Thursday, November 04, 2010

تشريح الشخصية المصرية"


صدرت عن دار الشروق المصرية طبعة ثالثة من كتاب " تشريح الشخصية المصرية" وفيه يطوف الطبيب النفسي المرموق والمثقف د.أحمد عكاشة في أروقة ملفات عدة تتعلق بالصحة النفسية ويجيب على تساؤلات هامة منها : ما التشريح النفسي للشخصية المصرية؟، ما التحليل النفسي للرئيس السادات وقاتله؟، هل التطرف ظاهرة مرضية؟ وهل لها علاج؟، ما الآثار النفسية والاجتماعية لتدهور البيئة الحضرية والريفية؟، ما أثر النظام التعليمي في مصر على الصحة النفسية للمرأة؟، ما العلاقة بين العبقرية والفن والجنون؟، وغيرها من الموضوعات التي نتوقف معها في السطور القادمة.



في البداية يؤكد د.عكاشة أننا لا نستطيع أن نعمم على أي شعب سمات خاصة في شخصيته، ولكنها تكون سمات غالبة عليه ؛ فالشخصية المصرية انبساطية ، تحب الاختلاط والدفء العاطفي ، تتمتع بسهولة الإيحاء " طيبة القلب " كما يسميها البعض مع الإحساس بالمسئولية الأسرية، والانتماء والتماسك مع الدين والأسرة أكثر من الوطن. ولكن هذه السمات العامة لا تمنع وجود شريحة عريضة من المصريين والعرب أيضا تتسم بالاعتمادية ، أو الاتكال على الآخرين في المسئوليات الهامة وتسخير الاحتياجات الذاتية للآخرين ليقوموا بالمهمة نيابة عنا والميل للتعامل مع المحن بإلقاء المسئولية على الآخر ، كما يكثر أن نشاهد شخصيات عدوانية أو سلبية أو إستهوائية ، والصفة الأخيرة ترتبط بالميل لتفخيم الذات والتأثر بالآخرين بسهولة والمشاعر السطحية الهشة، وعدم وضع الآخرين موضع الاعتبار، والنهم للإثارة والنشاطات التي يكون هو أو هي فيها مركزا للانتباه، والسلوك الابتزازي الدائم للوصول للمنافع الذاتية.



ويلاحظ د. عكاشة أن شريحة من المصريين يصوبون نقدهم وسخريتهم نحو كل المحيطين بهم ، وأحيانا ينتقد الشخص شيئا هو يفعله دون أن يدري ، كأن ينتقد التسيب وعدم الانضباط ولكنه في حياته لا يطبق هذه المباديء ، أو أن تسقط كل الكوارث على السلطة وحدها بدون أن تقوم بفعل إيجابي – في مستطاعها - لمنع الكوارث .

ويتمنى عكاشة أن تضاف لصفات المصريين احترام العمل واتخاذ القدوة من الناجحين والمثابرة ومواصلة الجهد حتى نواكب التغيرات العالمية المتلاحقة .



فوضى اللغة


شئ آخر يشير عكاشة في كتابه لتأثيره سلبا على الشخصية المصرية وهو فوضى اللغة التي أضرت بالقدرة على التعبير عن الفكر ؛ فنجد شريحة ليست هينة من المصريين تستخدم لغة يتضح منها الاستهتار والتسيب الاجتماعي، والانفلات النفسي، وعدم تحمل المسئولية والسخرية من القدوة والرمز والقيم . كما حذر من ميل الطبقات الميسرة في مصر لإلحاق أبنائهم في المدارس الأمريكية والفرنسية والبريطانية والألمانية، وبالتالي يتحدث الأبناء هذه اللغة أفضل من لغتهم الأم العربية ، كما يصبح الطفل في تشتت فكري يجعله ينجح في الامتحانات لكنه غير قادر على الابتكار.



