Saturday, April 19, 2008

كتاب يؤرخ لمسيرة مجلة ثقافية عربية خلال نصف قرن


يؤرخ هذا الكتاب / الكتالوج لمسيرة العطاء الثقافي لمجلة العربي الكويتية خلال نصف قرن، وهي المجلة التي ملأت فراغاً ملموساً في الساحة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وعبر ثلاثة فصول يحاول الكتاب أن يبرز جهود أجيال من المبدعين والمفكرين التي تألقت على يد رؤساء تحريرها الأربع المتميزين، ففي الفصل الأول " نصف قرن من العطاء الثقافي" يقف الكتالوج على الإرهاصات الأولى لفكرة إنشاء المجلة، وأهم أبوابها وسماتها التحريرية، والفنية المميزة ثم صدور عددها الأول في عام 1958، بالإضافة إلى مميزات الإخراج الفني لمجلة العربي في عهود رؤساء التحرير، أحمد زكي، وأحمد بهاء الدين، ومحمد الرميحي، وسليمان العسكري، كما يلقي الضوء علي كُتابها كتاب الثقافة العربية المعاصر في نصف قرن..
والكتاب الذي صدر عن مكتبة الإسكندرية وشارك في إعداده الكاتب كل من د.خالد عزب مدير إدارة الإعلام بالمكتبة والقائم بأعمال مدير مركز الخطوط، و محمد السيد، أحمد منصور ، يتطرق للفنون التحريرية في المجلة، والأبواب الثابتة بها. فالعربي التي نشرت الشعر التقليدي وحافظت عليه وأبرزت رواده، أفسحت صفحاتها للشعر الجديد وقدمت مبدعيه. والعربي التي أضاءت صفحاتها بقصص أساطين الفن السردي في وطننا العربي، أفسحت صدرها كذلك لاكتشاف مواهب الشباب العربي في فن الحكي. والعربي أيضا

---------------------------------
ومنذ عددها الأول ـ دعت للثقافة العلمية، حتى توجت الدعوة منذ عامين بملحقها العلمي، الذي يصدر مجانا كل شهر، والذي سيتحول إلى إصدار مستقل، كما تحول قبل أكثر من 22 عامًا ملحقها للقراء الصغار إلى مجلة "العربي الصغير" التي توزع 130 ألف نسخة مطلع كل شهر.
--------------------------------
كما يقدم الكتاب للسلسلة الفصلية (كتاب العربي) التي تكاد تكمل رحلة اليوبيل الفضي، وهي سلسلة تبرز العطاء الثقافي الذي نشر على صفحات مجلة (العربي)، ولعل أهمية هذه السلسلة تنبثق من كونها حفظت الموضوعات القيمة التي نشرتها (العربي) خلال فترات متباعدة زمنيًّا وقدمتها للقراء والباحثين والمهتمين في كتب معتدلة الحجم يسهل اقتناؤها وحفظها، وقدمت سلسلة (كتاب العربي) عشرات الكتب التي توزعت بين الدراسات الفكرية والإبداعية الأدبية تارة وبين العلوم والتقنيات والدراسات الإسلامية والتاريخية تارة أخرى، وقد جعل منها هذا التنوع موسوعة معتدلة تثري زخيرة القارئ والباحث بمعرفة أحداث الماضي وتمنحه القدرة على استشراف آفاق المستقبل
---------------------------------
وقد خصص الكتالوج قسماً خاصاً بجائزة السلطان العويس التي فازت بها المجلة بجائزتها عام 2002 للإنجاز الثقافي والعلمي نظراً لما تمثله من قيمة حضارية عربية بوصفها مجلة تنوير قامت وما زالت تقوم بدورها الريادي في تعريف العرب بدورهم الريادي وربطهم بالثقافة العربية والعالمية في آن واحد. وهي المرة الأولى التي منحت فيها مؤسسة العويس الجائزة لمجلة ثقافية.
أما القسم الثاني من الكتالوج " العربي محاور وقضايا"، فضم جزء خاص تحت عنوان مجلة العربي والقومية العربية، فقد جاءت تسمية العربي تعبيراً عن الهوية القومية الشاملة من جهة، والوحدة العربية من جهة أخرى، وتطلع كويتي للتحرر من الحماية الأجنبية، وإلى العودة إلى أحضان الأمة، والمشاركة في بناء وحدتها السياسية والثقافية. وركز الكتالوج على نماذج من استطلاعات العربي النادرة، ومنها " المُكلا عاصمة حضرموت "، " سرواك"، " مطماطة.. مدينة مساكنها تحت الأرض ". كما ركز أيضاً على أهم القضايا التي عالجتها مجلة العربي ألا وهي: القضايا الدينية، والعلمية، والأدبية، والفنية،والاجتماعية.

