Wednesday, November 09, 2011

رواية "أسد قصر النيل"

كتبت - رهام محمود



أرض طيبة احتلها كل أفاكي العالم على مدار التاريخ، واختار أهلها الحقيقيون المنفى البعيد عن المدينة، في العشوائيات الجاهزة دائما لاستقبالهم، لكن تلوثا جينيا أنتج منهم سلالة رديئة، كانت أشد وطأة على أهليهم حتى من حكام طيبة القدماء، وعلى الرغم من هذا فإن شخصيتهم الحقيقية لم تتلاشى. وهم يحاولون التملص من فكرة الجمهورية، والعودة بشكل منظم للملكية حتى لو كان تحت أسم الجمهورية .



في هذه الأجواء تدور رواية الدكتور زين عبدالهادي الجديدة "أسد قصر النيل" والمنتظر صدورها عن دار "ميريت" المصرية للنشر ، وتتضمن فصولها العشرين صورة حية لواقع المصريين طيلة عهد مبارك .





سارد الرواية يبدو من الصفحة الأولى أنه الكاتب نفسه، وهو ينظر للشوارع المصرية فيجد تذاكر أتوبيسات ويانصيب وأغطية زجاجات المياه الغازية وأعقاب السجائر وبطاقات شحن المحمول ، وحينما يعبر لكوبري قصر النيل يشعر أنه علامة مدينة "طيبة" أو الإسم القديم لمصر، والتي كانت تعد ملتقى للعواصم الأربعة للبلاد، ويقول في نفسه : حتما ستستيقظ تلك الأسود وتثور ضد الظلم وحتى لو فني الناس فلن تفنى تلك القطعة المهيبة التي كانت مسرحا للكثير من حوادث التاريخ منذ العصر الملكي .



وحينما التفت حوله نظر لمطربين شعبيين ومنهم عدوية وبعرور وهم يغنون لسكان العاصمة العشوائية المجهولة ، وسكانها غير معنيين إطلاقا بما يحدث في عواصم مصر الملكية والجمهورية .



مصر في الرواية بلد يعرفها العالم المتحضر من خلال الآثار ولاعبي الكرة ورجال الأعمال ، وخاصة الذين يهربون الحبوب الزرقاء للرجال أو الذين يبيعون الأراضي أو المدن الجديدة والملاهي، أو شراء وبيع شركات القطاع العام دون اعتراض من أهل "طيبة" وهو االاسم الذي يرمز به لمصر .



وقد استطاع حاكم طيبة أن يدخل على شعبه حيلة التوريث، وهو مطمئن لعدم اعتراضهم، فهم منقسمون بين ثمانية مليون موظف، ضمنهم مليونان في عاصمة قاف، ومليونان يعيشون في العاصمة الفكرية ولا يحبذون التعبير عن أنفسهم، وغالبا يعيشون في أماكن منعزلة .



أما العاصمة المجهولة لمصر فهي الأكثر سكانا ويزيدون عن الثلاثين مليون وليس لهم صوت مؤثر في طيبة ، أما الصحفيون القوميون فهم أفضل فئة تجيد فن المسكوت عنه ، والحزب العظيم الذي يرأسه حاكم طيبة يجد أعضائه لذة استثنائية في الحديث للإعلام بلا توقف .



ورغم كل ذلك فالراوي يجد غباء في هؤلاء الحكام الذين يصدقون أنهم يمكنهم التخلص من شعبهم بهذه السهولة .



خلال الرواية يعرج الراوي على أحياء القاهرة، وبعض المسيحيين فيها، وبعضهم مثل "كمال إسطفانوس" وهو مسيحي كاثوليكي يعتز بكلمة الحاج علامة على قربه من المسلمين ، كما يعرج على مشكلات اجتماعية مثل العودة من المهجر وخاصة أمريكا وما واجهته شقيقة الراوي من شذوذ زوجها . وتصور الرواية أحياء الجامعة والتي يصمت فيها رجال الأمن على أصحاب المحال المخالفة للمصنفات بعد أن يتلقوا رشاوى، وتنتشر في هذه الأحياء السرقة ضمن ظاهرة اللصوصية العامة في مصر والتي تبدأ من الموظف الحكومي ولا تنتهي بأراضي الدولة .



كما تطرقت الرواية لما يجري بأمن الدولة من انتهاك حاد لحقوق المواطنين تحت اسم مكافحة الإرهاب ، ومن ذلك إجبار المساجين على الشذوذ بشكل عنيف .





ثم يعود الراوي لأهل طيبة ويصفهم بينما هو واقف أعلى كوبري قصر النيل : لم تغير كل الديكورات الملكية من طباع أهل هذا المكان، فقد ظلت شكوكهم ومخاوفهم تنمو ، وشعورهم بأن ثمة خطأ فادح يجري، والبشرية كلها تتقدم بينما هم فقط يندفعون للخلف.



وسكان طيبة أيضا لا يعرفون أهمية لانتخاب عضو يمثلهم لأن السنوات الخمس التي سيقضيها أيهم في مجلس الشعب لن يعرفهم فيها ، وحينما يسعى أحدهم لتحسين دخله بكشك صغير ويسعى لقرض يواجه بمن يصعب عليه مهمته ويخبره بأن عليه أن يسدد فوائد كثيرة وهم تائهون في العالم الجديد ، ينزلقون من العصر الزراعي للصناعي للمعلوماتي بلا أي مقدمات .



وسكان طيبة أيضا لا يعرفون كتابة الحاضر ويتقنون كتابة التاريخ، وذلك لأنهم يعلمون أن تجربتهم عريقة لا يستطيع شعب إدراكها، ولكنهم يعيشون لحظة تعسة .



تصادف في الرواية المهمشين في ضواحي القاهرة، كسعيد رئيس الجمعية التعاونية الذي يسرق الفراج والسمك، وعم علي الشماع عامل النظافة الذي يكتب الشعر



يقول الكاتب في النهاية : " كش ملك.. لاتنتهي لعبة الشطرنج إلا بعد أن يتنحى الملك ثلاث مرات، ليسقط بعدها ولايعود للرقعة مرة أخرى.. الملوك يؤمنون بقدرتهم على العودة دائما.. لم يثبت أبدًا في التاريخ أن ملكا ما فعل ذلك.. فقط ملك الشطرنج".



ومن وثائق الرواية حادث موت عمرو موسى عبد اللطيف الذي انتحر على كوبري قصر النيل وكان بحوزته خطاب لحبيبته "لا استطيع أن أعيش بدونك ‏فقررت أن أموت والقي بنفسي من أعلى كوبري قصر النيل.. ظروفي ‏المادية السيئة هي السبب"..