Sunday, May 03, 2009

عصر التشهير بالعرب والمسلمين


يتعرض العرب والمسلمون اليوم إلى أنواع شتى من الهجوم، بأيديولوجية تختلف عن الهجوم المسلح أو الاحتلال العسكري، تحاول أن تنال من تاريخهم بالتشويه والتشهير، وقد ذاق المسلمون ذلك على يد الاستعمار الغربي، وأضيف إليه في نصف القرن الماضي حملات تشهير دائمة من جانب إسرائيل وأعوانها، وأجهزة الدعاية والإعلام.

ثم زاد ذلك بعد حادث 11 سبتمبر الشهير، فأصبح العرب والمسلمون أكثر الشعوب هدفاً لهذا التشهير بادعاء الإرهاب والأصولية الدينية المتشددة، وشن الغرب وأمريكا أشد وأقسى الحملات التي نالت من صورة العرب والإسلام في العالم كله. وتزعمت أمريكا القوى الضاربة للإرهاب والقضاء عليه، وتخليص العالم منه، بعد أن روجت بكل السبل لذلك، وهيأت شعوب الغرب وأمريكا لاستقبال تلك الصورة المشينة عن العرب والإسلام، حتى بات الشارع الأوروبي والأمريكي يعتقد بأن العالم الإسلامي مهد التطرف والإرهاب، وأن الإسلام عدو يريد القضاء على شعوب العالم غير المسلم.

وهذا الكتاب "عصر التشهير بالعرب والمسلمين" للدكتور جلال أمين، الصادر عن دار الشروق، يتناول من زوايا مختلفة تلك الحملات التشهيرية على العرب والمسلمين، خاصة بعد تصعيد التوتر السياسي العالمي عقب حادث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، طامحاً في أن يساهم في التصدي للتدهور الذي أصابنا بعدم الثقة في النفس.

وبداية يحاول الدكتور جلال أمين أن يقدم قراءة سريعة للنظام العالمي الذي كان يحكم العالم قبل الحرب العالمية الثانية، وإنهاء السيطرة العسكرية الغربية التي تمثلت في بريطانيا وفرنسا، ليسود نظام آخر من السيطرة كبديل عن الاحتلال بالقوة، وتحويل الشعوب الضعيفة المتأخرة، فيما أسموه بالعالم الثالث، إلى معسكر خاضع تابع للدول العظمى، التي تمثلت في القوتين العظميين؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، في صورة الحرب الباردة التي كانت شعوب العالم الثالث فقط هي ضحيتها، ثم كان من المتوقع أن يسود العالم نظام عالمي جديد بعد سقوط المعسكر الشرقي "الاتحاد السوفيتي" في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، نظام يعيد ترتيب العلاقات الدولية مرة أخرى تبعاً لمناطق نفوذ القوى الجديدة والوحيدة التي تسود العالم "أمريكا".

ويؤكد المؤلف أن هذا النظام الجديد لا بد أن يكون فيه أشياء قديمة من الماضي لا تسقط بسقوط نظام وقيام آخر، ومنها غلبة المصالح الاقتصادية ودورها الأساسي في تشكيل العلاقات السياسية في العالم، ومنها أيضاًً استعداد الطرف الأقوى لارتكاب أبشع الأعمال، إذا وجدها لازمة لتحقيق أهدافه، والتاريخ يخبرنا بذلك رغم مرور "أربعة أو خمسة قرون من الحضارة الحديثة لم تمنع الدول الكبرى من شن حروب راح ضحيتها الملايين من الناس من أجل إعادة توزيع الموارد والثروات أو لتسهيل الحصول على مادة أولية أرخص سعراً أو أقل نفقة، أو لفتح أسواق جديدة أوفر ربحاً.. إلخ ".

ويرى المؤلف أن النظام الجديد يميل إلى الزعم بغير الحقيقة في الحديث عن الأهداف المتوخاة، أو عن الوسائل التي يجري اتخاذها لتحقيق هذه الأهداف، فعندما تكون الأهداف أهدافاً مادية بحتة، وتتعارض مع أبسط مبادئ العدل كما يفهمها معظم الناس، وعندما تكون الوسائل المتبعة لتحقيقها متعارضة بدورها مع أبسط المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية، فإن اللجوء إلى الخدع والتمويه يصبح بدوره شيئاً لازماً وضرورياً، لا تزول الحاجة إليه في ظل أي نظام عالمي، جديداً كان أو قديماً، لا بد إذن من إخفاء الدوافع الاقتصادية في رداء من الشعارات النبيلة، والزعم بأن المقصود هو تحقيق هذه الشعارات وليس الكسب المادي، هكذا استخدمت في الماضي شعارات نشر المسيحية أو الحضارة، أو الدفاع عن الأقليات أو عن الحريات أو عن سيادة القانون.. إلخ، ولا بد أن نتوقع أن يكون لنفس هذا الغرض استخدام شعارات مثل حقوق الإنسان، أو القضاء على الإرهاب أو استئصال مصادر إنتاج الأسلحة ذات الدمار الشامل.. إلخ.

ويضيف المؤلف أن التغير الذي طرأ على النظام العالمي، السياسي والاقتصادي، كان من المحتم أن يصاحبه تغير آخر في الخطاب الإنشائي يهدف إلى "تجميل القبيح" وإبراز الغايات الحقيرة إلى غايات نبيلة وجديرة بالاحترام، واتخذت القوى العظمى الجديدة أساليبها المختلفة في ترويج هذه الأفكار والشعارات التي كان من أبرزها اختراع عدو توجه إليه نقمة الشعوب المراد كسب تأييدها ودعمها للأهداف المتوخاة وللوسائل المستخدمة لتحقيقها.