--------------------------------
أما الفصل الثالث" العربي.. ديوان العرب"، لقد كانت مجلة العربي ديوانًا للعرب التقوا على صفحاتها وتحاورا وتناقشوا، من أجل العرب وللعرب، وتبرز قائمة كتاب مجلة العربي خلال نصف قرن مدى اتساع صفحات مجلة العربي لكل مفكري العرب ومثقفيهم، أعلام برزوا وتباروا، خلدتهم مجلة العربي جاعلة من صفحاتها موسوعة كبرى للثقافة العربية.
لقد تميزت مجلة العربي بأقلام من تم استكتابهم من داخل المجلة أو من خارجها، وهو ما يتضح من تصفح عددها الأول فقد كتب فيه كل من: الدكتور أحمد زكي، محمد أحمد خلف الله، كامل عياد، عباس محمود العقاد، الدكتور جميل صليبا، الدكتور زكي المحاسني، فاروق خورشيد، الشاعر أحمد الصافي النجفي، محمود تيمور، الشاعر محمد محمود الزبيري، أنور أحمد، سليم زبال، بجانب مصورين ورسامين كبار استطاعوا التعبير عما يكتب بالصورة والرسم، نذكر منهم: أوسكار متري، جمال كامل.

----------------------------------
ويضيء هذا الكتاب التذكاري طموح القائمين على (العربي) الذي لم يقف عند حدود الجغرافيا، ولم توصد أمامه بوابات التاريخ؛ حيث عملت المجلة على نقل هذا المشروع الثقافي التنويري إلى فضاء أكثر اتساعًا، وهو الفضاء الإلكتروني الذي يضيء زوايا المشهد الثقافي والفكري للوطن العربي عبر شبكة الإنترنت. وافتتح موقع العربي - في مرحلته الأولى - ليقدم أرشيف السنوات الستة عشرة الأخيرة من المجلة، فضلاً عن العدد الجديد، وتستكمل الآن أرشفة باقي سنوات الإصدار منذ العدد الأول في وقت قريب
------------------------------------
ويضيف مهمة التعريف بجهد (العربي) في استعادة فن الرحلة العربي بصورة معاصرة، التي تكاد تسافر إلى كل مكان في العالم، ولكنها كانت ولا تزال تعتز بوجه خاص برحلاتها في البلاد العربية، فذلك يحقق أول أهدافها وهو تعريف أبناء الوطن العربي بعضهم بعضًا، فأسمى غاياتها ـ منذ العدد الأول ـ كان التقريب بين أبناء هذا الوطن الواحد على اختلاف مدنه وبلدانه، بحاره وصحاريه، جباله ووديانه، وفي كل رحلة كانت (العربي) تحاول العثور على العصب الإنساني المتشابك الذي يربط كل شعوب العرب ويوحد مصيرها. من هنا وجد القارئ لمجلة (العربي) نفسه مع المجاهدين في الجزائر، والمناضلين في فلسطين، وصناع الحضارة في بلاد الرافدين وعلى ضفاف النيل، وحماة الإسلام في قلب الجزيرة العربية، وشهود العمارة غير التقليدية في اليمن، والراعين للشواطئ الأجمل على ضفاف المتوسط من هنا حتى بلاد المغرب العربي. فهذا الكتاب يرصد مسيرة أمة من خلال سيرة مجلة، فأفراح العرب وأتراحهم وجدت مكانًا على صفحات (العربي)، جنبًا إلى جنب مع أعلام تاريخهم الناصع، ورواد ثقافتهم العريقة، وأحداث أمتهم الجلل، وأقلام القراء ؛ كل ذلك معًا جعل من (العربي) ديوان الحياة العربية المعاصرة
---------------------------------------
الكتاب: العربي.. ديوان الثقافة العربية
إعداد: خالد عزب، محمد السيد، أحمد منصور
الناشر: مكتبة الإسكندرية2008
عدد الصفحات: 390صفحة
المقاس: 28 * 30 سم.
------------------------------------
محمد الحمامصي / جريدة ايلاف

