Friday, November 23, 2007

المثقف ولقمة العيش.. من المسيطر؟


عندما كان المثقف هو شاعر القبيلة الناطق باسمها والمعبر عن أمجادها؛ لم يكن هناك انفصال بين المثقف ومشروعه الثقافي من جهة، وبين لقمة العيش من جهة أخرى، لكن الموقف تغير بعدما أصبح فن المثقف هو وسيلته إلى لقمة العيش، فرأينا شاعر الربابة يغير في نهايات قصص "أبو زيد الهلالي" حسب جمهور المقهى؛ هل هو مع الهلالي أم مع الزناتي خليفة؛ كي يحافظ على بقائه ولقمة عيشه، بصرف النظر عن رأيه واقتناعه الشخصي.
رأينا أيضا شاعرا فحلا كأبي الطيب المتنبي يتخذ فنه وسيلة إلى لقمة العيش التي يطمح إليها وهي الإمارة، فأراق ماء شعره على أبواب الأمراء ولم يحظ بما يرغب.

-----------------------------
وفي العصر الحديث أصبحت العلاقة بين المثقف ولقمة العيش أكثر تعقيدا، فقد تداخلت عوامل كثيرة كالسياسة، ومدى توزيع الأعمال الثقافية وانتشارها، مع تزايد معدلات أمية الكتابة والقراءة والأمية الثقافية على السواء، ودرجة تأثير المثقف في مجتمعه هل هي عميقة أم هامشية وضحلة، وقدرة المثقف على ضمان عائد من مبيعات إنتاجه يحقق له مستوى معيشيا معقولا.
رأينا بعض المثقفين المصريين في بدايات القرن العشرين يبيعون إنتاجهم لمن يشتري، يكتبون المقال وضده لينشرا في صحيفتين متنافستين، ورأينا شاعرا جيدا كعبد الحميد الديب تموت موهبته مبكرا، ويكره هو الحياة لأنه لا يستطيع أن يضمن لنفسه ما يسد به رمقه، ورأينا قاصا فحلا كمحمد حافظ رجب في الستينيات يصرخ "نحن جيل بلا أساتذة"، رافضا محاولة تدجين جيل من المبدعين بجعلهم موظفين في المجلس الأعلى للثقافة

-------------------------------
ورأينا أسماء كبيرة رمت إبداعها في أحضان السلطة وتحت أقدامها، وأسماء مبشرة باعت مشروعها الإبداعي من أجل حفنة ريالات.. الموضوع شائك ومتعدد الجوانب، فمن يسيطر على من: لقمة العيش أم المثقف؟
ومتى تقف لقمة العيش عقبة في سبيل إتمام المشروع الثقافي؟ ومتى يتم اتخاذ المشروع الثقافي مطية إلى لقمة العيش؟
وما تأثير كل ذلك على دور المثقف ورسالته في مجتمعه؟ وهل يؤثر المحدد الاقتصادي على المثقف فيساعد على تدجينه أو جعله يتغاضى عما هو جوهري من مشكلات أمته، أو يكتب ما يريده الآخرون، أو حتى يكتب للآخرين، أي يعطيهم إنتاجه لينشروه باسمهم؟

----------------------------------
يقول الروائي "محمد جبريل": "نعم، لقمة العيش تسيطر على المثقف، والمبدع تحديدًا، وهي قد تؤثر على دور المثقف في المجتمع ورسالته فيه، وتساهم في تدجينه هو ومشروعه، وتجعله يتغاضى عن مشكلات مجتمعه الحقيقية، ويكتب ما يريده الآخرون، وأحيانًا يكتب للآخرين".
ويرى في الأمية التي يعانيها مجتمعنا أداة تساعد على شدة وطأة لقمة العيش على المشروع الثقافي؛ لأن المثقف لا يستطيع أن يمتلك ضرورات العيش الكريم من خلال بيع كتبه في هذا المجتمع الأمي. والظاهرة التي ألفها الجميع أن الكاتب يصعب أن يتقاضى مقابلاً حقيقيًا من كتاباته، وقد لا يحصل من تلك الكتابات على مقابل من أي نوع.
ويتابع: "كنت أرى أن الأدب في بلادنا لا يؤكل عيشًا، ولعلي أتجاوز هذا الرأي فأؤكد أن الأدب يحتاج إلى من ينفق عليه".

