الأناركية أو التعصب
للحرية: قراءة في كتاب بيار أندريه تاغييف ومستقبل اللاسلطوية
بقلم: محرر الشؤون الفلسفية والسياسية
في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، وتصاعد أدوات الرقابة
الرقمية والنزعات السلطوية، يعود النقاش حول "الحرية المطلقة" ليتصدر
المشهد الفكري. ويأتي كتاب الفيلسوف ومؤرخ الأفكار الفرنسي الشهير بيار أندريه تاغييف، المعنون بـ "الأناركية أو التعصب
للحرية" (L'Anarchisme ou
le fanatisme de la liberté) والصادر حديثاً في باريس (2025)،
ليعيد رسم الخارطة الفلسفية لمفهوم الأناركية أو اللاسلطوية، بوصفها ليست مجرد
فوضى عابرة، بل هي حلم إنساني عميق بالتحرر من كافة أشكال الوصاية.
- في هذا المقال، نستعرض بعمق المحاور الأساسية للكتاب، ونحلل كيف قدم
تاغييف رؤية نقدية وتاريخية لهذا المفهوم الذي طالما أسيء فهمه.
 |
| الأناركية أو التعصب للحرية: قراءة في كتاب بيار أندريه تاغييف ومستقبل اللاسلطوية |
الأناركية أو التعصب للحرية: قراءة في كتاب بيار أندريه تاغييف ومستقبل اللاسلطوية
ما هي الأناركية؟
الجذور اللغوية والفلسفية
تبدأ رحلة تاغييف في الكتاب من تفكيك المصطلح نفسه. الكلمة مشتقة من
اليونانية "Anarchia"، والتي تعني
حرفياً "بدون رئيس" أو "دون سلطة". تاريخياً، برزت الأناركية
كحركة سياسية واجتماعية وازنة في القرن التاسع عشر، خاصة في فرنسا وروسيا، على يد
رواد كبار مثل
بيار جوزيف برودون، وميخائيل باكونين، وبيار كروبوتكين.
- تقوم الفلسفة الأناركية على فرضية مركزية: "الإنسان خير بطبعه". وترى أن الشرور
الاجتماعية ليست نتاج الطبيعة البشرية، بل هي نتاج المؤسسات القمعية وعلى رأسها "الدولة"
و"الدين". بالنسبة للأناركيين، فإن المجتمع قادر على تنظيم نفسه ذاتياً
من خلال التعاون الطوعي والروابط الاجتماعية الحرة، دون الحاجة إلى هيكل هرمي يفرض
القوانين من الأعلى.
الأناركية كـ "تعصب للحرية" ما وراء اليوتوبيا
يستخدم تاغييف وصف "التعصب للحرية" ليس كإدانة، بل كتوصيف لحالة
الانعتاق الكلي التي ينشدها الفكر اللاسلطوي. يستلهم هذا المفهوم من روح "البيان
السوريالي" لأندريه بروتون، حيث تصبح الحرية إرادة راديكالية لا تقبل
المساومة.
ويوضح الكتاب أن الأناركية ليست كتلة صماء، بل هي طيف واسع من التيارات:
1.
الأناركية الفردية: التي تعلي من شأن استقلال الفرد المطلق.
2.
الأناركية الاشتراكية والشيوعية: التي تسعى لإلغاء الملكية
الخاصة والعمل الجماعي المشترك.
3.
الأناركية الرأسمالية (الليبرتارية): وهي تيار حديث يمزج بين
تقديس الملكية الفردية وإلغاء سلطة الدولة لصالح "سوق حرة" مطلقة.
"الأناركية اليمينية" المفارقة الفرنسية المذهلة
من أكثر الأجزاء إثارة في دراسة تاغييف هي معالجته لمفهوم "الأناركية اليمينية" (Anarchisme de droite). قد يبدو المصطلح
متناقضاً للوهلة الأولى، لكن تاغييف يفكك هذه الظاهرة الثقافية الفرنسية ببراعة.