Tuesday, April 15, 2008

صلاة من أجل العائلة» لرينيه الحايك


هواء آذار يُسقط زهور الياسمين على وجهي. أغمض عيني. أنسى الصور في رأسي. العتمة تشتد. الهواء يؤرجح شجرة الصنوبر». منذ الأسطر الأولى تكشف الكاتبة رينيه الحايك في عملها الروائي «صلاة من أجل العائلة» عصب أحداث الرواية المتمثل في التوق الى الانفصال عن صورٍ في الرأس، ولكن عبثاً المحاولة فهي لن تفعل سوى جمع خيوطها من هنا وهناك.
إنها أصوات الذاكرة تتدحرج وحدها على الأرصفة، تتسلق الجدران، تنهض في الصباح شجراً في البال، تقيم في المساءات والأحلام التائهة. وفي شريط الذاكرة، صورة عالقة لأحب الناس على قلب الراوية، إنها الأم، التي ستعكس لنا الرواية سيرتها الذاتية على لسان الابنة التي تتلقى خبر وفاة الأم في المأوى فتروح تستعيد أماً لم تكن يوماً طفلة، فقط أرسلتها والدتها الى الخدمة في المنازل

------------------------
غير مبالية بصغر سنها حيث تعرضت للقسوة والقهر. لكنّ الأمر لم يخل من محطات مشرقة عرفتها مع عائلة «اسطمبولي» العائلة الوحيدة التي شعرت في كنفها بالأمان. أجلسوها الى طاولتهم حيث عرفت شيئاً من حنو الأب ساعدها على قهر دموعها. فالسيد يناديها «روزي» أو ابنتي ويصطحبها مع أولاده الى سينما ريفولي... ومن الخادمة الى الزوجة والأم لثلاثة أولاد تعيش راضية أحلى سنوات العمر، لكنّ لعنة القدر تلبسها وجعاً من أوجاع الوطن لن تقوى عليه، فقد خُطف الزوج وهو الحبيب والمعيل. تتصدع الأم ومعها العائلة، تمضي قليلة الكلام كثيرة الشرود، تعود تعمل كطاحية في دير مصطحبة معها الابنة التي تقول: «حتى خلال مساعدتي لها لم تكن تتكلم... أيام تمر، لا أحكي فيها إلا بالمدرسة
-------------------------
يكبر الأولاد، عبده الابن الأكبر يغادر للعمل في الخليج، خطف والده تركه في وجهه حركة عصبية، لم تزل على رغم مرور الأيام. نقولا الأخ الأصغر ظل في لبنان، هو على عاطفة كبيرة، سريع التأثر آلمه كثيراً اضطراره الى إرسال أمه الى المأوى. أما الابنة فتتزوج وتسافر الى كليفلاند والعلاقة الزوجية باردة لا تطاول كيان الزوجة: «لا يفهم إصراري على تحضير كميات قليلة من الطعام» و «يزعل من الثياب القديمة التي ارتديها». أنجبت ولدين على تناقض في الطباع، سالي وهي الفتاة الباردة الشديدة الاستقلالية والقساوة ورودي الشاب الفنان والقريب من أمه. هكذا تتابع الابنة حياتها حاملة معها وجع حلمها القديم لفتاة تركض بقوة، تصعد السلالم بلحظة وتقول: «ماما، رجع أبي».
-----------------------
من أبرز السمات الفنية في الرواية تنوع الأساليب المستخدمة، دائماً مع اعتماد الجمل القصيرة التي تدفق صوراً. يبرز اسلوب الرؤية المحايدة حيث يتكون لدى القارئ انطباع بأن الكاتبة تعرف أكثر مما تعرفه الشخصيات لكنها لا تطرح معرفتها أو تسعى الى تفسير خط الأحداث بواسطتها أو تسوّغ بها أفعال الشخصيات إذ تحرص الكاتبة على أن تصل الشخصيات بذاتها الى ذلك تاركة للقارئ ان يربط بين الوقائع ويستنتج. فبرودة أو عقلانية شخصية سالي ومزاجية أو هامشية شخصية إيفان تأتي دلالاتها على سبيل المثال من أقوال صادرة عنهما وأفعال تكتفي الكاتبة بسردها بذكاء فتشكل نقاط كشف وإضاءة تضيف الى الرواية أبعادها الدلالية بعيداً من اسقاطات شخصية أو جمل اعتراضية..
------------------------
ويبرز بوضوح أسلوب الرؤية من داخل حيث الاكتفاء بما تسمع الكاتبة «أسمع صوت نرد يتدحرج فوق الخشب. يداً تصفق الخشب. صوتاً يحتج، كرسياً يتدحرج بقوة...» ونتلمس أحياناً أخرى رغبتها في تجاوز ذلك «تمسك طرف الشرشف الأبيض كأنها تهوي الى وادٍ بلا قعر».
وتنجح الكاتبة في إظهار وعي كلّي متكامل، فهي على معرفة بتفاصيل الأحداث الخارجية أكثر من الشخصيات وتعلم ما يدور في وجدانهم وتتقن تمرير رؤيتها هذه في خدمة التصاعد الدرامي. ففي سبيل تبيان تعبها ويأسها الشديدين تمرّر للقارئ معرفتها المسبقة لما سيحصل عندما سيأتي زوجها: «سيتصل بثلاثة من أصدقاء الطفولة، سنجول كالعادة كالسوّاح وسنسهر في المطاعم، ندعو ونُدعى. نتعرّف على الآثار، نتصور في بعلبك والأرز... نشتري التذكارات، نزور جدّيه وعماته وخالاته».

