رواية «حائكات الأزل» للكاتبة والإعلامية اللبنانية بسمة الخطيب
تُعد رواية «حائكات الأزل» للكاتبة والإعلامية اللبنانية بسمة الخطيب، الصادرة عن "دار الآداب"، واحدة من أبرز الأعمال الروائية المعاصرة التي أعادت صياغة السردية النسوية في الأدب العربي بأسلوب ملحمي يمزج بين الواقعية السحرية والترميز التاريخي. في هذه الرواية، لا تكتفي الخطيب برواية قصة، بل تغزل بكلماتها نسيجاً يمتد عبر الأجيال، ليرتق جراح سلالة نسائية ظلت مهمشة في سجلات التاريخ التقليدي.
في هذا المقال، سنقوم بتحليل معمق لرواية "حائكات الأزل"، مستعرضين أهم الثيمات الأدبية، والرموز السيكولوجية، والبنية السردية التي جعلت من هذا العمل علامة فارقة في الأدب النسوي الحديث.
 |
| رواية «حائكات الأزل» للكاتبة والإعلامية اللبنانية بسمة الخطيب |
رواية «حائكات الأزل» للكاتبة والإعلامية اللبنانية بسمة الخطيب
1. شجرة العائلة النسائية: ثورة على الجينالوجيا التقليدية
في معظم الثقافات، تُبنى "شجرة العائلة" على أسماء الذكور، حيث يُعتبر الرجل هو حامل الإرث والاسم، بينما تسقط الإناث من الاعتبار التاريخي والوثائقي. في «حائكات الأزل»، تقلب بسمة الخطيب هذه المعادلة رأساً على عقب.
تبدأ الرواية من الحفيدة الأخيرة، ندى، التي تعيش عزلتها القسرية في زمن وباء "كوفيد-19". من خلال ندى، نرتد إلى الماضي لنتعرف على سلالة من النساء اللواتي لم يتركن وراءهن أملاكاً أو ألقاباً، بل تركن "نسيجاً" وألماً موروثاً. تبدأ السلسلة من تانيس، الجدة الكبرى، وتمر بـ ليلان، أثاليا، مهجة الكبرى، ضحى، حسينة، وصولاً إلى أميرة (والدة ندى) ثم ندى نفسها.
- هذا التتبع للسلالة الأنثوية ليس مجرد استعراض تاريخي، بل هو محاولة لاستعادة "الهوية الضائعة" للنساء اللواتي صنعن الحياة بصمت، بعيداً عن ضجيج الحروب والسياسة التي يحتكرها الرجال.
2. فلسفة الحياكة: اللغة البديلة والرتق النفسي
تستخدم الرواية "الحياكة" و"الغزل" كاستعارة مركزية (Metaphor) تمثل جوهر الوجود النسائي في الرواية. بالنسبة لبطلات بسمة الخطيب، الحياكة ليست مجرد مهارة يدوية لقتل الوقت، بل هي:
لغة بديلة: الجدة الأولى "تانيس" كانت صماء بكماء، فاستعاضت عن الكلمات بخيوط النول، محولةً صمتها إلى نقوش وزخارف تحكي قصتها.
أداة للمقاومة: في "قصر الهجران"، كان النسج هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على العقل والبقاء على قيد الحياة وسط العزلة والنفي.
الرتق والترميم: تبرز فكرة "رتق النسيج الممزق" كرمز لمحاولة النساء إصلاح ما أفسده الدهر والرجال في حياتهن.
وتتجلى براعة الكاتبة في ابتكار رمزية "صدق القفا". ففي عالم الحياكة، يكون وجه الثوب منمقاً وجميلاً، لكن "القفا" (الجهة الداخلية) هو الذي يكشف الحقيقة؛ حيث تظهر العقد، والوصلات، والقطب المخفية، والعثرات. هذه الرمزية تنسحب على حياة النساء؛ فالظاهر قد يبدو صبراً وسكوناً، لكن الباطن (القفا) مليء بالدموع والكفاح والجروح المرممة.
3. "قصر الهجران": سجن النساء ومنفى الأرواح
من أقوى المواقع المكانية في الرواية هو «قصر الهجران»، المنحوت في صخور الوادي. هذا المكان يمثل الرمزية القصوى للقهر الاجتماعي، فهو المكان الذي تُنفى إليه النساء "العاصيات" أو المصابات بأمراض (مثل الصدفية التي تلازم السلالة).
- تحول بسمة الخطيب هذا السجن إلى فضاء أسطوري؛ فبدلاً من أن يكون مقبرة للأحياء، يصبح مكاناً لولادة "إرث الحائكات". هناك، تتعلم النساء كيف يتوحدن مع آلامهن، وكيف يحولن العزلة إلى قوة إبداعية. إن تصوير القصر يعكس نظرة المجتمع للمرأة التي تخرج عن الطوع، حيث يتم عزلها "جغرافياً" و"نفسياً" لتختفي عن الأنظار.
