Friday, November 23, 2007

المثقف ولقمة العيش.. من المسيطر؟


عندما كان المثقف هو شاعر القبيلة الناطق باسمها والمعبر عن أمجادها؛ لم يكن هناك انفصال بين المثقف ومشروعه الثقافي من جهة، وبين لقمة العيش من جهة أخرى، لكن الموقف تغير بعدما أصبح فن المثقف هو وسيلته إلى لقمة العيش، فرأينا شاعر الربابة يغير في نهايات قصص "أبو زيد الهلالي" حسب جمهور المقهى؛ هل هو مع الهلالي أم مع الزناتي خليفة؛ كي يحافظ على بقائه ولقمة عيشه، بصرف النظر عن رأيه واقتناعه الشخصي.
رأينا أيضا شاعرا فحلا كأبي الطيب المتنبي يتخذ فنه وسيلة إلى لقمة العيش التي يطمح إليها وهي الإمارة، فأراق ماء شعره على أبواب الأمراء ولم يحظ بما يرغب.

-----------------------------
وفي العصر الحديث أصبحت العلاقة بين المثقف ولقمة العيش أكثر تعقيدا، فقد تداخلت عوامل كثيرة كالسياسة، ومدى توزيع الأعمال الثقافية وانتشارها، مع تزايد معدلات أمية الكتابة والقراءة والأمية الثقافية على السواء، ودرجة تأثير المثقف في مجتمعه هل هي عميقة أم هامشية وضحلة، وقدرة المثقف على ضمان عائد من مبيعات إنتاجه يحقق له مستوى معيشيا معقولا.
رأينا بعض المثقفين المصريين في بدايات القرن العشرين يبيعون إنتاجهم لمن يشتري، يكتبون المقال وضده لينشرا في صحيفتين متنافستين، ورأينا شاعرا جيدا كعبد الحميد الديب تموت موهبته مبكرا، ويكره هو الحياة لأنه لا يستطيع أن يضمن لنفسه ما يسد به رمقه، ورأينا قاصا فحلا كمحمد حافظ رجب في الستينيات يصرخ "نحن جيل بلا أساتذة"، رافضا محاولة تدجين جيل من المبدعين بجعلهم موظفين في المجلس الأعلى للثقافة

-------------------------------
ورأينا أسماء كبيرة رمت إبداعها في أحضان السلطة وتحت أقدامها، وأسماء مبشرة باعت مشروعها الإبداعي من أجل حفنة ريالات.. الموضوع شائك ومتعدد الجوانب، فمن يسيطر على من: لقمة العيش أم المثقف؟
ومتى تقف لقمة العيش عقبة في سبيل إتمام المشروع الثقافي؟ ومتى يتم اتخاذ المشروع الثقافي مطية إلى لقمة العيش؟
وما تأثير كل ذلك على دور المثقف ورسالته في مجتمعه؟ وهل يؤثر المحدد الاقتصادي على المثقف فيساعد على تدجينه أو جعله يتغاضى عما هو جوهري من مشكلات أمته، أو يكتب ما يريده الآخرون، أو حتى يكتب للآخرين، أي يعطيهم إنتاجه لينشروه باسمهم؟

----------------------------------
يقول الروائي "محمد جبريل": "نعم، لقمة العيش تسيطر على المثقف، والمبدع تحديدًا، وهي قد تؤثر على دور المثقف في المجتمع ورسالته فيه، وتساهم في تدجينه هو ومشروعه، وتجعله يتغاضى عن مشكلات مجتمعه الحقيقية، ويكتب ما يريده الآخرون، وأحيانًا يكتب للآخرين".
ويرى في الأمية التي يعانيها مجتمعنا أداة تساعد على شدة وطأة لقمة العيش على المشروع الثقافي؛ لأن المثقف لا يستطيع أن يمتلك ضرورات العيش الكريم من خلال بيع كتبه في هذا المجتمع الأمي. والظاهرة التي ألفها الجميع أن الكاتب يصعب أن يتقاضى مقابلاً حقيقيًا من كتاباته، وقد لا يحصل من تلك الكتابات على مقابل من أي نوع.
ويتابع: "كنت أرى أن الأدب في بلادنا لا يؤكل عيشًا، ولعلي أتجاوز هذا الرأي فأؤكد أن الأدب يحتاج إلى من ينفق عليه".

----------------------------------
إذًا المشكلة أعمق من أن تناقش من خلال بضعة آراء. إنها تحتاج إلى مناقشات مستفيضة حول المنحدر الذي تمضي فيه مهنة الكتابة، رغم وجود وزارة للثقافة، واتحاد للكتاب، وهيئات كثيرة، هي الأولى -أو هذا هو المفروض– برعاية المشتغلين بالكتاب.
-----------------------------------
ويرى الروائي "فؤاد قنديل" أن لقمة العيش تكون أحيانا عقبة أمام بعض المبدعين، لكنها ليست كذلك دائما، فهناك مبدعون قادرون على تحجيم مطالبهم والاكتفاء بمطالب مادية بسيطة، وأحيانا تطالعنا موهبة واعدة ومتوهجة ثم تطاردها لقمة العيش وتستدرجها بعيدا عن مشروعها الإبداعي فيتحلل هذا المشروع، وهناك نوع استطاع أن يوازن بين مشروعه الأدبي ولقمة العيش بحيث أمكنه أن يستثمر المشروع ذاته في الحصول على ما يوفر له حاجاته الضرورية وأحيانا الكمالية.
وفي كل الأحوال، يضيف قنديل، لا بد أن تكون هناك سمتان أساسيتان في المثقف هما: فن إدارة المشروعات ليحدد هدفه وخطته وكيفية تنفيذها، وأن يتمتع بقدرة عالية على المقاومة ضد غلبة العيش على الأدب، فالفلاح كله في الموازنة بينهما.