--------------------------
وإضافة الى قدرة الكاتبة على صوغ التجارب الحياتية بأساليب لغوية وفنية بارعة تبرز قدرتها على استخدام الأبعاد النفسية والوجدانية، ومن وسائلها لتحقيق هذه البراعة تصوير أو تجسيد الحالات الوجدانية داخل صور مؤثرة تتراوح بين الرومنطيقي والدرامي فتحمل في رومنطيقيتها المتلقي الى آفاق من المتعة والتأثر الدرامي، فتروح تتخيل تلك الأم حتى تكاد تشتم رائحة يديها المعروقتين وتسمع لهجتها القروية وتتألم لحالها في المأوى، تأكل مخفية فمها بيدها خشية وقوع فئات يغضب الراهبة. وتتعاطف معها لإدراكها خجل ابنتها من البقاء قربها في محيط عائلات أخرى لا تشبهها فتحذر في الإيماء لها.
--------------------------
صلاة من أجل العائلة» عمل روائي ينهض على الموقف الاستدعائي والاسترجاعي، الذي يختلط برغبة جامحة في الامتزاج بالماضي والحرص على استبقائه والتفاعل معه. وتجيد الكاتبة اللعب على وتر مستويات الماضي الذي تستعيده مضيئاً، متداخلاً لكنه يظل حاضراً في نفسها لوضوح أثره فيها حتى لحظة الكتابة: «صور كثيرة تطلع فجأة. استغرب وضوح تفاصيلها». وهناك نمطان من الاسترجاع: القريب من خلال الحلم، فعشرات الأحلام تتوالى حتى أن الكاتبة لا تطيل البقاء خارجها: «أنهض من الحلم والضوء يطلع»، فهي تمارس الحلم ليلاً ونهاراً، حباً، حزناً وخيبات، الى الاسترجاع البعيد مثل استرجاع مشهد طاولة الطعام: «تنهض عن الطاولة مراراً، كأنها تخشى الأكل... أكاد لا أتذكر طريقتها في الأكل. قلما أراها تفعل. دائماً هناك تعليق عما يحبه أبي من الطعام وما لا يحبه... تنتهي من الطعام ويبقى دائماً حصة كبيرة لأبي الذي سيعود جائعاً
---------------------------
تمتزج الأحلام بالذكريات فتتحول الحياة اليومية الى ومضات تفصل بينها محطات من الذاكرة حتى لحظة النهاية ومشهد الجنازة حيث تستعيد الكاتبة في طريقها حلمها الصباحي وقد أيقظت أولادها الصغار من نومهم الجميل وتذكرهم بأنهم سيذهبون جميعاً الى النهر. لعله ذلك النهر الذي اخترق يوماً تلك العائلة الوادعة يخترق اليوم حلم الابنة التي تألمت كثيراً على عائلتها وقليلاً على حالها فجاءت «صلاة من أجل العائلة
-------------------------
ليليان يمين البدوي / الحياة

