Wednesday, May 18, 2011

مبارك الإبن وحيتان المال


القاهرة: يصدر قريباً للدكتور وحيد عبدالمجيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام كتاب جديد بعنوان "ثورة 25 يناير قراءة أولى" عن مركز الأهرام للطبع والنشر.

في كتابه يرى د. عبدالمجيد أنه حينما يستحيل الإصلاح في إطار نظام سياسي فاسد سياسياً واجتماعياً، تصبح الثورة هي الحل.

ومن هنا لم يكن أحد أن يتوقع أن يكون يوم 25 يناير هو بداية ثورة شعبية تحقق في 18 يوما ما عجز الإصلاحيون عن إنجاز نذر يسير منه عبر سنوات طويلة، خاصة في ظل ما كان واضحاً من فشل جهود الإصلاح في السنوات الثلاث السابقة للثورة حيث أكدت التعديلات الدستورية التي تم إقرارها عام 2007 أن باب الإصلاح قد أُغلق نهائيا، وأن الأمل الصغير للغاية الذي لاح من بعيد عام 2005 غدا سرابا.

وحتى عندما نشبت الثورة التونسية ونجحت في إنهاء حكم أحد أبرز الرؤساء المتسلطين، لم يستوعب أركان الحكم في مصر احتمال انتقال الثورة لمصر، كذلك جزمت دوائر غربية رسمية وإعلامية بأن ثورة تونس لن تصل إلى مصر.
ومثال ذلك ما ذكره المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيليب كراولى، "أن كرة الثلج التونسية لن تمتد إلى دول أخرى في المنطقة. وكان كلامه هذا قبل 72 ساعة على مظاهرات 25 يناير التي أشعلت الثورة المصرية، وبدورها أكدت مجلة "تايم" الأمريكية أن شباب مصر ليسوا مؤهلين للثورة لأن التعليم الذي تلقوه فقيراً لا يوفر المهارات اللازمة للمعارضة المؤثرة.

أما في مصر فلم يكن أكثر المتفائلين بمظاهرات 25 يناير يتوقع أن تكون بداية ثورة يقل مثلها. بسبب الإحباط المتراكم عبر ثلاثة أجيال على الأقل، كما أن الفشل الذي مُنيت به جهود الإصلاح منذ منتصف ثمانينات القرن نفسه أضعف ثقة من سعوا إليه في قدرتهم على التغيير.


الرئيس المصرى السابق محمد حسنى مبارك

باب الإصلاح

يؤكد المؤلف على أن المنهج الثوري كان أبعد نظرا من نظيره الإصلاحي في الرهان على إسقاط مبارك بضربة واحدة، بينما كان الإصلاحيون على حق عندما نبهوا إلى أن تنحى مبارك أو استقالته أو رحيله لا يكفى لبناء مصر الحرة العادلة، وأن الثورة لا تحقق أهدافها بمجرد غيابه عن المشهد، وأن الإصرار على خريطة طريق محددة للمرحلة الانتقالية وما بعدها لا يقل أهمية.

تحت عنوان "باب الإصلاح موصداً" يرى المؤلف أنه لم تكن هناك أي جدية في الحديث عن إصلاح تدريجي في بنية سياسية أصابها الجمود، لكن تعديل المادة 76 من الدستور أقام حواجز منيعة أمام إجراء انتخابات رئاسية تنافسية مفتوحة.

فالأحزاب التي أنهكتها القيود الأمنية والإدارية والصراعات الداخلية لا تستطيع المنافسة. كذلك أغلق التعديل الباب أمام غيرهم بسبب استحالة الحصول على تأييد 250 عضوا في المجالس "المنتخبة" والتي تخضع لسيطرة النظام الحاكم.

فزاعة الإخوان

أتاحت نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت نهاية 2005 فرصة لاستخدام الإخوان "كفزاعة" بكثافة لا سابقة لها حيث أسفرت تلك الانتخابات عن حصول "الإخوان" على 88 مقعدا تمثل نحو 20 في المائة من مجموع مقاعد مجلس الشعب.

