إصدار الترجمة العربية لرواية «شجر الدر» للمناضلة درية شفيق: رحلة بين التاريخ والنسوية
في حدث ثقافي بارز يعيد إحياء التراث الأدبي المنسي، صدر مؤخراً عن دار «منشورات
الربيع» في العاصمة المصرية القاهرة، الإصدار الأول من الترجمة العربية لعمل
استثنائي طال انتظاره؛ ألا وهو رواية شجر الدر... امرأة متفردة. هذا العمل
الإبداعي العظيم هو من قلم الكاتبة والمفكرة ورمز الحركة النسوية في مصر،
الراحلة درية شفيق. الجدير بالذكر أن هذه الرواية قد كُتبت في الأصل باللغة
الفرنسية عام 1952، وظلت حبيسة الرفوف وغائبة عن المكتبة العربية طوال هذه
العقود الطويلة، حتى رأت النور أخيراً بفضل الجهود المخلصة والمتقنة التي
بذلتها المترجمة الدكتورة فاطمة خليل، لتقدم للقارئ العربي فرصة نادرة لاكتشاف
هذا النص النفيس.
![]() |
| إصدار الترجمة العربية لرواية «شجر الدر» للمناضلة درية شفيق: رحلة بين التاريخ والنسوية |
إصدار الترجمة العربية لرواية «شجر الدر» للمناضلة درية شفيق: رحلة بين التاريخ والنسوية
📌 أهم النقاط الرئيسية في المقال:
- صدور الترجمة العربية الأولى لـ رواية شجر الدر بعد أكثر من 70 عاماً على
كتابتها بالفرنسية.
- الرواية من تأليف رائدة الأدب النسوي والنضال السياسي درية شفيق.
- العمل يسلط الضوء على تقاطع سيرتين لامرأتين عظيمتين: شخصية سلطانة مصر شجر
الدر، وشخصية المؤلفة نفسها.
- إبراز الدور المحوري لدار منشورات الربيع في إثراء المكتبة العربية والمصرية
بهذا العمل.
- استعراض المسيرة الحافلة والمأساوية لمؤسسة اتحاد بنت النيل وكفاحها من أجل
حقوق المرأة في مصر.
العودة إلى القرن الثالث عشر: استنطاق التاريخ برؤية نسوية
في صفحات رواية شجر الدر، لا تكتفي المؤلفة بسرد حكاية من الماضي، بل تعود ببراعة
وإتقان إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وتحديداً إلى تلك اللحظة التاريخية
الفارقة التي شهدت أفول شمس الدولة الأيوبية وصعود نجم دولة المماليك. في
قلب هذا التحول الجذري والاضطراب السياسي، تضع درية شفيق امرأة استثنائية بكل
المقاييس، امرأة تمكنت بذكائها ودهائها من الخروج من زوايا الهامش المظلمة لتدخل
من أوسع أبواب التاريخ، منتقلة من موقع الجارية المملوكة إلى مقام سلطانة مصر
المتوجة.
- طوال مساحة السرد الروائي، نلاحظ أن الكاتبة تلتزم بصرامة تاريخية وحياد منهجي
- مذهل؛ فجميع الأحداث والوقائع التي تدور في فلك الرواية موثقة تاريخياً. وكأن
- الكاتبة من خلال هذا الالتزام تعلن بوضوح أن هذا العمل ليس مجرد سرد خيالي يندرج
- تحت تصنيف روايات تاريخية عربية، ولكنه في جوهره "مشروع معرفي" متكامل يطرح
- تساؤلات فلسفية وتاريخية عميقة حول:
- ما هو التاريخ الحقيقي؟ ومن يكتبه؟
- لماذا تتعمد السرديات الرسمية تهميش بعض الشخصيات الفاعلة، وخصوصاً النساء؟
- كيف يمكن لامرأة أن تتغلب على مجتمع ذكوري بحت لتصل إلى قمة هرم السلطة؟
من هي درية شفيق؟ أيقونة النضال النسوي المصري
تكتسب رواية شجر الدر أهميتها الاستثنائية، في المقام الأول، من الوزن الثقيل لاسم
مؤلفتها. إن درية شفيق ليست مجرد كاتبة عابرة، بل هي صاحبة تاريخ نضالي وسياسي
ونسوي يحفر في ذاكرة الأمة. تمتلك هذه السيدة العظيمة منجزاً إبداعياً وفكرياً
متعدد الروافد؛ فقد أبدعت في كتابة الشعر، والرواية، وبرعت في أدب الرحلات، فضلاً
عن مقالاتها وكتاباتها الفكرية والسياسية التي زلزلت المفاهيم الرجعية في عصرها.
