستخدمين من نظم الاستقرار الوظيفي، بهدف تدمير المنافسين الأصغر ثم البيع بأعلى سعر ممكن في مجالات أخرى.

لقد جاء ربع القرن الأخير لكي يتماثل مع منتصف القرن التاسع عشر من خلال نزعته إلى الاحتكارات الفردية وإلى احتكارات الأقلية، التي تتخذ شكلين: أولهما يرتبط بالنشاط التجمعي للشركات عبر الوطنية التي تبدو دولية ولكنها تستند في العادة إلى قاعدة جغرافية، والشكل الثاني ينطوي على احتكارات إقليمية أو احتكارات لصالح القلة، ومن ذلك مثلا ما تتمتع به الولايات المتحدة في مجال العقاقير الطبية، أو تتمتع به الصين أو الهند في مجال الملبوسات والأقمشة.

والنتائج أصبحت معروفة جيدا فأصول أغنى 358 فردا في العالم تتجاوز مجموع الدخول السنوية للبلدان، التي تضم 45% من سكان العالم.

وليس صحيحا أن العولمة أوقفت الحروب تاركة للاقتصاد التأثير الوحيد في التغيير فلو كانت الحروب قد قتلت 18 مليونا في فترة التحرر الوطني من الاستعمار (1945 ــ 1970) فإنها في حقبة العولمة (1970 ــ 2000) قتلت 22 مليونا.

أضيف إليها ضحايا سوء التغذية وهؤلاء قفز عددهم من 12 مليونا عام 1979 إلي 25 مليونا عام 2003، بخلاف ضحايا الأوبئة، وعلي رأسها الإيدز الذي حصد في ظل رفع الحواجز بين المجتمعات المختلفة نحو 20 مليون مصاب في الفترة ما بين 1981 وحتي الآن.

كما يتحدث الكتاب عن دافوس الذي شهد أول تجمع عام 1971 في تلك البلدة الصغيرة بجبال الألب السويسرية والغرض منه كان ولا يزال هو طرح سياسات تخص الذين يمتلكونه وهم أنفسهم يفسرون الأمر بأنه الترويج لنظام عولمي لا تحكمه ضوابط بل يقوده عالم التجارة والأعمال.

كما اخترعت العولمة ما سمي بقوانين الملكية الفكرية "التربس" واعتبرت الإبداعات العلمية والفكرية والفنية تجارة ودعمت احتكارات البرمجيات والعقاقير الطبية وهو ما حقق مليارات سهلة لشركات محتكرة علي حساب فقراء معدمين انعدمت فرصتهم تماما في العلاج بقرص دواء مجاني.


وفاة العولمة

يبرز المؤلف في كتابه أن من أوضح العوامل التي تدفع إلى الشك في صواب العولمة عجز نظريتها عن زيادة الثروة، وكذلك عجزها عن الحفاظ على جانب العمالة، لقد كانت فترة العولمة إحدى فترات زيادة البطالة، ويستعرض الكتاب التسلسل الزمني للانحدار، لأحداث لها دلالاتها بدأت عام 1995.
فيقول المؤلف: كانت سنة فاصلة فقد وقعت أربعة أحداث محددة جاءت لتفيدنا بأن العالم يشهد اتجاها جديدا.

بداية كان هناك أزمة "التكيلا" ونعني بها انهيار المكسيك وسقوطها من ذروة المجد الدولي إلى قاع كارثة وطنية، وكان ذلك دليلا على أن ربع قرن من العولمة التي انطلقت منها مسيرة الاقتصاد لم يفض إلى قيام أمريكا لاتينية جديدة.

وفي منتصف السنة عُين جيمس ولفنسون رئيسا للبنك الدولي ليبقى في منصبه على مدار عقد من الزمن وظل يناضل لإبعاد البنك عن فكرة أن العالم يتحرك نحو طريق أكثر تعقيد فيما يتصل بحقائق العالم غير الغربي، وحين كان ولفنسون يتهيأ لمغادرة البنك عام 2005 كانت واشنطن تتهيأ من جانيها لكي تعيد إلى موقع المسئولية واحدا من أعوانها إذ كانت رغبتها الجديدة تتمثل في تطويع البنك الدولي بصورة أوثق بحيث يتلاءم مع نظرتها الأكثر تشددا للعالم.

وفي اواخر عام 1995 تم شنق كينسارو ويوا الكاتب النيجيري والناشط القيادي، إضافة إلى ثمانية من مؤيديه، وكانت الأسباب الكامنة وراء هذا الفعل هو معارضته لأنشطة شركة "شل" وهي الشركة المعنية بالطاقة في بلده، وقد اعترفت "شل" نفسها بأنها كانت تزود الشرطة الوطنية هناك بالأسلحة.

وفي غمار عدد من الأحداث الغريبة التي وقعت فيما بعد، قام الأمريكي تيموثي مكفيه بتفجير مبنى فيدرالي في مدينة وكلاهوما فأدى ذلك إلى مصرع 168 فردا وإلى إصابة أكثر من 800 فرد.

ويحدد المؤلف عام 2003 بأنه عام انكشاف زيف العولمة، وخروج عدد من الدول والرؤساء على هذا النظام أمثال الهند وماليزيا والصين والبرازيل، ومن ثم إعادة الاعتبار إلى النزعة الوطنية والقومية، وأنه بحلول عام 2005 كان قد تم التأكد من وفاة العولمة.


رئيس الوزراء الماليزى السابق مهاتير محمد

ماذا بعد

يرى المؤلف عكس ما كان يتوقع مفكرو العولمة، من ضعف القوميات وذوبانها، ففي غضون بضعة أشهر من انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط سور برلين أن خرجت إلى الوجود خمس وعشرون دولة قومية جديدة! ومع نهاية القرن العشرين أصبحت القومية والدول القومية أقوى مما كانت عليه عندما بدأ عصر العولمة، ومن ثم فالحكومات التي تسلمت مقاليد الدول القومية عادت لتتسلم من جديد مقاليد السلطة، وتجرأ مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا عام 2003 حيث أسهب في نقد سياسات العولمة وتباهى بنجاح ماليزيا عقب اتباعها نموذجاً وطنياً، فلم تعد العولمة ديناً جديداً أو حتمية أيدولوجية، بل مجرد تجربة فاشلة تخضع للنقد.

فالإيمان بحقائق الاقتصاد العولمي ما لبثَ أن تقلص إلى حيث يتبدَّد، ويؤكد المؤلف على أن للقومية أشكال إيجابية ترتبط بالثقة في النفس والانفتاح، وبفكرة الصالح العام، والأخرى سلبية تنطلق من مشاعر التوجس والغضب وتتصل بقناعة يائسة بأن حقوق أمة لا تتجسد سوى بالمقارنة بحقوق أمة أخرى
.

No comments: