Friday, August 21, 2009

نجيب محفوظ بأقلام المثقفين السوريين


جد في كتاب "نجيب محفوظ بعيون سورية" أبحاثاً ومقالات وشهادات، مما كتب عن نجيب محفوظ، خلال العقود الستة الأخيرة، وتفصح هذه الكتابات عن مواقف محفوظ الثقافية والسياسية والاجتماعية والحضارية، وعن رؤيته الفكرية والحياتية.

من ضمن الدراسات المهمة، التي انطوى عليها الكتاب دراسة لجورج طرابيشي، بعنوان "نجيب محفوظ يعيد كتابة تاريخ البشرية"، في كتابه "الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية"، الصادر عن دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1973، حيث يعلل أسلوبية محفوظ الرمزية على أنه لم يكن أمامه "غير أحد أمرين: إما أن يقلع نهائياً عن معالجة مواضيع مماثلة، وإما أن يلجأ إلى الترميز ويشتط في التورية إلى حد التجريد بحيث تخفى الحقائق وراء برقع صفيق من الظواهر".

يختم طرابيشي نظرته إلى هذه الرؤيا الشاملة بقوله: "وأيا يكن موقفنا من الميتافيزيقيا ومن لغتها ومشكلاتها فليس بقليل أن يؤكد في مجتمع كمجتمعنا كاتب له شعبية نجيب محفوظ وتأثيره بأن الإنسان هو المعجزة لأنه يحلم بالطيران وهو غارق في الوحل، الطيران بأجنحة الدين بالأمس وبأجنحة العلم اليوم، وربما بأجنحة الاثنين معاً غداً".

تضمن، أيضاً، قراءة لفاضل السباعي حول رواية نجيب محفوظ  "بداية ونهاية" كانت قد نشرتها مجلة الأديب اللبنانية في آب 1956 وتحدث فيها عن مأساة "نفيسة كامل علي" بطلة الرواية التي رسم لها المؤلف دور المانحة التي تعطي بصمت وسخاء، لتنتهي في آخر المطاف إلى العدم والفناء، فرأى السباعي أن شخصية نفيسة لم تكن مقنعة كل الإقناع، ولم يستقم لها الصدق الروائي الذي كانت عليه سائر شخصيات الرواية معتبراً أن مأساة نفيسة المتمثلة في انتحارها تنطوي على شيء من الافتعال والبعد عن الإقناع دون باقي شخصيات رواية "بداية ونهاية" التي يصفها بالقصة الممتعة.. بدناها الزاخرة، وتماسكها الفني.. معتبراًً أن محفوظ من أنجح – إن لم يكن أنجح- الأقلام الروائية، التي أخذت على نفسها أن تؤرخ برائع فنها للواقع العربي بما يتسم به من مزايا/ وما ينجزه في كيانه من أدواء".

درس رياض عصمت في دراسته "ماوراء الواقعية عند نجيب محفوظ" أهم الأعمال، التي أبدعها خلال حياته، واعتبر أن ثمة نقطتي تحول لهما أهمية خاصة في المشهد الروائي عند محفوظ من جهة، وعند المشهد الروائي العربي من جهة ثانية، وهما: رواية "القاهرة الجديدة"، التي تمثل معالم مرحلة الواقعية النقدية القديمة"، و"ميرامار"، التي تمثل طرقه باب الرواية الجديدة ذات التقنيات الفنية المتداخلة وتعدد مستويات السرد من خلال وجهات نظر مختلفة للأحداث ذاتها.

يرى رياض عصمت أن نجيب محفوظ ينطلق من حادثة وليس من ومضة، وهو يسهب في الوصف الدقيق الفني للأشياء ليتركنا أمام غموض الصورة النهائية، وليتركنا أمام النهاية المفتوحة المقترنة بحرية الإنسان في الحياة الحقيقية.

إنه لايتدخل في مصائر أبطاله ولايقحم نفسه عليها بتدخل فظ، وإنما يتابعها قافزاً من مكان إلى آخر أحياناً مثل كاميرا السينما كما ظهر في "تحقيق- الطبول- المقابلة السامية – الجريمة"، أو أنه يتابعها من المكان نفسه ككاميرا التلفزيون، كما في "الحجرة رقم 12-العريس- أهلاً" وأحيانا بزواج الاثنين، كما في "العربي والغضب".