ولفهم عبقرية هذه الكاتبة، يجب أن نتوقف عند محطات محددة في حياتها (مرتبة رقمياً):
1. النشأة والتعليم: ولدت في مدينة طنطا بشمال القاهرة عام 1908. ظهر نبوغها
مبكراً، مما أهلها للسفر إلى فرنسا حيث نالت درجة الدكتوراه في الفلسفة
الحديثة من جامعة السوربون العريقة في عام 1940.
2. الصدام مع ذكورية المجتمع: رغم تفوقها العلمي النادر في ذلك الزمان، صُدمت برفض
الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) تعيينها ضمن هيئة التدريس، والسبب
الوحيد كان مجرد كونها "امرأة".
3. تأسيس المنابر الثقافية: لم تستسلم لليأس، بل أصدرت مجلة «بنت النيل»، لتكون
أول مجلة نسائية عربية معنية بشكل مباشر بتثقيف النساء المصريات وتوسيع
مداركهن.
4. النضال الميداني والسياسي: تطور دورها الثقافي ليتحول إلى حراك سياسي منظم،
فأسست «اتحاد بنت النيل» في أربعينات القرن العشرين. وفي عام 1951، قادت
مظاهرة تاريخية قوامها 1500 امرأة لاقتحام البرلمان المصري (مجلس النواب)،
مطالبات بضرورة إقرار حقوق المرأة في مصر في المشاركة السياسية والانتخاب.
"إن قضية المرأة لا تنفصل أبداً عن قضية الوطن، فلا يمكن لأمة أن تنهض وتتحرر، ونصف
مجتمعها يقبع في قيود الجهل والتهميش الممنهج." — (من المبادئ الفكرية التي عاشت
وناضلت من أجلها درية شفيق).
رمزية البطلة: لماذا اختارت شجر الدر؟
العامل الثاني الذي يمنح هذه الرواية قيمتها، هو البطلة المروي عنها. تمثل شجر الدر
– بالنسبة للكثيرات من رائدات الأدب النسوي والناشطات الآن – رمزاً نسوياً جباراً
لامرأة لم تكتفِ بالبقاء في الظل، بل صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل
الظروف المعقدة، والمؤامرات السياسية، والحروب الصليبية المحيطة بمسيرتها.
- لقد رأت درية شفيق في شجر الدر انعكاساً لذاتها ولطموح المرأة المصرية بشكل عام.
- كلتاهما واجهتا مجتمعاً يرفض تولي المرأة زمام القيادة، وكلتاهما اضطرتا
- لاستخدام أقصى درجات الذكاء والمقاومة لإثبات جدارتهما. هذا التماهي بين
- المؤلفة (المناضلة الحديثة) والبطلة (السلطانة التاريخية) يجعل من هذا العمل
- الأدبي وثيقة نفسية وتاريخية بالغة الأهمية.
اقتباس من قلب الرواية: استكشاف أعماق الشخصية
لعل من أروع ما يميز قلم درية شفيق هو قدرتها على الغوص في أعماق النفس البشرية
وتصوير المشاهد ببراعة سينمائية. من أجواء الرواية، وفي وصف عبقري لمرحلة
الطفولة القاسية التي شكلت وعي البطلة، نقرأ هذا الاقتباس المؤثر:
- "لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة
- بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات،
- كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في
- مكان آخر.
كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه،
ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل
الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت
يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم."
