Saturday, January 10, 2009

رواية أسير مصري يصف وحشية إسرائيل


هل قذفت في يوم بحبل صغير في نهايته شص لبحر كثير العطاء فمنحك أغلى ما عنده من أسماك؟!.. هل شاهدت الفجر من خلال أشجار النخيل وجبل متعدد الألوان وأنت تتحرك على الطريق؟!.. هل جلست في يوم تشاهد الشمس وهي تسقط في البحر وتترك خلفها غلالات صفراء تكسو الأفق؟!.. هل عاشرت بشرا يسهرون طول الليل حولك يحرسونك لأنك تهذي من الحمى حتى تشفى؟!.. هل عطشت حتى الموت ثم اندفع إلى حلقك سرسوب من اللبن الدافيء من ثدي معزة وهبت لك الحياة؟!.. هل شممت رائحة زهور البرتقال تلفك من كل جانب؟!.. هذه هي سيناء.. هل حلمت بالمستقبل وبنيت المدارس والوحدات الصحية والإجتماعية المتناثرة على مسافات لا تقل عن المائة كيلو بين الوحدة والأخرى ثم شاهدت الأطفال والنساء وهم يملؤونها؟!.. هذه هي سيناء بالنسبة لي.
يا عزيزي، سيناء كانت مريضة، لقد تركناها وهربنا.. فحبسوها عنا وحبسونا عنها.. داسوها بالأقدام.. عرضوها في المعارض والمتاحف والكباريهات.. سيناء مريضة وستبقى مريضة حتى نهتم بعلاجها".
-------------------------
هكذا يقول الكاتب محمد حسين يونس في روايته "خطوات على الأرض المحبوسة" الواقعة في 300 صفحة التي أعادت نشرها دار الشروق مؤخرا تحت سلسلة "نصوص متميزة" التي "تعنى بنشر النادر أو المنسي من الادب المتميز والممتع والذي شكل علامات مهمة في مسيرة الأدب العربي الحديث" كما يقول الغلاف الأخير.
المؤلف هو أحد المهندسين المصريين ثم أصبح الأسير رقم 51763 لدى الجيش الإسرائيلي في حرب يونيو 1967 التي استولت فيها اسرائيل على شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية الفلسطينية، خرج الرائد محمد حسين يونس بعد ثمانية أشهر قضاها في معتقل عتليت الإسرائيلي، وقرر بعد فترة الكتابة عن تجربته قبل أن تواجهه صعوبات في نشر هذا الكتاب لأسباب أمنية، ربما كانت طبيعية في ظل ظروف تلك الفترة، حتى استطاع أخيرا نشره في أبريل عام 1982، بعد خمسة أيام على تحرير سيناء.
محمد حسين يونس كان من الضباط الذين شاركوا في حرب اليمن، وفي مايو 1967 ذهب إلى سيناء مع وحدته العسكرية، ونشرت الجرائد صور دخول فرقته "الفرقة الرابعة المدرعة" سيناء، وكان يسأل هل هذه حرب أم مناورات وأسلوب ضغط لتحقيق انتصار سياسي؟ وتعرض لتجربة الأسر المريرة، بعد هزيمة بشعة، كانت الصدمة كما يروي هزت إيمان الجميع وثقتهم بأنفسهم، فقد استخدم العدو مع الأسرى جميع الوسائل التي عرفها العالم في معسكرات الأسر النازية، كان الهدف تدمير العقل بالتشكيك في كل شيء حتى يصبح الأسير بلا مقاومة داخلية.
------------------------
يقول المؤلف عن إسرائيل أنها: لا تملك عمق حضاري يجمع بين الإسرائيليين وهذا يجعل القتل مبررا لجيش لا يوحد بين أفراده إلا السلاح أما الجذور فتتنوع "متنافرة لا أساس يجمعها ولا تكوين" لأن الاسرائيليين ينتمون الى عدة جنسيات وأعراق.
في الرواية يسجل المؤلف:" ... كانوا يوجهون نداءً يقول: أيها الجندي المصري نحن لا نريد بك أي أذى.. عندما تشاهد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ألق بسلاحك، وارقد مادًا يديك أمامك.. جنود جيش الدفاع لديهم الأوامر بأن لا يصيبوك بضرر.. وستقضى فصل صيف ممتعًا على ضفاف البحر المتوسط في ضيافتنا".