----------------------------------
إذًا المشكلة أعمق من أن تناقش من خلال بضعة آراء. إنها تحتاج إلى مناقشات مستفيضة حول المنحدر الذي تمضي فيه مهنة الكتابة، رغم وجود وزارة للثقافة، واتحاد للكتاب، وهيئات كثيرة، هي الأولى -أو هذا هو المفروض– برعاية المشتغلين بالكتاب.
-----------------------------------
ويرى الروائي "فؤاد قنديل" أن لقمة العيش تكون أحيانا عقبة أمام بعض المبدعين، لكنها ليست كذلك دائما، فهناك مبدعون قادرون على تحجيم مطالبهم والاكتفاء بمطالب مادية بسيطة، وأحيانا تطالعنا موهبة واعدة ومتوهجة ثم تطاردها لقمة العيش وتستدرجها بعيدا عن مشروعها الإبداعي فيتحلل هذا المشروع، وهناك نوع استطاع أن يوازن بين مشروعه الأدبي ولقمة العيش بحيث أمكنه أن يستثمر المشروع ذاته في الحصول على ما يوفر له حاجاته الضرورية وأحيانا الكمالية.
وفي كل الأحوال، يضيف قنديل، لا بد أن تكون هناك سمتان أساسيتان في المثقف هما: فن إدارة المشروعات ليحدد هدفه وخطته وكيفية تنفيذها، وأن يتمتع بقدرة عالية على المقاومة ضد غلبة العيش على الأدب، فالفلاح كله في الموازنة بينهما.

--------------------------------------
ويضيف: "لن يتحقق التوازن إذا كان هناك مشروعان واحد للأدب وواحد للقمة العيش، كأن يكون المبدع أديبا وتاجرا أو رجل مقاولات، التوازن الذي أقصده هو أن يحقق الأدب للأديب ما يحتاج إليه من لقمة العيش بحيث يكون مشروع حياته واحدا خوفا من أن يدهس المشروع التجاري المشروع الأدبي بالتأكيد".
ويضيف "قنديل": "يختلف أمر المحدد الاقتصادي من شخص لآخر، فهناك من لديه إحساس جمعي يميل إلى الجماعة، وأقصد هنا معنى الانتماء والرغبة في تطوير هذه الجماعة، وهذا هو المثقف صاحب الرسالة يؤدي هذا الدور من خلال قناة الإبداع وقناة العمل العام".
ويرى أن لقمة العيش أصبحت وسيلة لتدجين المثقف من قبل السلطة السياسية، حيث إن الكثيرين سقطوا في أحابيلها، وأكلوا على موائدها، ووقعوا في فخاخها، ولووا أعناق الأدب لحساب هذه السلطة ورغباتها، وذهبوا إلى حيث تشير أصابع السلطة.

---------------------------------------
ويواصل: "إذا كان لدينا أمة قارئة فلن يكون هناك ازدواجية، حيث يستطيع الأدب أن يوفر لقمة العيش، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لاستخدام المبدع أو تدجينه أو فقدانه بسبب الحسرة والكمد اللذين فقدنا بسببهما الكثير من مبدعينا الذين عجزوا عن التوفيق بين الإبداع ولقمة العيش".
--------------------------------------
سلطة الرزق!

هل تُطعمُ الثقافةُ خبزًا؟
يشرح الناقد "شوقي بدر يوسف" أثر العلاقة بين لقمة العيش والمثقف، ويقدم نماذج من استخدام السلطة في مصر للقمة العيش بأشكالها المختلفة في التأثير على المثقف فيقول: "هناك سلطة تقع على كاهل المبدع، وهي سلطة كئود لا يستطيع الفكاك من أسرها بأي حال من الأحوال، وهي سلطة مورد الرزق، كما أنها بعيدة كل البعد عن هاجس الاختيار من عدمه، فهي تمسك بخناقه على الدوام، ولها الأولوية في اهتماماته.
ومن ثم فهي أمر حيوي للغاية بالنسبة له، وبدونها فإن العملية الإبداعية لن تتم بأي حال من الأحوال، خاصة إذا كان المبدع له أسرته التي يعولها. كما أنها قد تتحكم تحكما كبيرا في حرية تعبيره خاصة عندما يكون الكاتب المبدع يتبنى أفكارا لا تمالئ السلطة أو تتعارض مع توجهاتها"، ويضيف: الكتابة ليست بحال من الأحوال هي المورد الأساسي لرزق الكاتب، إلا إذا كان يعمل في مجال مثل مجال الصحافة أو الترجمة أو يعتمد اعتمادا كليا على ما يكتبه ويتعيش منه ويعتبر مورد رزقه الأساسي؛ لذا فإن الأمر في هذه الحالة يعتبر حالة خاصة من حالات التكسب، وهو أمر ذو خطورة بالنسبة للكاتب أو المبدع، فحرية التعبير في هذه الحالة من الممكن أن تكون مستلبة أو مسيطرا عليها. وسلطة الرزق من السلطات التي تجعل حرية التعبير عند الكاتب في خطر فهو دائما في جهاده إذا كان صاحب رأي أو مشروع ثقافي أو ما إلى ذلك يكون عرضة للوقف أو الفصل أو التحكم فيما يكتبه.
ويلجأ الكثير من الكتّاب إلى موارد أخرى بجانب موارد الإبداع كمورد احتياطي حتى لا يكون قلمه عرضة للتحكم فيه

--------------------------------
يسرد الناقد "شوقي يوسف" الأمثلة لعلاقة الكاتب بمورد رزقه، ومنها ما حدث في 4 فبراير 1973 حينما أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارا انفعاليا بطرد عدد كبير من الأدباء والصحفيين والكتاب من أعمالهم الأصلية. وحادثة سبتمبر 1981 حينما جمع السادات عددا آخر من الكتاب في سلة واحدة ووضعهم في السجون.
----------------------------------
ترى الناقدة د.لبنى إسماعيل، مدرسة الأدب الإنجليزي بقسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، أن المثقف الحق هو مشروع ناجح يجسد رغبة إنسان "غير عادي" لتخطي حدود ما هو عادي ومألوف، للوصول إلى إنجاز إنساني على المستوى الشخصي في المقام الأول، ثم يتوجه نظر هذا الإنسان وما حققه من رحابة الأفق والرؤية إلى المستوى العام.
وتشير إلى أنها تعني بذلك تواصل الفرد –المشروع- مع المجتمع ككل، عندها تستحيل نجاحات المشروع الشخصي إلى لبنات أولية لمشروع ثقافي تتحقق من خلاله متعة المشاركة واكتشاف محاور جديدة من الذات الفاعلة المثقفة، وكلاهما يعمق الشعور الفردي بالانتماء إلى مجموعة متجانسة من البشر تدور في فلك ثقافي متآلف، يحدوهم جميعا الأمل في مزيد من "المشاريع" الناجحة التي تحقق لهم مكانة اجتماعية وكرامة العيش