Tuesday, April 01, 2008

رواية «لغة الماء


مهند صلاحات – الأردن تسعى الروائية الفلسطينية عفاف خلف من خلال روايتها «لغة الماء» الصادرة بطبعتها الأولى عن منشورات مركز أوغاريت الثقافي برام الله في نهاية عام 2007 ، لتدوين مرحلة متقدمة من التاريخ الفلسطيني الحديث، وخاصة الفترة التي تقع ما بين أبريل 2002 وما بعدها وهي التي شهدت أشد الاجتياحات الإسرائيلية الأكثر وحشية للمدن الفلسطينية.حيث تنطلق بروايتها من مدينة نابلس «شمال الضفة الغربية» بلغة شعرية دافئة، رغم نقدها اللاذع والقاسي لحالة التراخي التي أصابت مرحلة النضال الشعبي، والمؤسسات الرسمية، مازجة بين رقة الكلمات، وقسوة الرمزية والدلالة.وما بين الحنين للماضي، والغزل الجميل في المدن القابعة على صدر البحر المتوسط، وصولاً لمشاهد الدمار والمعارك، التي يصفها صوتان يرويان الحدث في داخل الرواية، ولتنهي كل جزء من الرواية بحاشية في نهاية الجزء توضح فيه معنى لمرحلة، أو تضيف إليه جملة تختزل ما أرادت قوله، وهو ما أوقع الرواية بسبب هذه الحواشي في بعض الأحيان في المباشرة غير المحبذة في الأدب الروائي.


-------------------------------
بدأت عفاف روايتها بحديث «محمد العربي»: أحد المقاومين الفلسطينيين في مدينة نابلس الذي عاصر الانتفاضة الفلسطينية الأولى، واعتقل في سجون السلطة الفلسطينية بسبب مواقفه السياسية المعارضة للاتفاقات السياسية، وصولاً إلى انتفاضة الأقصى الأخيرة، حيث يعيش الحدث مع حبيبته «فاطمة»، بمزج الظرف السياسي، والحضور المكثف للمعاناة اليومية، بقصص الحب، التي تنمو وسط الدمار والحصار، لتتغلب على حالة الانكسار، ويكبر فيها الشعور الإنساني، مقدمةً صورة قد تبدو درامية لمن لم يعش الحدث، بأن الفلسطيني رغم الموت والدمار، ظلّ قادراً على الحب والعطاء.لم تنسَ عفاف خلف الجانب الأهم أدبياً وفكرياً في توظيف الحكاية الشعبية ضمن نسيج الرواية، فهي الذاكرة التي تحاول حفظها وتدوينها، وإبقاءها حية خوفاً من ضياعها وتلاشيها.
-------------------------------
ورغم كل ذلك الحنين، والشاعرية في الوصف، فإنها لم تكن لتخرج برواية رومانسية في استعراض الواقع، أو محاولة لاستنساخ حلم جميل، بل كانت أكثر قسوة على واقعها من حدثه، فقد جسدت الحالة الفلسطينية والعربية ببطلة روايتها الفتاة «فاطمة» التي بترت قدميها إثر إصابة في الانتفاضة، والتي أيضاً كانت قبل الحادثة مرتبطة بمحمد بخطوبة، ولكن إثر اعتقاله، وإصابتها تم فسخ هذا الارتباط، لكن علاقة الحب التي تربطهما بقيت قائمة حتى بعد زواجه، لتشير بذلك إلى الدور العربي والفلسطيني الرسمي المبتور والعاجز
-------------------------------
تقول بطلة الرواية «فاطمة» في أحد الحواشي الأخيرة: «ماتت شجرة الياسمين، أحرقها القصف فلفظت آخر أنفاس الزهر رماداً أبيض، حمدت الله، خفت أن تتسرب إليها حمرة الشوارع، فينز من أغصانها الدم بدل البياض، وكأنما إجلالاً لسطوة الموت، ارتدت السواد. ذكرتني به، بموتنا الأبيض».
وكأن الروائية بهذه الحاشية أرادت اختزال فكرة الرواية كلها، في نقد حالة الفوضى والفلتان، وحالة من النضال العبثي في المرحلة الأخيرة من الانتفاضة في عبارة «موتنا الأبيض» أي الموت دون ثمن، ودون تحقيق مكاسب من هذا الدم المنسكب، وحالة الضياع التي يعيشها الإنسان والذي عبرت عنه بشجرة ياسمين بيضاء احترقت، في حين جسّد «محمد العربي» لديها حالة التناقض والاختلاف الفلسطيني، فهو المواطن الفلسطيني الذي حاولت أيضاً كسر القدسية التي وضعها الإعلام العربي حوله، لتقول بأن الفلسطيني شخص عادي، يحب ويكره، ويرتكب الذنوب، ويتخلى عن حبه حين يشعر بعجزه.