ويصف محمد حسين يونس في روايته التسجيلية مشهد وصوله مع آخرين إلى معسكر الأسر قائلا أن الجنود الإسرائيليين كانوا في حالة هياج لا يكفون عن توجيه السباب والضرب للأسرى الذين سقط المئات منهم منهكين من الإعياء ثم حذرهم الحرس الذين كانوا "يطلقون الرصاص فوق مستوى الرؤوس الراقدة مباشرة وهم يصيحون.. ناموا كلكم" في ساحة تحيطها كشافات ضخمة من كل الجهات.
--------------------------
ويقول بطل الرواية وفق "رويترز": "إن الناظر لهذا المنظر يتخيل أنها ابادة جماعية في معسكر من معسكرات النازي وأن اليهود ينفسون عن عقدهم القديمة" في إشارة الى المحارق النازية في معتقلات الزعيم الألماني أدولف هتلر.
ويؤكد بطل الرواية أن اليهود في أرض فلسطين التاريخية قبل إنشاء اسرائيل عام 1948 كانوا "مجموعة من الصهاينة يحاولون عمل وطن قومي لهم يهربون فيه من اضطهاد دول العالم كما يقولون... عام 1956 "حين وقع العدوان الثلاثي على مصر" عرضت إسرائيل نفسها على بريطانيا كأداة لحماية مصالحها بمنطقة الشرق الأوسط وتأمين قناة السويس ثم على فرنسا لضرب ثورة الجزائر عن طريق كسر شوكة مصر.
أما في 1967 فكانت الحرب تتويجا لخطة أمريكية هدفها الإنهاء على الروح والخط الثوري المتحرر في المنطقة والذي كان يقوده ـ الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر... لتفرض أمريكا ارادتها السياسية والاقتصادية على المنطقة".
ويقول أن الإنسان حين يصبح وجها لوجه أمام الموت يتملكه شعور غير معتاد ويكون سلوكه أكثر اتساقا مع نفسه وتأخذ الأشياء والرغبات حجمها الطبيعي "حتى الحياة نفسها" تكون هينة.
-------------------------------
ويستعرض المؤلف بعض مشاهد الإهانة حيث جيء بالمجندات من أجل الفرجة على الأسرى "الغريب أن القلوب الرقيقة والعيون الحساسة لم تدمع لسحق الانسان لأخيه الإنسان وإذلاله" قبل أن يتم نقل الأسرى في سيارات نقل كبيرة مكشوفة بأسلوب غريب تتداخل فيه السيقان وهي طريقة "يصعب أن تستخدم حتى في شحن الحيوانات" لكن بطل الرواية ينجو من طريقة الشحن هذه حين يناديه أحدهم طالبا الهبوط لركوب حافلة سياحية فاخرة.
وفي الحافلة يقدمون له سجائر ومشروبا كحوليا ثم ينبهه السائق الأنيق وهو مهندس أيضا إلى بعض الأمور ومنها أن اسرائيل بلد متقدم "ونحن نحب السلام... نحن لا نريد إلا أن نعيش في أمان فقط" قبل الوصول إلى معسكر آخر بدا قائده الأبيض وفق المؤلف "متغطرسا.. كأنه جنرال ألماني نازي".
ويصف يونس معسكر عتليت الذي أعده الاسرائيليون للأسرى المصريين قائلا أنه قريب من حيفا على شاطيء البحر المتوسط وبناه البريطانيون "أثناء احتلالهم لفلسطين" وسجنوا فيه اليهود الذين تدفقوا على فلسطين لكن "العصابات الصهيونية قامت بمهاجمة المعسكر أكثر من مرة وتهريب اليهود المعتقلين" إلى داخل فلسطين ثم تحول المعسكر إلى مكان لاستقبال المهاجرين اليهود بعد إنشاء إسرائيل لقضاء عدة أشهر يتعلمون فيها اللغة العبرية وبعض المباديء الخاصة بأهداف قيام الدولة التي تأسست على عجل بمباركة القوى الكبرى التي سارعت إلى الاعتراف بها.
قال الناقد الكبير علاء الديب عن هذه الرواية وفق دار النشر: "إنه كتاب مكتوب بقدر هائل من الصدق، وقدرة فنية وافرة، وبنية بيضاء خالصة"، وقال عنها الناقد الكبير فاروق عبد القادر: "أكثر من رواية تسجيلية أو وثائقية"، وقال عنها الأديب جمال الغيطاني: "كتاب علامة"، وقال عنها الناقد محسن الخياط: "عمل تسجيلي مكتوب بإحساس شاعر وروح فنان".