أما نبيل سليمان، فيرى أن رواية "الحب تحت المطر" تعرض لنا مجريات الرواية وأحداثها، ويشير إلى تجربة نجيب محفوظ الفنية، وهنا يعلل نجيب محفوظ البساطة الفنية التي أخذ بها روايته بقوله: "إن الترميز لم يعد مقنعاً ولا شافياً أخشى أن أقول لك بأن الكلمة الفنية تكاد تكون عديمة الجدوى إن كون الحب تحت المطر بسيطة لايمنع من كونها انعكاساً للاضطراب العام، هى عبارة عن مجموعة صور تكوّن أخيراً مجموعة حكايات تعكس في جملتها اختلالاً شاملاً".

في إطار الأدب المقارن، فقد ألف الكاتب ممدوح أبو الوي كتابه "تولستوي ودوستويفسكي في الأدب العربي"، ليظهر أهمية الأدب العربي وتأثيره في الآداب الأجنبية، ومنها الأدب الروسي، حيث تحدث أبو الوي عن بعض مؤثرات رواية "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي في رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، وقد صدرت الروايتان في مرحلتين تاريخيتين متشابهتين، كما حاول أبو الوي إثبات نقاط التشابه ونقاط الاختلاف بين الروايتين، ومفادها أن دوستيفسكي كتب رواياته بحرارة وديناميكية وتجري أحداثها في فترة زمنية قصيرة "خلال أسبوع مثلا" في حين لم يجد مثل هذه الحرارة في روايات نجيب محفوظ، وكأن دوستيفسكي قد استفاد من الأدباء الروس والأجانب الذين سبقوه والذين عاصروه، فالتأثير والتأثر عمليتان ضروريتان في عالم الإبداع، وهذا هو أحد الأبواب الرئيسة في الأدب المقارن، كما يرى الكاتب.

تطرق الكاتب محمد كامل الخطيب إلى إبداعات نجيب محفوظ الروائية وكشف فيها عن الخصائص الفنية لإبداعه مقاربة للمنهج الاجتماعي، وقوامه المحتوى والشكل، وتحدث عن رؤاه للعالم وعوالمه الروائية المحددة التخوم والموضوعات والمضامين والتقنيات لأن رؤى العالم برأيه تتعدد بتعدد الحضارات والأزمان والثقافات والكتاب.

يرى أن ثلاثية نجيب محفوظ تحمل وجهة نظر مؤلفها في راهن مجتمعه وفي الواقع الإنساني العام.

في الجانب السينمائي، في القسم الثاني من الكتاب يتحدث الكاتب محمد عبيدو عن أهمية نجيب محفوظ في السينما، فقد اختصر نتاجه الهائل تاريخ مصر في القرن العشرين، فهو لم يكن شاهداً على هذا التاريخ فحسب، بل كان أحد صانعيه وأحد الذين بنوه روائياً ليصبح هذا التاريخ شاهداً على نفسه.

يرى أن روايات نجيب محفوظ ستكون بعد مئات السنين بمثابة خرائط مصورة لعلماء الآثار، عندما يريدون التنقيب عن الحارة المصرية القديمة التي بدأت تضمحل وتغيب شخوصها وتذوب ملامحها بفعل التمدن السريع.

فقد كتب سيناريوهات لـ26 فيلماً واقتبست السينما22 رواية من رواياته، كذلك يتحدث محمد قاسم الخليل عن نجيب محفوظ بأنه هَرَمٌ في السينما، وكيف توجهت أنظار السينمائيين العالميين إليه، بعد حصوله على جائزة نوبل عام  1988 فكان له دور حتى في السينما المكسيكية.

باختصار فإن نجيب محفوظ، كما يرى الكاتب، كان قمة في السينما العربية تماماً كما كان هرماً في الرواية.

يحتوي الكتاب على قسمين آخرين: القسم الثالث يحتوي على شهادات لكتاب كتبوا عن رحيل نجيب محفوظ وما تركه من أثر وبصمات في التاريخ العربي والعالمي في مجال الأدب والرواية، أما القسم الرابع يتضمن معلومات ووثائق عن السيرة الإبداعية لنجيب محفوظ: حياته، وفاته، أعماله، جوائزه، وكذلك كلمته أمام لجنة جائزة نوبل.

الكتاب يوثق لبعض الكتابات، التي قيلت في أدب محفوظ الثري، وفي وفاته، وفي شخصه، وقد صدر بمناسبة رحيل الكاتب الكبير صاحب نوبل للآداب.

 

الكتاب: نجيب محفوظ بعيون سورية

الناشر: وزارة الثقافة - الهيئة العامة السورية للكتاب