هذا المقطع يبرز الجذور النفسية للتمرد بداخل البطلة، وكيف أن الرفض القاطع للواقع
الرمادي البائس هو الذي ولد بداخلها تلك الرغبة المشتعلة في الوصول إلى قمة السلطة
وتغيير قدرها بيديها.
أهمية الترجمة العربية في إحياء التراث الفرانكفوني العربي
لا يمكننا الحديث عن هذا الإصدار دون توجيه التحية إلى د. فاطمة خليل وإلى منشورات
الربيع. إن قضية الكُتّاب العرب الذين كتبوا أعمالهم بلغات أجنبية (مثل الفرنسية
والإنجليزية) في منتصف القرن العشرين هي قضية شائكة. لقد ضاعت العديد من
الإبداعات العربية لأنها لم تُترجم.
- تأتي الترجمة العربية لـ رواية شجر الدر لتسد هذه الفجوة في مسيرة المدونة الروائية
- العربية المكتوبة بلغات أخرى. إن إعادة تعريب هذه الأعمال هو بمثابة استرداد لجزء
- أصيل من الذاكرة الثقافية والحركة النسوية في مصر، وهو جهد يساهم في إثراء البحث
- العلمي والأدبي للأجيال الحالية.
النهاية المأساوية لمسيرة عظيمة
كما كانت حياة البطلة التاريخية مليئة بالدراما والمؤامرات، انتهت قصة نضال الكاتبة
درية شفيق بطريقة مفجعة وسينمائية حزينة. ففي عام 1975، وبعد قضاء حوالي 18 عاماً
من العزلة والإقامة الجبرية التي فُرضت عليها بسبب مواقفها السياسية الجريئة،
سقطت درية شفيق من شرفة شقتها بالطابق السادس.
- رحلت تاركة خلفها إرثاً ضخماً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات
- الحقيقية في مجال حقوق المرأة (مثل حق الانتخاب). ولكنها تركت أيضاً وراءها
- مزيداً من الحيرة والتساؤلات التي لم يُجب عليها التاريخ حتى اليوم حول حقيقة
- ونوافع نهايتها المفجعة؛ هل كان انتحاراً بسبب الاكتئاب والعزلة؟ أم أن هناك
- فصولاً أخرى لم تُروَ بعد؟
الأسئلة الشائعة (FAQ)
1. ما هي رواية شجر الدر ومن هي مؤلفتها؟ هي رواية تاريخية تسرد قصة صعود شخصية شجر
الدر من جارية إلى سلطانة مصر. الرواية من تأليف الكاتبة والمناضلة النسوية المصرية
درية شفيق.
2. بأي لغة كُتبت الرواية في الأصل؟ ومتى نُشرت الترجمة العربية؟ كُتبت الرواية في
الأصل باللغة الفرنسية عام 1952. وصدرت الترجمة العربية حديثاً عن دار "منشورات
الربيع" بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.
3. من هي درية شفيق وما هو دورها في الحركة النسوية؟ درية شفيق هي مفكرة وصحفية
وناشطة مصرية، حاصلة على الدكتوراه من السوربون. أسست مجلة واتحاد "بنت النيل"،
وقادت حركة المطالبة بحقوق المرأة السياسية والانتخابية في مصر خلال أربعينات
وخمسينات القرن العشرين.
4. لماذا تعتبر رواية شجر الدر عملاً مهماً في الأدب النسوي؟ لأنها تجمع بين
الالتزام بالدقة التاريخية وإبراز قوة المرأة وقدرتها على القيادة في عصور
ذكورية صارمة، ولأن مؤلفتها نفسها تمثل أيقونة نضالية تعكس روح التمرد الموجودة
في بطلة الرواية.
5. كيف كانت نهاية الكاتبة درية شفيق؟ انتهت حياتها بشكل مأساوي إثر سقوطها من شرفة
منزلها بالطابق السادس في القاهرة عام 1975، وذلك بعد سنوات طويلة من الإقامة
الجبرية والعزلة السياسية.