------------------------------
من الرواية نقرأ:
- عندما يسأل أحدهم الضابط الإسرائيلي المسؤول عنهم:
- ماذا ستفعلون بنا؟
يرد عليه:
- حظكم رائع. صدرت الأوامر الآن فقط بوقف إطلاق النار وأخذ أسرى. قبل ذلك كانت الأوامر اقتل ولا أسرى إلا في أضيق الحدود.
أحضروا لهم عربة مغلقة. وركبوا فيها أو ركب من تبقى من المجزرة وكانوا حوالي خمسين والباقي تركوهم جثثاً أو أشباه جثث. قفلت العربة من الخلف بإنزال الكبود المشمع وأظلمت الدنيا. وأصبح كل منهم مع نفسه وفي مواجهتها وتصاعدت الأحداث لا يعرف من القاتل ومن المقتول.
والأسير الراوي يصف اقترابه من الموت قائلا:
- سألوني عن جهاز لاسلكي معين. فاستعبطت... أحضروا كلباً ضخماً ووضعوه أمامي. أيدي الكلب فوق كتفي. ودخلت سيدة مجندة إسرائيلية وبصقت على وجهي. وقالت لي: هل أنت رجل؟.
ركبنا في عربة جيب حتى البحر. نزل منها جنديان وحفرا حفرة عميقة على الشاطئ. قالا لي دي مقبرتك سندفنك هنا. ثم أرجعاني بعد ذلك وقالا لي: فكر وسنتكلم ثانية الساعة الرابعة.
وقبل أن يذهب الأسرى إلى المعسكر وفق صحيفة "الخليج" الإماراتية تعمد الصهاينة أن يكون خط السير من داخل المدن، إمعانا في الحرب النفسية، وخلال الجولة يفاجأ الأسرى بفتاة تدخل الأتوبيس وتبصق على الراكبين، حتى إن المؤلف يكتب: "إنهم يزفون عارنا، ويمتعون مدينتهم بالمنظر المخزي لرجال مصر الصناديد" وطوال الطريق يسمع الأسرى الشتائم الموجهة لناصر ولأم كلثوم، وفي المعسكر كانت الإذاعة الداخلية تبث الأغاني التي تلعب دورها في الحرب النفسية، فأم كلثوم تغني "فات الميعاد"، وشادية تغني "سلامات يا غايب عني" ويتم تزويد مكتب المعسكر بالكتب التي تتحدث عن النصر العسكري "الإسرائيلي"، إضافة إلى عمل مونتاج لخطابات عبد الناصر ومقالات هيكل وأحمد بهاء الدين، باقتطاع أجزاء من سياقها لخدمة الهدف "الإسرائيلي"، حتى يقع الأسير فريسة المعلومات الخاطئة، التي قد توصله إلى حالة من الانهيار النفسي.
---------------------------------
كانت أوامر القادة الصهاينة "اقتلوا الأسرى واحتفظوا بأقل عدد" هذا ما يذكره محمد حسين يونس، عندما أحاطت الدبابات "الإسرائيلية" بحوالي 100 عسكري وضابط مصري يسيرون في الصحراء بعد تدمير موقعهم كانوا عزلا من السلاح، فأطلقت الكتيبة "الإسرائيلية" النار بشكل عشوائي على الجميع، فبقي من هذه المجزرة نصف المجموعة ولم ينقذهم سوى وصول عربة جيب نزل منها ضابط أمر الجنود بالعبرية أن يتوقفوا عن قتل الأسرى.
يقول الأديب يوسف القعيد عن الرواية في مقال له بجريدة "الراي" الكويتية: الراوي البطل مهندس وضابط... ولذلك كان هناك حرص من العدو على حياته...وخاصة أنهم كانوا قلقين جداً على مصير الألغام المزروعة في سيناء وكانوا يبحثون عمن يعرف سرها من الضباط الأسرى.
ورغم هذا تبقى هذه الشهادة المهمة تؤكد... أنه كانت هناك حالات من القتل الجماعي للأسرى. وأن الذين نجوا كانوا من الضباط الذين كانوا يعملون في تخصصات تهم الإسرائيليين. وأن فكرة حفر القبور للأحياء قبل قتلهم قد جرت.

1 comment:

مدحت محمد said...

حسبى الله ونعم الوكيل