------------------------------------
وترى أن تلك الأجواء لا تتوفر للمثقف المصري الذي هو نتاج بيئة اجتماعية تتميز بفقر العملية التعليمية التي أفرزت أجيالا ضاق أفقها، فندرت رغبتها في تخطي حدود ما هو مرئي وما هو مسموع. كما أن المثقف المصري أيضا هو نتاج بيئة اقتصادية تهرأت بفعل سلسلة من الهزات المتلاحقة، فانحسر المشروع الثقافي العام، وانقطعت أواصر التواصل بين الفرد والمجتمع في أغلب الأحيان، ووقف كثير من المثقفين حائرين ما بين رحابة الأفق البعيد وضيق العيش، فتحالف البعض منهم مع قوى سياسية أو إعلامية بعينها في محاولة منهم للحفاظ على ما تبقى من مشروعهم الثقافي الشخصي، وتنازل البعض الآخر عن ذاتهم لذوات توفر لهم رغد العيش، وأجهضت مجموعة أحلامها الثقافية وراحت تبحث عن أفلاك أخرى لتحقيق مشروعات أكثر نجاحا وتحقيقا للذات كالمشروعات التجارية، وبقيت قلة قليلة تحث الخطى بلا خوف، لا تسيطر عليها هواجس لقمة العيش، لكن هؤلاء يعيشون دائما ومشروعهم في خطر من تقلبات المجتمع والزمان معا.
------------------------------

منير عتيبة
أديب وروائي مصري.

Saturday, November 17, 2007

"التلصص".. وراية بقلم صنع الله ابرهيم


هل تعب صنع الله إبراهيم من رؤية العالم عبر أيديولوجية محددة؟ أم شعر بعدم جدوى هذه الرؤية أو محدوديتها؟ أم أراد أن يقوم بمغامرته الروائية الكبرى فتخلى عن أبرز سماته "أدلجة النص الأدبي"؟. هل قرر صنع الله إبراهيم في روايته الأخيرة أن يتعامل مع الحياة نفسها، دون فكرة مسبقة، أو منظور محدد، فجعل واقع الحياة اليومية يكتب روايته بنفسه، وليحقق هذا الهدف جعل بطل الرواية طفلا في التاسعة من عمره؟. "التلصص" هو عنوان الرواية "دار المستقبل العربي 2007"، وهو المفتاح الأول لقراءتها أيضا، التلصص يكون عادة باستخدام العين؛ لذلك استبدل صنع الله إبراهيم بقلمه كاميرا سينمائية، وأخذ يكتب بها نصه.
------------------------------
الكاميرا كأداة فنية
ولأن الكاميرا هي الأداة الفنية التي كتبت بها الرواية؛ لم يكن أمام المؤلف سوى استخدام الفعل المضارع الذي يؤكد الآنية في الزمن، والمشهدية في الوصف، حتى المقاطع التي تتعلق بذكريات بطل الرواية الصغير، أو مخاوفه، أو أحلامه؛ يتم رصدها جميعا بعين الكاميرا باستخدام الفعل المضارع، وهذا ما جعل الجمل قصيرة جدا، بعضها يتكون من كلمة أو كلمتين، وهو ما يستدعي يقظة شديدة عند القراءة لمتابعة سلسلة الأفعال التي يصفها الكاتب بعين الكاميرا.
------------------------------

