Friday, March 13, 2009

دراما اللامعقول

عندما ظهرت مسرحيات يونسكو وبيكيت وجينيه وأداموف على المسرح لأول مرة حيرت معظم النقاد والمشاهدين وأثارت سخطهم ، ولا عجب في ذلك إذ أن هذه المسرحيات تهزأ بجميع المعايير التي ظلت تقاس بها المسرحية قروناً كثيرة ، ومن هنا لا بد أنها تظهر كأنها تتحدى الناس الذين يؤمون المسرح وهم ينتظرون أن يجدوا أمامهم عملاً يدركون أنه مسرحية محكمة الصنع ، ويتوقع في المسرحية المحكمة الصنع أن تقدم شخصيات دوافعها مقنعة وتصويرها صادق ، أما هذه المسرحيات تجئ في الغالب خالية من كائنات بشرية يمكن التعرف عليها تقدم على أفعال خالية من الدوافع تماماً ، وينتظر أن يجئ الإقناع في المسرحية المحكمة الصنع عن طريق حوار ذكي ومنطقي البناء ، ولكننا نجد في بعض هذه المسرحيات حواراً يبدو وكأنه ينحدر إلى مستوى الثرثرة التي لا معنى لها ، ويتوقع أن يكون للمسرحية المحكمة الصنع بداية ووسط ونهاية حبكت ببراعة ، أما هذه المسرحيات فإنها تبدأ في الغالب عند نقطة متعسفة وتبدو وكأنها تنتهي أيضاً بشك اعتباطي أو تعسفي ، فإذا قسنا هذه المسرحيات بجميع المقاييس التقليدية في التذوق الأدبي للمسرحية نجدها ليست رديئة بصورة مقيتة فحسب وإنما لا تستحق أيضاً اسم الدراما .
بهذا المفهوم يقدم مارتن إسلين كتاب " دراما اللامعقول " من اختياره وتقديمه ، والكتاب صدر عن سلسلة من المسرح العالمي ـ العدد السابع ، يناير 2009 ، وهو عبارة عن أربع مسرحيات لأهم كتاب دراما اللامعقول ، ذلك المصطلح الذي يعرفه إسلين بأنه نوع من الاختزال الفكري لنمط معقد من التشابه في التناول والطريقة والتقليد ، ومن الأسس الفنية والفلسفية المشتركة ، سواء أكان إدراكها بوعي أو بلا وعي ، ومن التأثيرات الناجمة عن رصيد مشترك من التراث ، ولهذا فإن تسمية هذا النوع تساعد في الفهم ، ومقياس صلاحها هو مدى مساعدتها لنا على فهم واستيعاب العمل الفني ، وهي ليست تصنيفاً ملزماً ، ولا شك أنها ليست شاملة أو جامعة مانعة .
فقد تحتوي مسرحية على بعض العناصر التي يمكن فهمها جيدا على ضوء مثل هذه التسمية ، في حين نجد أن هناك عوامل أخرى في نفس المسرحية مستمدة من تقليد مغاير ويمكن فهمها بصورة أقل على ضوء ذلك التقليد ، لقد كتب آرثر أداموف مثلاً عدداً من المسرحيات التي تعتبر أمثلة أولى على دراما "اللامعقول" ، أما الآن فهو يرفض هذا الأسلوب بصراحة تامة وعن عمد ، ويكتب في إطار تقليد واقعي مختلف ، ومع ذلك فإننا نجد حتى في آخر مسرحياته الملتزمة واقعياً اجتماعياً بعض النواحي التي يمكن أن توضح على ضوء دراما اللامعقول كاستخدام الفواصل الرمزية " وهي دمى القراقوز " في مسرحيته ربيع عام 71 ، وبالإضافة إلى هذا فإن اصطلاحا مثل اصطلاح دراما اللامعقول عندما يتحدد ويفهم يكتسب قيمة معينة في إلقاء الأضواء على مؤلفات الحقب السالفة ، لقد كتب الناقد البولندي جان كوت مثلاً دراسة رائعة لمسرحية " الملك لير " على ضوء مسرحية " نهاية اللعبة " لبيكيت ، ولم تكن هذه محاولة أكاديمية لا جدوى منها وإنما كانت عوناً حقيقياً كما اتضح في إخراج بيتر بروك العظيم لمسرحية الملك لير ، حيث استمد كثيراً جداً من أفكاره من مقالة كوت .
ويقول إسلين إن مسرح اللامعقول قد يبدو عصرياً إلا أنه ليس كما يميل بعض فرسانه وفريق من ألد نقاده إلى تصويره على أنه جدة ثورية ، إن أفضل فهم لدراما اللامعقول هو الذي ينظر إليه باعتباره مزجاً جديداً لعدد من التقاليد أو السنن الأدبية الدرامية القديمة بل وحتى البالية منها ، كتقليد المحاكاة بالحركات والتهريج التي ترجع إلى التشخيص الهزلي عند الرومان والإغريق وإلى الملهاة المرتجلة التي ظهرت في إيطاليا في عصر النهضة .