وقد تزامن إشهار "الفزاعة الإخوانية" في مصر بما حققته في انتخابات 2005 البرلمانية مع توسع دور تيار الإسلام السياسي في المنطقة من الكويت والبحرين شرقا إلى الجزائر غربا، إضافة لفلسطين حيث فازت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي.

ويرى عبدالمجيد أن تأثير "الفزاعة الإخوانية" التي ابتكرها النظام كان ضعيفاً داخلياً بينما كان له تأثير قوي بالخارج، حيث أن نظام الحكم في مصر كان يسوده قلق من الوضع الدولي، خاصة سياسة إدارة جورج بوش في ذلك الوقت، فكان الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس ينتقدون الأوضاع السياسية في مصر، وقالت رايس في إحدى خطبها "إن عدم تحقيق الإصلاح في مصر يضر مصالح الولايات المتحدة، وأن الأنظار تتجه إلى الانتخابات فيها بأمل أن تكون نزيهة ومفتوحة وتنافسية".

ولذلك، فما أن نجحت "الفزاَّعة الإخوانية" في تحقيق أثرها المبتغى خارجيا ووقوع الرئيس الأمريكي جورج بوش وأركان إدارته تحت حصارها إلى جانب غرقهم في مستنقع العراق وفشلهم في تحقيق أملهم بشرق أوسط كبير حتى بدأ نظام الحكم في التخلي تدريجيا عن خططه التي زعمها بهدف الإصلاح.

وأعقب ذلك قيام المتحلقين حول نجل الرئيس السابق جمال مبارك بالشروع في الإمساك بمقاليد الأمور بطريقة أظهرت نزعة فاشية مخيفة لم تظهر بوضوح تام إلا قبل أشهر على اندلاع ثورة 25 يناير، كما كانت عملية إجراء التعديلات الدستورية، التي شملت 34 مادة ليس من بينها أي من المواد الأساسية التي يتطلب الإصلاح تغييرها، مؤشرا قويا على ذلك.

مبارك امتداد لفرعون

تحت عنوان "الصيغة المملوكية في نظام مبارك" كتب د. وحيد عبدالمجيد في الفصل الأول من كتابه الجديد أن السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق شهدت اختلافاً في مشهد قمة السلطة فلم يعد الرئيس يمسك بجميع الخيوط بين يديه ويهيمن على كل كبيرة وصغيرة في البلاد. وإن ظل هو من يحدد الاتجاه، كما بقى هو "الكبير" الذى يتضاءل الجميع بجواره علنا وفى حضوره. ولكن هذا الحضور كان يتقلص فعليا.

وبحسب المؤلف فإن تراجع قدرات الرئيس السابق الجسدية والذهنية أثر بالضرورة على حضوره الذي كان طاغيا من قبل، مما أدى لخلق مساحات فارغة يتحرك فيها أصحاب نفوذ من بيروقراطية الدولة ورجال المال والأعمال سعيا لكل منهم لملأ ما يتيسر له من هذا الفراغ. ونتج عن ذلك خلق نمط من التفاعلات يقوم على تحالفات وصراعات متغيرة حكمتها العلاقات الشخصية والشللية وتقاطعات المصالح القديمة والمستجدة.


ميدان الثورة

ويشير عبدالمجيد إلى الاعتقاد الذي شاع في أن النظام السياسي المصري يحمل، منذ منتصف خمسينات القرن العشرين، سمات فرعونية فالرئيس المصري مطلق السلطة وفق نصوص الدستور منذ إصدار دستور 1956 وحتى أخر تعديل أجرى عام 2007 في دستور 1971. حيث يتولى الرئيس السلطة التنفيذية ويمارسها تفصيلا، إلى جانب هيمنته على السلطتين التشريعية والقضائية، في الوقت الذي يعتبر أيضا حكما بين السلطات وأبا للشعب يرعاه ويسهر على مصالحه.

ويقيم الدستور، على هذا النحو، نظاما فرديا مطلقا لا هو رئاسي ولا "برلماسى" .. نظام يدور حول الرئيس الفرد الذي يصبح كل ما عداه. ويؤكد عبدالمجيد على أنه ليس في إمكان أي شخص ممارسة هذه السلطات كلها بشكل حصري طول الوقت.