وهذه التقنية في الكتابة هي ما جعلت الكاتب يعتمد على الوصف الخارجي للأماكن، والشوارع، والأشخاص، وملابسهم وتعبيرات وجوههم، تاركا للقارئ استشفاف حالاتهم النفسية، ما عدا الصبي-البطل الذي يهتم المؤلف بتعميق حالته النفسية عن طريق وصف ما يرد على ذهنه من مشاهد، ولذلك نادرا ما نجد جملة كهذه في الرواية "يعود أبي حاملا كيسا من عنب "جناكليس" الوردي ذي الثمرات السميكة. وآخر من "القتة". لا أحب "القتة" لما بها من مرارة. أفضل عليها الخيار) ولعلها المرة الوحيدة في الرواية التي يعبر فيها الكاتب عن رأي أحد أفراد روايته من خلال وصف تقييمي على لسان الراوي، وليس من خلال وصف مشهدي أو جملة حوار.
------------------------------
كما لا يصف الكاتب أبدا شيئا لا يراه البطل الذي يروي بضمير المتكلم، فإذا أراد إكمال المشهد بشيء لا يراه يكتفي بوصفه صوتيا، كأنه "صوت من خارج الكادر" كما يقول كتاب السيناريو السينمائي الذي نرى كثيرا من سماته في هذه الرواية؛ ففي ص214 مثلا: "يحمل عمو فهمي صندوق الطاولة: يا ألله ع الفرانده. يدخلون غرفة المسافرين ومنها إلى الفرانده. أتبعهم. أتلكأ قرب بابها. يجلسون فوق كنبة بلدية تحيط بها كراسي معدن
-------------------------------
صوت الحاج "أحمد" يسأل عن "شوقي" و"شيرين". صوت عمو "فهمي": بيلعبوا تحت -عملوا إيه في الامتحان؟ صوت "نبيلة": نجحوا الحمد لله زي كل سنة. ومن أول كلمة في الرواية يحمل الكاتب الكاميرا ويسير مع بطله ببطء شديد واصفا كل التفاصيل، حتى ما يمكن أن يعرفه القارئ دون ذكره؛ فالكاميرا تصف كل ما أمامها، ولذلك فأنت أمام رواية إيقاعها شديد البطء عن قصد؛ فالكاتب يريد إعادة بناء عالم كامل بكل تفاصيله، فلا تفوته شاردة ولا واردة يمكن أن تلتقطها عين الصبي-الراوي، بل إنه يبدأ الرواية بكلمة "يتمهل" ويقدم في فقرتها الأولى أسلوب الوصف الذي سيستخدمه في بقية الرواية، وكأنه يعقد اتفاقا مع القارئ منذ العتبات الأولى للنص "يتمهل أبي في مدخل المنزل قبل أن نخطو إلى الحارة. يرفع يده إلى فمه. يتحسس طرفي شاربه الرمادي الملويين إلى أعلى.
يتأكد من أن طربوشه مائل قليلا ناحية اليسار. ينزع سيجارته السوداء المطفأة من ركن فمه. ينفض رمادها عن صدر معطفه الأسود الثقيل. يبسط أساريره لتتلاشى تجاعيد جبهته. يرسم ابتسامة على شفتيه. يقبض على يدي اليسرى. نتلمس طريقنا في ضوء الغروب