4. الصدع الزلزالي: التوازي بين الجغرافيا والسيكولوجيا
تدور أحداث الرواية على طول خط الصدع الزلزالي الذي يمتد من تركيا وصولاً إلى مصر. هذا الاختيار المكاني ليس عشوائياً، بل هو انعكاس للتصدع النفسي الذي تعاني منه الشخصيات.
الزلزال الأرضي: يمثل التقلبات القدرية والظلم الاجتماعي الذي يضرب حياة هؤلاء النسوة.
الصدفية والوراثة: المرض الجلدي الذي ينتقل بين نساء السلالة يُصور كـ "قشرة" تحمي الجسد من العالم الخارجي، وهو نتاج مباشر للكبت والضغط النفسي المتوارث.
الرواية تطرح فكرة مفادها أن آلام النساء ليست فردية، بل هي "جيولوجية" عميقة، تمتد جذورها في الأرض وفي التاريخ كما تمتد الشقوق الزلزالية.
5. حضور الرجل: الظل الثقيل والغياب المؤثر
في عالم «حائكات الأزل»، يتحرك الرجال كظلال ثقيلة. حضورهم غالباً ما يكون مرتبطاً بالسلطة، أو التسلط، أو التسبب في الألم.
زوج ندى: يمثل النموذج الذكوري الذي يحاول تعويض نقصه الداخلي (عدم القدرة على الإنجاب) بممارسة سلطة قمعية على زوجته. يحاول منعها من العلم، ومن العمل، وحتى من الفرح.
الموت كتحرر: تقدم الرواية طرحاً جريئاً ومأساوياً في آن واحد؛ حيث يبدو موت الزوج هو "الحل السعيد" الوحيد الذي منح ندى حريتها. إن الصدمة التي أودت بحياته عندما اكتشف نجاح ندى السري (حصولها على الماجستير ووظيفة) تعكس مدى هشاشة هذه السلطة الذكورية أمام استقلالية المرأة.
6. رمزية "آدم": هل تنتهي السلالة النسائية؟
تنتهي الرواية بنوع من التساؤل المفتوح حول المستقبل. ندى، التي لم تنجب، تتبنى طفلاً وتسميه «آدم». اختيار هذا الاسم يحمل دلالات عميقة:
هل يمثل "آدم" بداية لسلالة ذكورية جديدة ستتصالح مع إرث الحائكات؟
أم أن ظهور "آدم" يعني نهاية السلالة النسائية الصرفة التي ميزت تاريخ تانيس وزميلاتها؟
الرداء الأسطوري الذي ترتديه ندى في نهاية الرواية، والذي نُقشت عليه أسماء كل الجدات، يمثل "الذاكرة الجماعية" التي يجب أن تُحمى، سواء كان الوارث ذكراً أم أنثى.
7. الأسلوب الأدبي لبسمة الخطيب: حياكة بالكلمات
تميزت لغة بسمة الخطيب في هذه الرواية بالشاعرية العالية والقدرة على الوصف الحسي الدقيق. إنها لا تروي الأحداث بقدر ما "ترسمها" أو "تنسجها". استخدمت الكاتبة تقنيات السرد المتناوب بين الماضي والحاضر ببراعة، مما جعل القارئ يشعر بأن الزمن في الرواية دائري وليس خطياً؛ فآلام "تانيس" في الماضي هي نفسها آلام "ندى" في الحاضر، مع اختلاف الأدوات.
- الرواية تبتعد عن الخطابة النسوية الفجة؛ فلا تجد فيها شعارات عن "المساواة" أو "الحقوق" بشكل مباشر، بل تجد "حياة" تُعاش بكامل تفاصيلها المريرة، وهو ما يجعل الرسالة النسوية للرواية أكثر قوة ونفاذاً.
خاتمة
إن رواية «حائكات الأزل» هي صرخة صامتة، لكنها عميقة ومؤثرة، في وجه النسيان. إنها عمل أدبي يحتفي بالصبر الأنثوي وبالقدرة على تحويل الألم إلى فن. من خلال قصة ندى وجداتها، تضعنا بسمة الخطيب أمام مرآة تاريخنا المنسي، وتدعوننا للتأمل في تلك "القطب المخفية" التي شكلت حيواتنا. هي رواية ليست للنساء فقط، بل لكل من يريد أن يفهم كيف يُصنع التاريخ الحقيقي بعيداً عن منصات التتويج، بين خيوط النول وأبخرة المطابخ وعزلة القلاع الصخرية.