وحتى في المدارس المصرية نجد مستوى تدريس اللغة العربية تدنى بشكل ملحوظ، حتى إن خريج الثانوية العامة غير قادر على استخدام لغة عربية صحيحة. بل إن صانعي القرار أنفسهم والمسئولين وأعضاء أجهزة الإعلام أصبحوا يتكلمون لغة ليست بالعربية أو حتى العامية، ولكنها خليط من عدة لغات دخيلة أحدها على الأخرى.





ويؤكد رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي د.عكاشة أن نهضة الأمة المصرية والعربية تعتمد إلى حد كبير على الاهتمام بقدرتنا على التواصل بلغة موحدة ومحاربة فوضى اللغة وتمكين كل فئات الشعب من التذوق الثقافي والجمالي وتجنب انغماسهم في طرب وتسلية لا طائل من ورائها سوى نسيان معاناتهم اليومية بدلا من العمل على مواجهتها.







التعليم في مصر






في فصل آخر يتساءل الكتاب : ما هو الطريق الذي يرسمه النظام التعليمي في مصر؟ وما المثل والقيم التي تبثها المؤسسة التعليمية في بناتنا للقيام بأي دور في المستقبل؟ ، ويجيب بأن أسلوب التعليم في مصر يقدم دعماً للقهر الاجتماعي الواقع على الفتاة ثم المرأة ؛ فالمدرسة تتعامل مع أولادها وبناتها بنفس الأسلوب الأبوي المتسلط، ومع ذلك فإن الأولاد يجدون خارج أسوار المدرسة خطاباً آخر، وفي الأسرة والأفلام وبين الأصدقاء تتأكد قوامتهم وقوتهم وسيادتهم على الجنس الآخر، أما البنات فإن الخطاب ينسجم داخل وخارج المدرسة ويكرس بذلك دوراً ثانوياً أو تابعاً مهمشاً لهن كفتيات ثم كنساء في المستقبل.



أيضا تعكس المقررات التعليمية في عدد من المواقع نمطية الأدوار الموكلة للنساء والرجال في المجتمع، "فأمي تطبخ وأبي يعمل في الحقل" هو النمط السائد في الوظائف الاجتماعية ، ولو أخذنا منهج التاريخ مثلاً لوجدناه تاريخاً من الحروب والفتوح والانتصارات بطلها الرجل في حين أن المرأة غائبة تماماً عن أي إنجازات تاريخية. حتى الملكة حتشبسوت يقتصر دورها في كتب التاريخ على بناء معبد الدير البحري، وفي مكان آخر يصف كتاب التاريخ للمرحلة الإعدادية المرأة الفرعونية فيقول: "وقد حرصت المرأة المصرية على الاهتمام بزينتها فاستخدمت أدوات الزينة مثل الكحل والأساور والعقود والخواتم والقلائد.. الخ. وكانت المرآة من أهم حاجات المرأة التي لا غنى عنها".



ولا يتصور أحد أن هذا ما كانت المرأة الفرعونية تتميز به في حضارة هي بشهادة الجميع من أعرق الحضارات أدت فيها المرأة أدواراً وصلت لأن تكون حاكمة ، ولم يجد المقرر التعليمي ما هو جدير بالتدريس للأجيال الجديدة سوى أدوارها كزوجة وتضحي من أجل زوجها.


إن القيم التي نبثها في أبنائنا منذ الصغر تخلق مشروعات لرجال مسيطرين ونساء منسحقات، مجتمع نصفه شعور بالعظمة غير المسوّغة، ونصفه الآخر يعاني شعوراً بالذنب غير مسوّغ. فهل هذا ما نُعد أنفسنا به لدخول القرن الواحد والعشرين؟!



الطب النفسي والأمن القومي



يؤكد د. أحمد عكاشة أن الطب النفسي أصبح أحد فروع أجهزة الأمن القومي في جميع دول العالم، ولكنه لا يصدق على البلاد العربية، لأن أحدا لا يمكن أن يتنبأ أو يتوقع الردود العاطفية الانفعالية للإنسان العربي..إذ لم يصدق أحد في جميع أجهزة المخابرات العالمية أن يخرج الشعب المصري كله ليطالب ببقاء عبد الناصر بعد هزيمة عام 1967، مع أن المفروض أن يعزل ويحاكم كقائد مهزوم.