---------------------------------
مستويات القص والسرد
وفي الرواية مستويان للقص؛ قص ما يراه الصبي الآن، وقص ما يتذكره عن طريق التداعي، كأن يتذكر موقفا محددا حدث له عندما ذهب مع أبيه وأمه إلى السينما، يتذكر هذا الموقف كلما دخل ليشاهد فيلما جديدا، وتتكرر الذكرى بنفس الكلمات مرتين في الرواية "أهم بالجلوس فوق فخذيها فتبعدني عنها يأخذني أبي بين ساقيه. يمر بنا بائع في جلباب نظيف علق في ذراعه سبتا مغطى بالقماش. يشتري لكل منا سميطة بالسمسم. يعطينا البائع معها شريحة من الجبن الرومي فوق ورقة في حجم الكف" ص10، والعبارة نفسها ص159.
-------------------------------------
وتعطي مستويات النص هذه للرواية عمقا؛ رغم تعاملها السردي مع ما هو خارجي، حيث تتجادل مشاهد الوصف الآني ومشاهد الذكرى أو الأمل أو الحلم أو الخوف، لتعطينا صورة دقيقة للصبي وعالمه الخارجي والنفسي معا. وحوار الرواية كله بالعامية القاهرية وهي لغة الكلام الطبيعية لشخصيات العمل، واستخدامها هنا في موضعه؛ إذ ينقل الكاتب الحياة على صفحات روايته.
------------------------------------
بطل الرواية
التقنيات التي يستخدمها الكاتب لبناء عالمه الروائي هي البطل الرئيسي لرواية "التلصص"؛ لأنه في هذه الرواية يقدم مشاهد من حياة صبي من الطبقة المتوسطة الفقيرة، يعيش وحيدا مع أبيه في حجرة فوق سطح أحد البيوت في حي شعبي بالقاهرة.
يسير الكاتب مع الطفل في البيت، في الحارة، في الشوارع، في المدرسة، في السينما، عند الجيران، عند الأهل، في أيام الدراسة، أيام الإجازة، شهر رمضان، عيد الفطر، عيد الأضحى، وعلاقات هذا الطفل وأبيه مع جيرانه وأهل الحارة وزملاء المدرسة والمدرسين، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد في ذلك الوقت، وهي الظروف التي ترد في المشاهد بلا قصدية واضحة عندما يعثر الطفل على جريدة أو مجلة فيتصفح عناوينها، أو عندما يجلس مع أبيه وأصدقائه في المقهى فيتحدثون عن غلاء الأسعار، وحرب فلسطين، وفساد الملك، وقرار الحكومة بإغلاق بيوت الدعارة، وأزمة المساكن، وعدم وجود شغالات، وأغنياء الحرب... إلخ، في دردشات لا تشعرك أنها تمرر إليك معلومات بشكل قصدي، وإن كانت ترسم الإطار العام للحياة في البلاد زمن الرواية

---------------------------------
رواية تدور في سنة
يقسم الكاتب روايته إلى 4 فصول، وزمن الرواية هو عام كامل، ومن خلال الفصول الأربعة تسير الحياة بالطفل الذي تتعقد علاقاته؛ فأبوه موظف بالمعاش، حاد الطباع، متجهم، زوجته الأولى متوفاة، وبطل الرواية الصغير هو ابنه من زوجته الثانية التي لم يعلن زواجه منها إلا بعد وفاة الزوجة الأولى، فيقاطعه ابنه الأكبر، لكن صلة ابنته "نبيلة" به لا تنقطع، وهذه الابنة متزوجة من موظف، لديها ولد وبنت، علاقتها بزوجها مضطربة، فهي متسلطة، وتتمنع عليه حتى تفقده الثقة في نفسه ورجولته، فيسعى خلف الخادمة ليستعيد رجولته الضائعة. وجار حجرة السطوح "كونستابل" يعيش هو وزوجته "روحية" التي نعلم بعد ذلك أنها ليست زوجته، ولكنها تعيش معه بانتظار أن يحقق وعده لها بالزواج، والحاج "عبد العليم" هو صديق الأب الذي يجلب له الخادمات لتخدمنه هو وابنه، لكن طباع الأب القاسية تجعلهن لا يتحملنه، وفي النهاية يقوم الحاج عبد العليم بتزويج "عباس" أحد رجال الحارة؛ مدمن سبرتو، من إحدى القرويات، ويجعلها تخدم في بيت "خليل بيه" والد البطل، ثم يكتشف البطل وجود علاقة غير مشروعة بين أبيه وزوجة عباس وإن كانت علاقة غير مكتملة لعدم قدرة أبيه العجوز المريض
----------------------------------
وماجد أفندي الذي يتزوج جنيّة اسمها زراكش، ويحدث أصدقاء المقهى عن ظروف الزواج، وحاله في البيت مع زوجته، وكيف أنه ذهب معها لزيارة أهلها، وأنها أنجبت منه(!!). والدكتور مندور الوفدي الذي يهاجم صحيفة أخبار اليوم باعتبارها نشرة بريطانية تعمل في خدمة الملك ضد الوفد فتصفه بالفدائي الأول، والملك الصالح، والعامل الأول، والتقي الأول!! ومن نتف المشاهد التي ترد فيها أم الصبي نعرف أنها مريضة نفسية، ويزورها الأب وابنه في المصحة في نهاية الرواية.
ولا ينسى أن يورد على لسان عبد العليم (إن الخردواتي باع كراسة بسعر يزيد مليمين عن التسعيرة الجبرية فحوكم بستة أشهر وغرامة مائة جنيه) ص49. وفي موضع آخر يتحدث عن (هزيمتنا في أولمبياد لندن) (ده اتصرف على بعثتنا آلاف الجنيهات. راحت كلها على فاشوش) (حقنا نسميها النكبة الأوليمبية. وبعدين يقولوا إننا حنستعد من الوقت لأولمبياد 52) ص228. ويشير إلى (الأحكام العرفية) ص229. ويتحدث عن (الرشاوى واستغلال النفوذ) 229. وأن (الوضع الحالي مش نافع. الأسعار بتزيد كل يوم. مصاريف المدارس زادت. والملك بيلعب القمار كل ليلة في نادي السيارات. والمسئولين يلعبوا "التيرو") ص230. والتيرو هي مراهنات الرماية في نادي الصيد. وتمتلئ الرواية بذكر أحدث الأفلام العربية والأجنبية المعروضة في السينمات في ذلك الوقت، وأشهر الأغاني التي يستمع إليها الناس في الراديو أو يرددونها في جلساتهم.

