Sunday, February 22, 2009

تزيف وعى الشباب



إن أردت أن تدرس حالة مجتمع ما من ماضيه إلى حاضره ، على نحو بليغ ومركز ، عليك بدراسة أحوال الشباب فيه ، وإذا أردت أن تستشرف مستقبل هذا المجتمع خلال العقود التالية ، فإن فهم أوضاع الشباب وفرصه تزودك بالكثير من أبعاد هذا الاستشراف . ذلك لأن الشباب ليسوا مجرد شريحة عمرية أو فئة سكانية واجتماعية ، أو جيل اجتماعي ثقافي في مرحلة تحول ، وفي عالم يموج بالتحول سرعة وعمقاً ومدى ، أو أنهم قوة واعدة بالتغيير ، ومحملة بالهموم والطموحات ، تكاد تتوزع على البنية الاجتماعية أفقياً ورأسياً ، ولهذا كانت قضاياها هي قضايا المجتمع بكل ما تحفل به من مفارقات وتناقضات ، وإنجازات وإخفاقات .
وكتاب " تزييف وعي الشباب ـ بين العولمة والدعاة الجدد " تأليف عبير أمين ، وتقديم د. عبد الباسط عبد المعطي ، الصادر من الهيئة العامة للكتاب ، يجسد هذا الوعي عند الشباب ، ويؤكد على الالتزام من جانبهم ، ولقد جمعت الباحثة بين الفهم التاريخي لوعي الشباب في علاقاته بالقوى الفاعلة في بنية المجتمع ، وبين فهم جدلي لإدراك التشابكات بين مكونات بنية الوعي الديني من ناحية ، وعلاقاته مع أنماط الوعي من ناحية أخرى ، إضافة إلى عمل ميداني ملموس لحالات من الشباب الجامعي ، باعتبار المرحلة الجامعية هي المرحلة التي تتمم إعداد الشباب ـ وبصرف النظر عن نوعية هذا الإعداد ـ للمشاركة في شئون المجتمع والدولة ، مشاركة واعية منتمية ، أو فردية أنانية آنية .
وقد أتى اختيار الباحثة الذي يربط بين الشباب كقوة مجتمعية وبين فهم الدين ، والوعي به ، باعتبار هذا الدين من أهم المكونات الثقافية الضاربة في عمق الشخصية المصرية ، والمؤثرة في تاريخها عبر العصور . وإذا كان العديد من المثقفين ذهبوا إلى القول بأن الحركة الإسلامية هي جزء من الأزمة والمأزق العربي ، وافترض بعضهم أن الشعب المتخلف يفهم دينه فهماً متخلفاً ، وطالبوا بالثورة الفكرية أو الثقافية ، والتي لا بد أن يلعب الدين دوراً فيها ، فإنه كان من الضروري الالتزام برؤية نقدية تستعين فيها الباحثة في بحثها عن خصائص الوعي الديني للشباب "الجامعي" ، والذي تم التركيز عليه بافتراض أنه يمثل الصفوة الأكثر إدراكاً لطبيعة التفاعل الاجتماعي والأيديولوجي السائد ، والأكثر تفاعلاً مع المتغيرات العالمية والمحلية ، خاصة في المجتمعات الحضرية ، ولعل مما يدعم هذا ، كون شباب الجامعات من أبرز الفئات الرافضة في المجتمعات النامية ، وأن عدداً لا بأس به من قيادات الجماعات الدينية من بين المتعلمين تعليماً جامعياً .
وتبرز أهمية ذلك البحث في أنه من الممكن أن يقدم مساهمة عملية في فهم خصائص الوعي لدى الشباب المصري ، من منظور التحليل التخصصي في علم الاجتماع ، الذي يسعى في تحليله للظواهر ، والقضايا الاجتماعية نحو الربط ما بين التحولات والتفاعلات المتباينة : الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في المجتمع المصري ، وأوضاع الشباب من ناحية ، وحصاد تأثير تلك التفاعلات على الوعي الديني لدى الشباب من ناحية أخرى .