--------------------------------------
ويضيف: "لن يتحقق التوازن إذا كان هناك مشروعان واحد للأدب وواحد للقمة العيش، كأن يكون المبدع أديبا وتاجرا أو رجل مقاولات، التوازن الذي أقصده هو أن يحقق الأدب للأديب ما يحتاج إليه من لقمة العيش بحيث يكون مشروع حياته واحدا خوفا من أن يدهس المشروع التجاري المشروع الأدبي بالتأكيد".
ويضيف "قنديل": "يختلف أمر المحدد الاقتصادي من شخص لآخر، فهناك من لديه إحساس جمعي يميل إلى الجماعة، وأقصد هنا معنى الانتماء والرغبة في تطوير هذه الجماعة، وهذا هو المثقف صاحب الرسالة يؤدي هذا الدور من خلال قناة الإبداع وقناة العمل العام".
ويرى أن لقمة العيش أصبحت وسيلة لتدجين المثقف من قبل السلطة السياسية، حيث إن الكثيرين سقطوا في أحابيلها، وأكلوا على موائدها، ووقعوا في فخاخها، ولووا أعناق الأدب لحساب هذه السلطة ورغباتها، وذهبوا إلى حيث تشير أصابع السلطة.

---------------------------------------
ويواصل: "إذا كان لدينا أمة قارئة فلن يكون هناك ازدواجية، حيث يستطيع الأدب أن يوفر لقمة العيش، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لاستخدام المبدع أو تدجينه أو فقدانه بسبب الحسرة والكمد اللذين فقدنا بسببهما الكثير من مبدعينا الذين عجزوا عن التوفيق بين الإبداع ولقمة العيش".
--------------------------------------
سلطة الرزق!

هل تُطعمُ الثقافةُ خبزًا؟
يشرح الناقد "شوقي بدر يوسف" أثر العلاقة بين لقمة العيش والمثقف، ويقدم نماذج من استخدام السلطة في مصر للقمة العيش بأشكالها المختلفة في التأثير على المثقف فيقول: "هناك سلطة تقع على كاهل المبدع، وهي سلطة كئود لا يستطيع الفكاك من أسرها بأي حال من الأحوال، وهي سلطة مورد الرزق، كما أنها بعيدة كل البعد عن هاجس الاختيار من عدمه، فهي تمسك بخناقه على الدوام، ولها الأولوية في اهتماماته.
ومن ثم فهي أمر حيوي للغاية بالنسبة له، وبدونها فإن العملية الإبداعية لن تتم بأي حال من الأحوال، خاصة إذا كان المبدع له أسرته التي يعولها. كما أنها قد تتحكم تحكما كبيرا في حرية تعبيره خاصة عندما يكون الكاتب المبدع يتبنى أفكارا لا تمالئ السلطة أو تتعارض مع توجهاتها"، ويضيف: الكتابة ليست بحال من الأحوال هي المورد الأساسي لرزق الكاتب، إلا إذا كان يعمل في مجال مثل مجال الصحافة أو الترجمة أو يعتمد اعتمادا كليا على ما يكتبه ويتعيش منه ويعتبر مورد رزقه الأساسي؛ لذا فإن الأمر في هذه الحالة يعتبر حالة خاصة من حالات التكسب، وهو أمر ذو خطورة بالنسبة للكاتب أو المبدع، فحرية التعبير في هذه الحالة من الممكن أن تكون مستلبة أو مسيطرا عليها. وسلطة الرزق من السلطات التي تجعل حرية التعبير عند الكاتب في خطر فهو دائما في جهاده إذا كان صاحب رأي أو مشروع ثقافي أو ما إلى ذلك يكون عرضة للوقف أو الفصل أو التحكم فيما يكتبه.
ويلجأ الكثير من الكتّاب إلى موارد أخرى بجانب موارد الإبداع كمورد احتياطي حتى لا يكون قلمه عرضة للتحكم فيه