------------------------------------
وكذلك ألعاب الأطفال الشعبية، وحكايات الغول والشاطر حسن وغيرها من الحكايات التي كانوا يحكونها للأطفال قبل النوم، وأغاني الأطفال في رمضان، والتدين الشعبي الذي يبدو في سلوك والد البطل الذي يؤدي الصلوات، ويسبح الله على مسبحته الألفية ذات الألف حبة، ويراقب النساء في الشارع، ويحاول إقامة علاقة مع الخادمة، ويستعين في كل شئون حياته بكتاب "شمس المعارف الكبرى" الذي يمتلئ بالوصفات التي تجلب الرزق، وتساعد على المذاكرة والنجاح، وتحمي من الحسد، وتجعل الشخص غير مرئي... إلخ.
-------------------------------------
من الثورة إلي الفساد
تأتي كل هذه الشخصيات والأحداث ببساطة وطبيعية دون أي تنظير أو تبئير على شيء محدد، إنه مجرد طفل صغير يرى ويسمع، لكن هل صنع الله إبراهيم بهذه البساطة؟.
أعتقد أن الناقد يصف نفسه بالسذاجة إذا ظن أن أديبا كصنع الله إبراهيم يكتفي بهذا الرصد الخارجي لعام في حياة طفل.. فلماذا اختار هذا التوقيت بالذات؛ الفترة التي تسبق ثورة يوليو؟ ولماذا يتحدث عن خيبتنا في الأولمبياد، والأحكام العرفية، والفساد السياسي، وغلاء الأسعار؟.
كون الرواية تحوي جزءا كبيرا من السيرة الذاتية للمؤلف؛ ليست إجابة شافية، لقد كتب صنع الله إبراهيم روايته بوعي تام بالتشابه الكبير بين الفترة التي اختار الكتابة عنها، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها مصر الآن، بما يجعل زمن الرواية وزمن الكتابة متشابهين للغاية، ولعل هذا ما جعله يكتفي برصد الفترة التي يكتب عنها، ولعل هذا أيضا ما جعله يهتم بالتفاصيل الدقيقة جدا ليؤكد هذا التشابه.
وهنا أعود للسؤال الذي بدأت به: لا، لم يتعب صنع الله إبراهيم فيما أرى، ولم يغير منظور رؤيته للعالم، لكنه قدم هذه الرؤية بشكل أكثر عمقا، فكان النص/الحياة ممزوجا بالرؤية بدلا من أن يكون مطية للتعبير عن الأيديولوجية.

--------------------------

بقلم / منير عتيبة
أديب وروائي مصري.