وعلى الرغم من أن موضوع البحث يوحي بالاقتراب من علم الاجتماع الديني ، إلا أنه بقليل من التعمق نجده يستند إلى مؤالفة معرفية بين علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع المعرفي وعلم الاجتماع السياسي ، وكان اعتماد الباحثة على النظرية النقدية موجهاً للبحث ، هو السر في تضافر هذه العلوم مع بعضها البعض ، لما تحمله من رؤية دينامية تاريخية أقرب إلى الشمول . ففي الفصل الأول اعتمدت الباحثة على النظرية النقدية "مدرسة فرنكفورت" كإطار نظري للبحث ، ذلك لأن تلك النظرية تنطلق من فكرة أساسية تقول إن هناك شيئاً إنسانياً في جوهره ، وهو قدرة البشر على العمل يداً بيد لتحويل بيئتهم للأفضل ، وهذه الفكرة تزودنا بمعيار نقيِّم بواسطته المجتمعات القائمة وننتقدها . وقد اختارت عبير أمين النظرية النقدية نظراً لعدة أسباب أهمها أنها تتميز عن باقية النظريات بأنها تحفل بالمرونة التي لا تعوق الباحث عن استيعاب المستجدات التي تطرأ على الظواهر والعلاقات الاجتماعية . كما أنها تستوعب كثيراً من المميزات المعرفية في النظريات السابقة سواء كانت المادية التاريخية أم البنائية الوظيفية ، وأيضاً هي أكثر نظريات علم الاجتماع اهتماماً بقضايا الوعي ومحدداته الموضوعية والذاتية خاصة ما يرتبط به من معارف واتجاهات وقيم تتحدد بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأفراد .
وفي الفصل الثاني قامت الباحثة بتصنيف الدراسات السابقة في الموضوع إلى مجموعتين كبيرتين : الأولى لمجموعة من المثقفين والمفكرين والباحثين المعنيين بمختلف قضايا فهم الدين والوعي به ، أما المجموعة الثانية ، فهي مجموعة الدراسات الأكاديمية كالرسائل العلمية والبحوث المحلية والعالمية التي أنجزها متخصصون في علم الاجتماع وفروع أخرى ذات صلة ، كعلم النفس الاجتماعي وعلم السياسة . وقد حصدت الباحثة تلك الدراسات جميعاً استكمالاً للإطار النظري من حيث إثراها لوعي الباحثة .
وفي الفصل الثالث والمسمى بـ "العولمة وأوضاع الشباب" ، فإن الباحثة تؤكد على أن فهم قضايا الشباب تتطلب فهماً بكل المتغيرات العالمية المحيطة بالمجتمع المصري ، والمتغيرات المحلية التي تعد في كثير من جوانبها انعكاساً لتلك المتغيرات العالمية وما تحفل به من تطورات متلاحقة ، وإذا كانت الاستجابة المحلية للتأثيرات العالمية تتباين بالنظر إلى البعد الجيلي في بعض جوانبها ، فإننا نجد جيل الشباب أكثر استجابة للأحداث العالمية من أجيال الشيوخ ، وذلك لطبيعة التجديد الكامن في بناء شخصياتهم ، بالإضافة إلى ذلك ، فإن التباين قد يحدث من ناحية أخرى بالنظر إلى المجموعة الشبابية ذاتها ، فمن المؤكد أن الشباب المثقف والشباب الجامعي ـ الذي هو موضوع البحث ـ أكثر استجابة من الشباب العامل أو الفلاحين الشباب . وبهذه الرؤية لا يمكننا الفصل التام بين الشباب على مستوى العالم والشباب المصري ، كما كان في السابق ، حيث تتقارب تأثيرات العولمة على شباب العالم بأسره ، وتعني الباحثة هنا بالإشارة إلى العولمة إلى تلك الظواهر العالمية الجديدة التي تكونت ـ بصفة خاصة ـ في العقود الأربعة الماضية ، وينتظر أن تتطور في اتجاهها الموجود حالياً إلى ثلاثة أو أربعة عقود من القرن الحادي والعشرين . فالكوكبية أو العولمة وما صاحبها من ثورة معرفية ، وتراجع مكانة الدولة القومية وأشكال الاستقطاب الجديدة أصبحت أهم ما يتسم به عالم اليوم .