لكن ما أعرفه – والحديث للمؤلف- أن المخابرات الأمريكية استخدمت جميع أطباء النفس الموجودين في الجمعية الأمريكية للطب النفسي لدراسة شخصيتي السادات وبيجن قبل مباحثات كامب ديفيد واستطاعوا أن يحسبوا بدقة ردود أفعالهما، فلقد وقع السادات وبيجن برغم أن كلا منهما كان يتوقع في هذا التوقيع نهايته، فلقد اغتيل السادات بسبب الاتفاقية، ومات بيجن مكتئبا لإحساسه بأنه خسر سيناء.



ولكن هناك تقديرات تخيب فيها توقعات أطباء علم النفس وأجهزة المخابرات أيضا وأبرز مثال أمامنا هو حالة صدام حسين، فلقد ظنت أمريكا بكل أجهزتها أن الشعب العراقي سوف يسقط صدام حسين بعد حرب الخليج الخاسرة، ولكن خاب هذا التوقع لأن العراقيين تمسكوا بصدام، إن هذا المثال لصدام وشعبه يذكر بمقولة الطغيان الشرقي التي قال بها الفلاسفة حيث أكدوا أننا نحن الشرقيين مؤهلون لتقبل الحاكم الطاغية المستبد.



الرئيس السادات وقاتله


الرئيس المصرى الراحل انور السادات



في حوار أجراه أسامة سلامة مع مؤلف الكتاب ونشر في مجلة روز اليوسف في 6 أكتوبر عام 1997 يقول عكاشة: لا أستطيع تقديم تحليلا عميقا لشخصية السادات دون فحصه وكل ما أفعله هو تقييم له، وقال عن السادات أطباء نفس أمريكيون أنه لا يميل إلى التعمق في الأشياء، وإن قدرته على المثابرة والصبر محدودة ، وهو مهتم بالصورة الاجتماعية والمظهر الخارجي، ويتضح ذلك من الملابس المختلفة التي يرتديها، مرة الجلباب، ثم البدلة، والملابس العسكرية مرة والبايب مرة. وهو الرئيس الوحيد الذي جاء بمصور ليلتقط له صورة وهو يحلق لحيته، ويفطر ويستحم.



ولا ننسى أن الأمريكان أشاعوا أن السادات لو رشح نفسه في أمريكا لفاز، والحقيقة أن أحسن وسيلة لإنهاء إنسان هي أن تمدح فيه حتى ينتفخ، وإذا وصل إلى الانتفاخ فإن دبوسا صغيرا يجعله ينفجر. والأمريكان لعبوا هذه اللعبة مع السادات مرة يختارونه ضمن أشيك ثلاثة في العالم، ومرة ينتخبونه أحسن زعيم سياسي ، وبرأي أحمد عكاشة كان السادات نموذجا لحكام مصر من أيام الفراعنة، فهو فرعون من سماته حب السيادة، الإحساس بأنه صاحب رسالة مقدسة والرغبة في الطاعة العمياء، والنداء بالديمقراطية دون تطبيقها.



وعن السمات النفسية لخالد الإسلامبولي قاتل السادات يقول د.عكاشة: المتطرف إنسان يولد وعنده استعداد للتطرف، وحسب البيئة والتعرض للعقائد المختلفة يختار طريقه. وأكبر دليل على ذلك أن المتطرفين الشيوعيين عندما انقلبوا أصبحوا متطرفين إسلاميين، وهذا أكبر دليل على ان التطرف سمة من سمات الشخصية، ويكون فيه الإنسان متصلب الرأي وغير قابل للمناقشة، وعديم المرونة.



ويشير إلى أن قتلة الرؤساء لهم سمات خاصة تتمثل في أن بعضهم مختل عقليا، وبعضهم مدفوع بواسطة أناس آخرين، وبعضهم عن عقيدة خاطئة، والإسلامبولي قام بهذه العملية واحتمال الاستشهاد قائم لديه بنسبة 100%.