وعن وضع العرب والمسلمين في هذا التطور الأخير للنظام العالمي، وما موقعهم منه، فمن المعروف أن النظام الاقتصادي للنظام الجديد يعتمد على انتشار الشركات متعدية الجنسيات، وعلى العولمة وتقسيم العمل والتسويق ووسائل الاتصال ونقل المعلومات والأفكار، وكان لابد له أن يعيد ترتيب العلاقات الدولية بما يتفق مع الأهداف الجديدة له.

ويوضح المؤلف أن "العالم العربي يثير نوعاً آخر من الاحتياجات الجديدة، ويرجع ذلك إلى سببين أساسيين، يتعلق أحدهما بالنفط، والثاني بإسرائيل، فالعالم العربي ليس مجرد منطقة كغيرها من مناطق العالم تصلح سوقاً لبيع السلع والخدمات وميداناً لاستثمار فوائض رءوس الأموال، بل هو أيضاً مستودع لأكبر مصدر للنفط في العالم، كما أنه يضم مطمع المشروع الصهيوني". إن كلا الأمرين، النفط وإسرائيل، يتطلبان الآن إعادة ترتيب للمنطقة العربية بأسرها، وقد تشمل إعادة الترتيب هذه لبعض أعمال الاحتلال الجديدة وتقسيم لبعض الدول العربية أو ضم لبعضها. لذا فإن الذي يناسب تلك الظروف سواء فيما يتعلق بأهداف النظام العالمي الجديد أو فيما يتعلق بأهداف إسرائيل، اختراع ما يسمى بـ "الإرهاب" كعدو جديد يجب القضاء عليه، وبالأخص "الإرهاب الإسلامي والعربي".

ومن الأمثلة التي ساقها المؤلف على تأكيد رؤيته، زعم أمريكا أن الغرض من هجومها على العراق هو إرساء قواعد ديموقراطية والقضاء على الدكتاتورية، ورغم أن ذلك الزعم انكشف بعد الهجوم واستمرار أمريكا في احتلال العراق والسيطرة على الحكم بها، إلا أن عدداً كبيراً من الشعب الأمريكي كان على استعداد لتصديق هذا الزعم مع الأسف، وأن ذلك ما هو إلا دليل قاطع على القدرة الشيطانية التي تحوزها وسائل الإعلام، على الرغم من أن جزءاً كبيراً مما تقوله وسائل الإعلام تلك يتعارض تعارضاً صارخاً مع المنطق السليم، بل ومع بعض البديهيات، وهذا لا يستثنى منه كثير من الناس العقلاء، وللأسف، انطلى على عدد من المثقفين، فعلى سبيل المثال يقبل كثير من هؤلاء كثيراً مما يقال عن أسامة بن لادن مما يصعب أن يقبله العقل، وكذلك عن هوية الأشخاص الذين تنسب إليهم عملية تفجير البرجين في نيويورك ووزارة الدفاع في واشنطن، وما يقال عن أهدافهم من هذه العملية.. إلخ، مع الفارق الشاسع بين ما يتطلبه هذا الحادث من قدرات وبين القدرات المتاحة لهؤلاء الأشخاص.

ويسوق المؤلف مثالاً آخر على الادعاءات الأمريكية، وهو يتعلق بالهجوم على العراق، فهؤلاء الذين يصدقون تلك الأقاويل التي تدور حول 11 سبتمبر، يصدقون ما لا يجوز ـ في رأي المؤلف ـ تصديقه، وهم يجلسون أمام شاشات التليفزيون ساعات طويلة، ويستمعون إلى مختلف القنوات الفضائية وغير الفضائية، ولا يفوتهم تعليق أو تصريح نشرته الصحف ولا أي تفاصيل مهما كانت صغيرة، تتعلق بما يدور من أحداث.

ثم يناقش المؤلف موقف أمريكا من المثقفين العرب، ويرى أن هناك مدرسة لا تفصح كتاباتها عن النتائج التي تريد الترويج لها، وعلى رأس هذه المدرسة الدكتور سعد الدين إبراهيم، والمؤلف يتفق مع المدرسة في شئ واحد فقط وهو أن حال العرب اليوم حال سيء جداً ويرثى له، أما كل ما عدا ذلك، من تفسيرات واستنتاجات وتقييمات سياسية وأخلاقية فيجده متنافياً لأي قراءة منصفة للتاريخ فضلاً عن مجافاته للمنطق والحس السليم.

ويعتقد المؤلف أن محاولة تحسين صورة الإسلام في نظر الغرب هي قضية غير مقبولة، لأن أي محاولة لذلك من شأنها تقريب مفهوم الإسلام إلى المسيحية، وهذا يبعد الإسلام أصلاً عن ذاتيته، وكما قال اللورد كرومر سابقاً "إن إسلاماً تجري عليه عملية الإصلاح لا يعود بعد ذلك إسلاماً" فهو لم يقصد ـ في رأي المؤلف ـ أكثر من أن يقول إن كل من يحاول، باسم الإصلاح، أن يفسر الإسلام تفسيراً يجعله أقرب إلى مبادئ الأوروبيين، إنما يتخلى في الحقيقة عن الإسلام.

ويختتم الدكتور جلال أمين كتابه بأن لهجة الغربيين اليوم، في كلامهم عن الإسلام والمسلمين، ليست من النوع الذي يثير الرغبة في محاولة تحسين صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، بل من النوع الذي يثير الغضب والحنق، ولقد أساءوا الأدب في الكلام عن شيء نبيل وعزيز لدينا، مما لا يترك مجالاً لتبادل الحديث معهم، ومحاولة تبرئة النفس في مواجهة ظلم صارخ من هذا النوع، هي من قبيل الإمعان في إذلال النفس واحتقارها.