ويرى إسلين أنه يجب علينا النظر إلى تاريخ هذه الحركة التي بلغت ذروتها في أعمال بيكيت ويونسكو وجينيه ، وقد كان أسلافها الأقربون هم كتّاب مسرحيون كسترندبرج الذي انتقل من الطبيعة الفوتوغرافية إلى التصورات التعبيرية أكثر صراحة للأحلام والكوابيس والهواجس في مسرحياته ، وكتّاب روايات قصصية مثل جيمس جويس وكافكا ، وكل هذه الأعمال أدت إلى دراما اللامعقول . وهناك تأثير آخر مباشر هو تأثير الداديين والسرياليين والطليعة الباريسية التي استمدت من أمثال ألفرد جاري وجيوم أبولينير ، وفي الحقيقة يمكن اعتبار مسرحية " الملك أوبو " لجاري أول مثال حديث على دراما اللامعقول .
ولا شك أن صموئيل بيكيت هو أعمق كتاب دراما اللامعقول وأعظمهم شأناً ، فلا ريب أن مسرحيتي " في انتظار جودو " و" نهاية اللعبة " عملان رائعان ، كما أن مسرحيات " الأيام السعيدة ، والمسرحية ، وشريط كراب الأخير ، ومسرحية أفعال بلا أقوال " صور شعرية عميقة ورائعة . ويعتبر جان تارديو وبوريس فيان من أحسن كتاب دراما اللامعقول الفرنسيين ، إن تارديو كاتب يجرب ويستكشف بانتظام إمكانيات مسرح يمكن أن يفصل نفسه عن الكلام الاستطرادي حتى تصبح اللغة فيه مجرد صوت موسيقى ، أما فيان ـ وهو من أتباع جاري المخلصين ـ فقد كتب مسرحية " بناة الإمبراطورية " التي يظهر فيها كرجل يفر من الموت والوحدة .
أما أعلام دراما اللامعقول في إيطاليا فهم دينو بزاتي وايزيو ديريكو ، وفي ألمانيا جونتر جراس ، وفولفجانج هيلد شايمر ، كما يمكن اعتبار أعلامه في بريطانيا ن . ف . سيمسون ، وجيمس سوندرز ، وديفيد كامبتون ، وهارولد بنتر.
ومما لاشك فيه أن يوجين يونسكو هو أخصب كتّاب دراما اللامعقول وأكثرهم أصالة وأنه أيضاً من أعمقهم بالرغم مما نجد في مؤلفاته من جذور التهريج والهزل الذي يأتي به للتهريج ذاته . كما أنه أعلى كتاب مسرح اللامعقول صوتاً والكاتب الوحيد بينهم المستعد لمناقشة الأسس النظرية لمؤلفاته ، وللرد على هجوم اليساريين الواقعيين الملتزمين على هذه المؤلفات ، وأهم موضوعات يونسكو : نقد اللغة ، ومثول الموت دائماً في مسرحياته " المغنية الأولى الصلعاء ، الدرس ، الكراسي ، القاتل ، الخرتيت ، الملك يحتضر " ، وقد كانت مسرحية " أميديه أو كيف تتخلص منه " أولى مسرحيات يونسكو الطويلة ، وتحتوي على صورة من أكثر صوره تأثيراً ، كما تمتاز هذه المسرحية بما فيها من تراوح بين حالة من الانقباض والانبساط بين شعور بالثقل يشد الإنسان إلى الأرض وشعور بالخفة كأنه يطير في الفضاء ، وهي صورة يتكرر ظهورها في مؤلفاته وتبلغ ذروتها في هذه المسرحية بالذات حين يحلق أميديه في الهواء مبتعداً في نهايتها .
كما يقف آرثر أداموف اليوم في المعسكر الذي يوجه إليه يونسكو أشد النقد، وهو معسكر الاشتراكيين الواقعيين الذين لسان حالهم مجلة " المسرح الشعبي " ، ولكن أداموف بدا كمتبع لآرتو ، بشهادته عصابياً وغريباً في عالم لا معنى له. إن تطور أداموف من النقيض إلى النقيض يشكل موضوع سيرة فنية ونفسية ممتعة تحتل منها مسرحية " الأستاذ تاران " مكاناً بارزاً ، ويمكن أن نرى تقدم أداموف عملية من عمليات العلاج النفسي عن طريق الكتابة .
أما فيرناندو أرابال فجذوره ممتدة في تراث أسبانيا السيريالي ، وهي بلاد طالما اشتهرت بخصوبتها في الخيال المغرق والزخرفة التي تمزج بين الإنسان والحيوان في تشكيلات هزلية ، ومثال ذلك " آل جريكو جويا " .
وكذلك إدوارد إلبي فهو أحد الأمريكيين الذين مثلوا دراما اللامعقول ، فهو يشارك جينيه في إحساس اليتيم بالوحدة في عالم غريب ، ولا شك أن مسرحيته " من يخشى فرجينيا وولف " جلبت له نجاحاً عظيماً في مسارح برودواي ، إنها قصة الموت في رقصة وحشية .
وتقدم مسرحيات الكتاب عالماً صوره صارمة وقاسية ومخيبة ، وبالرغم من أنها تتخذ في معظم الأحيان قالب الخيالات المفرطة إلا أنها مع ذلك واقعية في جوهرها بمعنى أنها لا تتهرب أبداً من واقع العقل الإنساني بما هو عليه من يأس وخوف ووحدة في عالم غريب وعدائي .

1 comment:

Amira said...

مجهود رائع ياتامر

مشكورر علية

تحياتى