وبالتالي يتعين على الرئيس أن يمارس سلطاته وأن يحكم من خلال رجال قريبين إليه، وقد يكون بين هؤلاء من يؤدون المهمات المطلوبة منهم باعتبارها واجبا عليهم سواء تجاه الرئيس أو الوطن. ولكن لابد أن يكون بينهم أيضا من يؤدون هذه المهمات بما يحقق مصالح خاصة بهم.




جمال مبارك

مبارك الابن .. وحيتان المال

يسلط المؤلف الضوء في هذا الجزء من كتابه على جمال مبارك والذي عاد إلى مصر منتصف تسعينات القرن الماضي بعد فترة عمل في لندن باحثا عن دور مميز يقوم به، وكان حينها مبارك في منتصف فترته الثالثة بالحكم.

وعقب عودته بدأ جمال الاتجاه سريعاً إلى العمل العام، فأسس أو أُنشئت من أجله، جمعية اجتماعية عُرفت باسم "جمعية المستقبل". وحرص جهاز الأمن، على ضم مجموعات من الشباب إليها، وبين عامي 1998 و1999 شاع أنه يتجه إلى تأسيس حزب جديد يعتمد على الجمعية التي أنشئت من أجله ويحمل اسم "حزب المستقبل" لتكون هذه بداية نوع من تبادل السلطة بين حزبين رئيسيين على نسق النظام الحزبي البريطاني الذي كان هو مغرما به.

ويوضح المؤلف أن الحديث عن هذا السيناريو تبخر تماما عقب انتخابات مجلس الشعب عام 2000 حين فشل مرشحو الحزب الوطني الرسميون في الحصول على أكثر من 38 في المائة من المقاعد، بعد أن سقط معظمهم في مواجهة منشقين خاضوا تلك الانتخابات مستقلين. وكانت هذه الانتخابات هي الأولى التي أُجريت تحت إشراف قضائي كامل على عملية الاقتراع، وليس على مجمل العملية الانتخابية.

ومن هنا برزت صورة جمال مبارك كما لو أنه "الفارس" القادم على حصانه ليأخذ الحزب الوطني في طريق جديدة تحت شعار "الفكر الجديد"، بعد أن أصبح أحد أعضاء لجنة ثلاثية عقدت لقاءات موسعة في كثير من المحافظات لتحديد المشاكل التي تواجه الحزب وكيفية حلها، ثم أضيفت للهيكل التنظيمي الحزبي ما عرف بـ "الأمانة العامة للسياسات" وتفرعت عنها لجان نوعية موازية لتلك التى كانت موجودة أصلا .

وكان الهدف من وراء ما سبق هو بناء مكانة متميزة لمبارك الابن في قمة حزب السلطة، الذي لم يكن إلا جهازا من أجهزة نظام الحكم يعتمد على جهازيه الأمني والإداري أشد الاعتماد. وبدا المشهد، إذن، منذ البداية مرتبطا برغبة في ضمانة خليفة يرث السلطة وليس بتطوير حزب أو تحديثه.

ويرى المؤلف أن الشعار الذي اتخذه جمال عند إقامة الأمانة العامة للسياسات بالحزب الوطني وهو "الفكر الجديد" لم يكن إلا غطاء لتسويغ الزواج بين السلطة والثروة وما اقترن به من تغير في أنماط التفاعلات داخل نظام الحكم.

وكان تشكيل حكومة أحمد نظيف الأولى فى يوليو 2004 بداية نقطة تحول أخذت معالمها تكتمل مع توزير بعض حيتان المال والأعمال ووضع موارد الدولة بين أيديهم، بعد أن صاروا هم الرافعة الأساسية لمشروع التوريث، الذين أخذوا في الترويج له.



بقلم / مي كمال الدين

2 comments:

كريمة سندي said...

كما أوضحت حضرتك من اسم الكتاب قراءة أولى فهذا يعني أنه ستكون هناك قراءات أكثر وأعمق فمازالت أثار الفساد موجدودة

سعدت بمروري من هنا تحياتي الصادقة

Amira said...

لفتة رائعة

تسلم تامر


تحياتى