------------------------------

وهناك أيضاً شخصية آمنة، جارة فاطمة، التي تتعرض للضرب من زوجها العاطل عن العمل، تتعرف خلال الاجتياح على أحد المقاومين «لبيب عبدان» وهو المسؤول اللوجستي لمجموعة «محمد». وهو شخصية انتهازية، تحمل من الآفات الكثير، وتربطه بآمنة علاقة، ويعرفها على العميل «مصطفى الناظم» الذي يقوم برصد محمد ويودي به...
ومن خلال شخصية لبيب عبدان أشارت بشكل واضح للفلتان الأمني وفرصة ظهور الشخصية الانتهازية وتجار الحروب، وأنها بداية في طيات الرواية بذكر محمد شيئا عن تحويل المطاردين لفئة منبوذة ومطاردتهم وهو ما تنبئ عنه المرحلة القادمة...
فأهمية هذه الرواية بأنها تؤرخ لفترة، أو مرحلة هامة ومفصلية عاشها الشعب الفلسطيني أثناء الاجتياح الصهيوني لمدينة نابلس، الذي جاء كمكمل لعملية السور الواقي، التي طالت الضفة الغربية وقطاع غزة، محاولةً مزج الواقع بالخيال الروائي الموظف، للفت انتباه القارئ من أجل الاطلاع على هذه الكارثة، لتكون جزءاً من تاريخ المدينة وسيرتها.
-------------------------------

ولأن هذه الرواية كتبت لتوثيق مرحلة من مراحل تاريخ الشعب الفلسطيني، فلم تنس كذلك الروائية أن تُسقط الماضي وتعيد استحضاره بين السطور التي تمثل الواقع الافتراضي، فهي ترسم ذات صورة نكبة سنة 1948، في مقاربة لذات مشهد اجتياح المدنية الحالي، ليبدو أنها أرادت أن تقول بأنه رغم التشاؤم الواضح والمباشر بالرواية إثر الحدث الذي لا يدعو للتفاؤل، فإن أمالاً بقيت معلقة على شيء جميل يلوح في الأفق، وأبقت هذا التفاؤل ملكاً لمستقبل.عفاف خلف: لماذا الرواية؟و عن سبب كتابتها هذه الرواية، صرحت عفاف «للعرب»بأنها انطلقت من منطلق كون الرواية تاريخ الذين لا تاريخ لهم، فإذا كان التاريخ حكراً على الصفوة، يُسقط عادي الأسماء، لكن الرواية ليس بمقدورها ذلك، لأنها تقوم على الناس. مضيفة: نحن نروي كي لا نموت، ننبعث من رماد الحبر ونخلق عوالم ربما أتت الرواية من هم أساسي حملته، ونحمله جميعاً، من رغبةٍ بهتك الحجب التي تعلو حياتنا، من حصادنا أرقاماً في تقارير الصحف ومحطات الأنباء، كان لابد لهذا الرقم من حمل ملامحه، هويته، أحلامه الصغيرة، لابد له أن يعود ليحمل إنسانيته، ليأخذ مكانه بين الصفوف البشرية، بعد اختصاره لرقم...
---------------------------------
غزلتها على نول الجدة كي أستقطب خيطها الأكثر متانة، تلك الذاكرة الشفوية التي تكاد تندثر، ويمر جيل إثر جيل إثر جيل ليقولوا تلك أساطير الأولين. وليس من أسطورة أشد مرارةً من ذاك المفتاح -الصليب- ينغلق عليه فضاؤنا الفلسطيني، وكأننا كل الأقفال، وليس العالم بمفتاح..لم أبالغ في الماضي، ولم يترك لي الحاضر إلا حبراً توارثه الورق، إطفاء لذاكرة على عتبات بياض قد يُنكر كل الأصوات، إلا أصواتاً كتب أسطورتها الموت، كل شيء معد للتزوير، إلا نصاعة الكفن ورائحة الدم، هذه أشياء لا تُزور
--------------------------------
منقول /
مجلة الغربال