الأناركي اليميني، بحسب الكتاب، لا يسعى لتغيير العالم أو تحقيق العدالة
الاجتماعية كما يفعل الأناركي اليساري. بل هو شخص "متمرد" بدافع من
الذوق الشخصي، واحتقار "الغوغاء" والنفاق الاجتماعي، والرفض المبدئي
للديمقراطية الجماهيرية.
·
نماذج أدبية: يستشهد تاغييف بأسماء مثل لويس فردينان سيلين ومارسيل إيميه. هؤلاء لم يمتلكوا "برنامجاً
سياسياً"، بل امتلكوا "أسلوب حياة" يقوم على السخرية واليأس الجميل
والاحتجاج الفردي.
·
الجمال فوق العدالة: في حين يحلم الأناركي اليساري بيوتوبيا مستقبلية، يعيش
الأناركي اليميني في عزلة أرستقراطية، مفضلاً التميز الفردي والجماليات على
المساواة والقوانين الجماعية.
الفرق بين الليبرالية والأناركية
يضع تاغييف حداً فاصلاً بين تيارين غالباً ما يخلط بينهما البعض:
·
الليبرالية: هي فلسفة تسعى لـ "تقييد" سلطة الدولة عبر القوانين
والدساتير لضمان حرية الأفراد.
·
الأناركية: هي فلسفة تسعى لـ "إلغاء" الدولة تماماً، معتبرة أن
أي سلطة مهما كانت محدودة هي بالضرورة اعتداء على كرامة الإنسان.
هذا التمييز الجوهري هو ما يجعل
الأناركية مشروعاً راديكاليًا يتجاوز الإصلاحات السياسية التقليدية إلى تغيير جذري
في الوعي الوجودي للإنسان.
البعد الجمالي والفني في الفكر اللاسلطوي
لا يكتفي تاغييف بالتحليل السياسي، بل يغوص في الروابط المعقدة بين
الأناركية والفنون. يعتبر الكتاب أن "الحس الجمالي" كان دائماً الحليف الوفي
للأناركية. الفن بطبيعته هو فعل تمرد على القيود، والسوريالية، والطليعية الفنية
في القرن العشرين، كانت تجسيداً عملياً للفكر الأناركي.
الموسيقيون والشعراء الذين رفضوا المؤسسات الثقافية
الرسمية كانوا يمارسون "لاسلطوية تطبيقية" من خلال إبداعهم الحر الذي لا
يعترف بالحدود الأخلاقية أو الفنية التي تفرضها السلطة.
الأناركية في عصر التكنولوجيا والرقابة الشاملة
لماذا يجب علينا قراءة كتاب عن الأناركية في عام 2025؟ يجيب تاغييف بأننا
نعيش في زمن "النزعات الأمنية" والتكنوقراطية التي تتوغل في أدق تفاصيل
حياتنا. الأناركية اليوم تعيد طرح السؤال الجوهري: ما هي حدود سلطة المجتمع على الفرد؟
- يرى تاغييف أن الأناركية، رغم تناقضاتها وأحياناً "سذاجتها اليوتوبية"،
تظل "الضمير النقدي" للفكر الغربي. إنها
تذكرنا دائماً بأن القوانين ليست هي الغاية، بل الكرامة الإنسانية هي المنطلق
والمبتغى.
الخاتمة هل الأناركية حل ممكن أم مجرد وهم؟
يخلص بيار أندريه تاغييف في موسوعته الفكرية إلى أن الأناركية قد لا تكون
قابلة للتطبيق كنظام سياسي شامل في عالم معقد، لكنها ضرورة أخلاقية. إنها "بوصلة"
تمنع المجتمعات من الانزلاق الكامل نحو العبودية الطوعية.
- كتاب "الأناركية أو التعصب
للحرية" هو دعوة للتفكير في شروط
استقلالنا الذاتي، وتذكير بأن الحرية ليست منحة من الدولة، بل هي ممارسة يومية
ورفض مستمر للامتثال الأعمى.
هذا
المقال يقدم قراءة تحليلية شاملة لأحدث إصدارات الفكر الفرنسي، ويهدف إلى إثراء
المحتوى العربي في مجال العلوم الإنسانية والفلسفة السياسية.