--------------------------------
يسرد الناقد "شوقي يوسف" الأمثلة لعلاقة الكاتب بمورد رزقه، ومنها ما حدث في 4 فبراير 1973 حينما أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارا انفعاليا بطرد عدد كبير من الأدباء والصحفيين والكتاب من أعمالهم الأصلية. وحادثة سبتمبر 1981 حينما جمع السادات عددا آخر من الكتاب في سلة واحدة ووضعهم في السجون.
----------------------------------
ترى الناقدة د.لبنى إسماعيل، مدرسة الأدب الإنجليزي بقسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، أن المثقف الحق هو مشروع ناجح يجسد رغبة إنسان "غير عادي" لتخطي حدود ما هو عادي ومألوف، للوصول إلى إنجاز إنساني على المستوى الشخصي في المقام الأول، ثم يتوجه نظر هذا الإنسان وما حققه من رحابة الأفق والرؤية إلى المستوى العام.
وتشير إلى أنها تعني بذلك تواصل الفرد –المشروع- مع المجتمع ككل، عندها تستحيل نجاحات المشروع الشخصي إلى لبنات أولية لمشروع ثقافي تتحقق من خلاله متعة المشاركة واكتشاف محاور جديدة من الذات الفاعلة المثقفة، وكلاهما يعمق الشعور الفردي بالانتماء إلى مجموعة متجانسة من البشر تدور في فلك ثقافي متآلف، يحدوهم جميعا الأمل في مزيد من "المشاريع" الناجحة التي تحقق لهم مكانة اجتماعية وكرامة العيش

------------------------------------
وترى أن تلك الأجواء لا تتوفر للمثقف المصري الذي هو نتاج بيئة اجتماعية تتميز بفقر العملية التعليمية التي أفرزت أجيالا ضاق أفقها، فندرت رغبتها في تخطي حدود ما هو مرئي وما هو مسموع. كما أن المثقف المصري أيضا هو نتاج بيئة اقتصادية تهرأت بفعل سلسلة من الهزات المتلاحقة، فانحسر المشروع الثقافي العام، وانقطعت أواصر التواصل بين الفرد والمجتمع في أغلب الأحيان، ووقف كثير من المثقفين حائرين ما بين رحابة الأفق البعيد وضيق العيش، فتحالف البعض منهم مع قوى سياسية أو إعلامية بعينها في محاولة منهم للحفاظ على ما تبقى من مشروعهم الثقافي الشخصي، وتنازل البعض الآخر عن ذاتهم لذوات توفر لهم رغد العيش، وأجهضت مجموعة أحلامها الثقافية وراحت تبحث عن أفلاك أخرى لتحقيق مشروعات أكثر نجاحا وتحقيقا للذات كالمشروعات التجارية، وبقيت قلة قليلة تحث الخطى بلا خوف، لا تسيطر عليها هواجس لقمة العيش، لكن هؤلاء يعيشون دائما ومشروعهم في خطر من تقلبات المجتمع والزمان معا.
------------------------------

منير عتيبة
أديب وروائي مصري.

6 comments:

لسة نونة said...

مقال جامد تامر

واستمتعت بقرايتة جدا

تحياتى

koukawy said...

انا كنت قريت مسرحيه لأنطوان تشيكوف
بتتكلم عن موضوع شبه كده
و هو تحكم راس المال او السلطه في الفن و الفنان
كان المسرحيه اسمها .... اللوحه
و كان في مسرحيه برضو لعلي سالم تقريبا علي ما اذكر عشان قريتها من زمان كانت بتتكلم في نفس الموضوع بس كان مؤلف و منتج
بحاول افتكر اسم المسرحيه مش فاكره

رحيق الحب said...

سلامو عليكم
مقالك جميل جدا يا تامر وبيناقش قضية هامه جدا وملموسة فى واقعنا الادبى وللاسف القضية دية بقالها فترة وممكن تكون موجودة اصلا من زمان بس بتزيد مع تقدم الزمن ودلوقت بقى مبقاش فيه ادب بالمعنى المفهوم كل شئ الان قد تغير
ولهذا اسباب طبعا
من ضمنها لقمة العيش وده سبب اساسى فى القضية وقضية عامه دلوقت كل واحد بيجرى على اكل عيشة عشان ياكل عشان يقدر يعيش ويعيش اسرته لو كان صاحب مسئولية دلوقت واقعية الحياة بتاخدنا لبعيد جداااا وللاسف بتبعدنا عن المفاهيم وعن كل ما هو جميل وكان موجود زمان بصورة افضل
بس اكيد فيه حل لعجلة الحياة اللى بتدور فى اساس راسمالى بحت اكيد هيكون فيه حل باذن الله

Tamer Nabil said...

لسة نونة


ربنا يخليكى تسلمى

اشكرك جداا

تحياتى

Tamer Nabil said...

koukawy


فعلاا فية اعمل فنية وثقافية تعرضت للموضوع كلاا حسب ميولة ونظرتة لة

اشكرك جداا


نحياتى

Tamer Nabil said...

رحيق الحب

وعليكم السلام

فعلاا لموضوع اثرى ومتعدد الجوانب

الا انة واقع نشعر ونحس بة فى كل وقت

المثقف او الاغلبية واقع تخت ضغط لقمة العيش والتى يحصل عليها بصعوبة


وهنا يكون التعارض بين لقمة العيش وحياتة الثقافية

وممكن بل اكيد الاستغناء عن الثقافة والقلم الحاد فى مواجهة السلطة حتى يتطيع اطعام نفسة واسرتة

اشكرك جداا

تحياتى