وتتناول الباحثة في الفصل الرابع الحركة الإسلامية ودورها في تشكيل الوعي الديني لدى الشباب فتقول : ينبغي الإشارة إلى ما يميز الأصولية الإسلامية من بذور القطيعة العقائدية ، فالانطلاق من الإيمان بأن الإسلام يمثل " الأيديولوجية الوحيدة الشاملة الصحيحة لكل زمان ومكان " ينطوي ـ صراحة أو ضمناً ـ على إدانة كل الأيديولوجيات الوضعية الأخرى بلا استثناء ، وعلى وصفها جميعاً بالزيف ، ورفض كل الأحزاب السياسية الأخرى ، واعتبارها مشبوهة ، ولهذا ظلت الحركات الأصولية في معظم البلاد الإسلامية لفترة طويلة ترفض أي شكل من أشكال التعاون مع الحركات العلمانية الأخرى ، وترفض المشاركة في اللعبة الديموقراطية في المرات القليلة التي مورست فيها هذه اللعبة ، وقد استطاعت الأصولية أن تستقطب عشرات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي ، خاصة الشباب الذين هم أكثر الفئات الباحثة عن اليقين والهوية ، وعن الحلول لما يعانونه من مشكلات .
غير أن فئة قليلة من تلك الأصولية هي التي تجشمت عناء النضال السياسي من أجل العقيدة باستخدام العنف " التطرف " ورغم أنهم لا يشكلون سوى شريحة محدودة فقط من قطاع واسع للغاية من الأصوليين ، فإنها شريحة عالية الصوت قوية التنظيم ومتأججة الحماس ، مشحونة بروح الاستشهاد ، وهذه الخصائص هي التي تفسر مواجهتها الدامية ضد نظم الحكم في الداخل وضد القوى الأجنبية في الخارج ، وقد أوضحت الدراسات أن أكثر الفئات المنضمة لتلك الحركات الإسلامية هم الشباب ذوو المستوى التعليمي المرتفع من أبناء الطبقة الدنيا والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى المهمشين اجتماعياً وسياسياً ، والتي استطاعت تلك الحركات الدينية الإسلامية أن تشكل وعيهم الديني .
وتعالج الباحثة في الفصل الخامس ملامح الوعي الديني عند الشباب فترى أن الاتجاهات العامة للمعارف الدينية عندهم معارف غير دقيقة ونقلية مستمدة من الخطاب الديني السائد ، كما أنها معارف جزئية نصية ، لا تربط القضية بسياقها التاريخي ولا تسعى لتأيلها في ضوء المستجدات العصرية ، إضافة إلى كونها معارف تكرس الفكر الغيبي والخرافي ، وتختلط بها الثقافة الشعبية والتصورات الذاتية للفرد ، وبعض هذه المعارف قد يكون معوقاص لتنمية الفرد والمجتمع . كما سعى الفصل الأخير من الدراسة إلى التعرف على الوعي الديني لطلاب الجامعات في ضوء علاقاته بمستويات وعيهم الاجتماعي : الاقتصادي والسياسي ، وببعض الاتجاهات والقيم ذات الصلة بالآخر : النوع الاجتماعي والآخر المغير عقائدياً ، معنى هل يتبلور وعيهم بالقضايا الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، في ضوء وعيهم الديني ، أم ينفصل كل منهم عن الآخر .

2 comments:

حياتى نغم said...

السلام عليكم
أشكرك أستاذ تامر على زيارتك العطره
وعلى جهدكم فى تلك المدونه
واختيار ذلك الكتاب لعرضه
حقاً الشباب هم أمل الأمه
وحالهم ونسبة تدينهم يمثل معيار نهضة الأمه أو فسادها
وفقك الله لكل خير

Tamer Nabil said...

حياتى نغم

وعليكم السلام

العفو

الشباب امل كل امة اذا فلح كانت الامة عالية والعكس صحيح

ربنا يصلح الحال


نورتى المدونة

ربنا يكرمك

تحياتى