هل يؤثر مرض الزعماء بقرارهم؟ سؤال طرح الكتاب وكانت الإجابة : نعم . لابد أن يؤثر ؛ ثبت مثلا أن أنتوني إيدن قد اتخذ قرار الحرب ضد مصر في العدوان الثلاثي وهو تحت تأثير عقار الأمفيتامين وهو نوع من المنبهات العصبية التي كانت تشعره بضلالات وأفكار خاطئة، كما ثبت أن رئيس وزراء فرنسا في الحرب نفسها، وهو جي موليه كان واقعا تحت تأثير الكورتيزون.



وحدث أن لاحظ المسئولون السوفيتيون أن ستالين بعد أن حكم لسنوات طويلة وبقبضة من حديد قد بدأ يشك في كل من حوله، واقترحوا عليه أن يجلس مع مجموعة من أكبر أطباء النفس في الاتحاد السوفيتي، وحدث اللقاء بالفعل وكتب الأطباء تقريرا علميا قالوا فيه إن ستالين يعاني اضطرابا ضلاليا يدفعه إلى الشك في كل من حوله وتلك صفة ملازمة لكل المسئولين الذين يبقون في أماكنهم لسنوات طويلة، لأن الواحد من هؤلاء يشعر بالتمركز حول الذات، وأنه رمز هذا البلد وأنه المخلص له، ولهذا يجب التخلص تماما من أي معارضة لحكمه، وهذا ما حدث لأطباء ستالين إذ ما كاد يقرأ تقريرهم حتى أمر بإعدامهم جميعا.





د. أحمد عكاشة

الإيمان والصحة النفسية

د. أحمد عكاشة




يقول عكاشة في محاضرته التي ألقاها في المؤتمر العالمي للجمعية العالمية للطب النفسي التي عقدت في همبورج أغسطس عام 1999 وتم فيها انتخابه رئيسا لهذه الجمعية أن إغفال الروحانيات والإيمان بالدين والحب والسلام قد كبد أوروبا في أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية ما لا يقل عن 70 مليون نسمة، وذلك لصراعات سياسية.



إن للإيمان والتدين جانبا إيجابيا من ناحية قبول الإنسان لذاته ضعفا وقوة، وكذلك التوكل على الله لا الاتكال والنكوص عن بذل الجهد الكافي، إن الإيمان يؤدي دورا مهما في تغيير كيميائية المخ من مهدئات وأفيونات مما يعطي الطمانينة والسلام والأمل ويخفف من حدة الآلام النفسية والجسدية، ونتعجب عندما نعلم أنه توجد عقاقير ربانية لم نكتشف وجودها بالمخ إلا بعد سنوات من اكتشاف مرادفها.


فقد تم اكتشاف المورفين والهيروين والكوديين قبل أن نعرف أن الله قد خلق مستقبلات أفيونية في المخ تفرز الأفيون الداخلي لتخفيف الألم، فالكلمة الطيبة تزيد من مهدئات المخ، والحب الصادق يزيد من مطمئنات المخ، والعمل الصالح يرفع من نسبة هذه المواد، بل ثبت أخيرا أن الغضب والقلق والاكتئاب يقلل من عمل جهاز المناعة ويجعل الإنسان عرضة لأمراض المناعة من الروماتيزم والسكر وأمراض الشريان التاجي وجلطة القلب وسكتة المخ، كما أن الحالة النفسية لها علاقة واضحة بكل أجهزة الجسم.



إن العودة إلى الإيمان هي الملاذ الأمثل للصحة النفسية، والصحة النفسية هي إسباغ الجودة على الحياة، إن طول الحياة دون جودتها هو مغنم أجوف. ولن يتمتع الإنسان المعاصر بالصحة النفسية إلا إذا عاد للإيمان بكل العقائد التي تحض على الفضيلة والتضحية والتمركز حول الآخرين والابتعاد عن التمركز حول الذات.


بقلم /سميرة سليمان

No comments: