Sunday, February 22, 2009

تزيف وعى الشباب



إن أردت أن تدرس حالة مجتمع ما من ماضيه إلى حاضره ، على نحو بليغ ومركز ، عليك بدراسة أحوال الشباب فيه ، وإذا أردت أن تستشرف مستقبل هذا المجتمع خلال العقود التالية ، فإن فهم أوضاع الشباب وفرصه تزودك بالكثير من أبعاد هذا الاستشراف . ذلك لأن الشباب ليسوا مجرد شريحة عمرية أو فئة سكانية واجتماعية ، أو جيل اجتماعي ثقافي في مرحلة تحول ، وفي عالم يموج بالتحول سرعة وعمقاً ومدى ، أو أنهم قوة واعدة بالتغيير ، ومحملة بالهموم والطموحات ، تكاد تتوزع على البنية الاجتماعية أفقياً ورأسياً ، ولهذا كانت قضاياها هي قضايا المجتمع بكل ما تحفل به من مفارقات وتناقضات ، وإنجازات وإخفاقات .
وكتاب " تزييف وعي الشباب ـ بين العولمة والدعاة الجدد " تأليف عبير أمين ، وتقديم د. عبد الباسط عبد المعطي ، الصادر من الهيئة العامة للكتاب ، يجسد هذا الوعي عند الشباب ، ويؤكد على الالتزام من جانبهم ، ولقد جمعت الباحثة بين الفهم التاريخي لوعي الشباب في علاقاته بالقوى الفاعلة في بنية المجتمع ، وبين فهم جدلي لإدراك التشابكات بين مكونات بنية الوعي الديني من ناحية ، وعلاقاته مع أنماط الوعي من ناحية أخرى ، إضافة إلى عمل ميداني ملموس لحالات من الشباب الجامعي ، باعتبار المرحلة الجامعية هي المرحلة التي تتمم إعداد الشباب ـ وبصرف النظر عن نوعية هذا الإعداد ـ للمشاركة في شئون المجتمع والدولة ، مشاركة واعية منتمية ، أو فردية أنانية آنية .
وقد أتى اختيار الباحثة الذي يربط بين الشباب كقوة مجتمعية وبين فهم الدين ، والوعي به ، باعتبار هذا الدين من أهم المكونات الثقافية الضاربة في عمق الشخصية المصرية ، والمؤثرة في تاريخها عبر العصور . وإذا كان العديد من المثقفين ذهبوا إلى القول بأن الحركة الإسلامية هي جزء من الأزمة والمأزق العربي ، وافترض بعضهم أن الشعب المتخلف يفهم دينه فهماً متخلفاً ، وطالبوا بالثورة الفكرية أو الثقافية ، والتي لا بد أن يلعب الدين دوراً فيها ، فإنه كان من الضروري الالتزام برؤية نقدية تستعين فيها الباحثة في بحثها عن خصائص الوعي الديني للشباب "الجامعي" ، والذي تم التركيز عليه بافتراض أنه يمثل الصفوة الأكثر إدراكاً لطبيعة التفاعل الاجتماعي والأيديولوجي السائد ، والأكثر تفاعلاً مع المتغيرات العالمية والمحلية ، خاصة في المجتمعات الحضرية ، ولعل مما يدعم هذا ، كون شباب الجامعات من أبرز الفئات الرافضة في المجتمعات النامية ، وأن عدداً لا بأس به من قيادات الجماعات الدينية من بين المتعلمين تعليماً جامعياً .
وتبرز أهمية ذلك البحث في أنه من الممكن أن يقدم مساهمة عملية في فهم خصائص الوعي لدى الشباب المصري ، من منظور التحليل التخصصي في علم الاجتماع ، الذي يسعى في تحليله للظواهر ، والقضايا الاجتماعية نحو الربط ما بين التحولات والتفاعلات المتباينة : الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في المجتمع المصري ، وأوضاع الشباب من ناحية ، وحصاد تأثير تلك التفاعلات على الوعي الديني لدى الشباب من ناحية أخرى .
وعلى الرغم من أن موضوع البحث يوحي بالاقتراب من علم الاجتماع الديني ، إلا أنه بقليل من التعمق نجده يستند إلى مؤالفة معرفية بين علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع المعرفي وعلم الاجتماع السياسي ، وكان اعتماد الباحثة على النظرية النقدية موجهاً للبحث ، هو السر في تضافر هذه العلوم مع بعضها البعض ، لما تحمله من رؤية دينامية تاريخية أقرب إلى الشمول . ففي الفصل الأول اعتمدت الباحثة على النظرية النقدية "مدرسة فرنكفورت" كإطار نظري للبحث ، ذلك لأن تلك النظرية تنطلق من فكرة أساسية تقول إن هناك شيئاً إنسانياً في جوهره ، وهو قدرة البشر على العمل يداً بيد لتحويل بيئتهم للأفضل ، وهذه الفكرة تزودنا بمعيار نقيِّم بواسطته المجتمعات القائمة وننتقدها . وقد اختارت عبير أمين النظرية النقدية نظراً لعدة أسباب أهمها أنها تتميز عن باقية النظريات بأنها تحفل بالمرونة التي لا تعوق الباحث عن استيعاب المستجدات التي تطرأ على الظواهر والعلاقات الاجتماعية . كما أنها تستوعب كثيراً من المميزات المعرفية في النظريات السابقة سواء كانت المادية التاريخية أم البنائية الوظيفية ، وأيضاً هي أكثر نظريات علم الاجتماع اهتماماً بقضايا الوعي ومحدداته الموضوعية والذاتية خاصة ما يرتبط به من معارف واتجاهات وقيم تتحدد بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأفراد .
وفي الفصل الثاني قامت الباحثة بتصنيف الدراسات السابقة في الموضوع إلى مجموعتين كبيرتين : الأولى لمجموعة من المثقفين والمفكرين والباحثين المعنيين بمختلف قضايا فهم الدين والوعي به ، أما المجموعة الثانية ، فهي مجموعة الدراسات الأكاديمية كالرسائل العلمية والبحوث المحلية والعالمية التي أنجزها متخصصون في علم الاجتماع وفروع أخرى ذات صلة ، كعلم النفس الاجتماعي وعلم السياسة . وقد حصدت الباحثة تلك الدراسات جميعاً استكمالاً للإطار النظري من حيث إثراها لوعي الباحثة .
وفي الفصل الثالث والمسمى بـ "العولمة وأوضاع الشباب" ، فإن الباحثة تؤكد على أن فهم قضايا الشباب تتطلب فهماً بكل المتغيرات العالمية المحيطة بالمجتمع المصري ، والمتغيرات المحلية التي تعد في كثير من جوانبها انعكاساً لتلك المتغيرات العالمية وما تحفل به من تطورات متلاحقة ، وإذا كانت الاستجابة المحلية للتأثيرات العالمية تتباين بالنظر إلى البعد الجيلي في بعض جوانبها ، فإننا نجد جيل الشباب أكثر استجابة للأحداث العالمية من أجيال الشيوخ ، وذلك لطبيعة التجديد الكامن في بناء شخصياتهم ، بالإضافة إلى ذلك ، فإن التباين قد يحدث من ناحية أخرى بالنظر إلى المجموعة الشبابية ذاتها ، فمن المؤكد أن الشباب المثقف والشباب الجامعي ـ الذي هو موضوع البحث ـ أكثر استجابة من الشباب العامل أو الفلاحين الشباب . وبهذه الرؤية لا يمكننا الفصل التام بين الشباب على مستوى العالم والشباب المصري ، كما كان في السابق ، حيث تتقارب تأثيرات العولمة على شباب العالم بأسره ، وتعني الباحثة هنا بالإشارة إلى العولمة إلى تلك الظواهر العالمية الجديدة التي تكونت ـ بصفة خاصة ـ في العقود الأربعة الماضية ، وينتظر أن تتطور في اتجاهها الموجود حالياً إلى ثلاثة أو أربعة عقود من القرن الحادي والعشرين . فالكوكبية أو العولمة وما صاحبها من ثورة معرفية ، وتراجع مكانة الدولة القومية وأشكال الاستقطاب الجديدة أصبحت أهم ما يتسم به عالم اليوم .
وتتناول الباحثة في الفصل الرابع الحركة الإسلامية ودورها في تشكيل الوعي الديني لدى الشباب فتقول : ينبغي الإشارة إلى ما يميز الأصولية الإسلامية من بذور القطيعة العقائدية ، فالانطلاق من الإيمان بأن الإسلام يمثل " الأيديولوجية الوحيدة الشاملة الصحيحة لكل زمان ومكان " ينطوي ـ صراحة أو ضمناً ـ على إدانة كل الأيديولوجيات الوضعية الأخرى بلا استثناء ، وعلى وصفها جميعاً بالزيف ، ورفض كل الأحزاب السياسية الأخرى ، واعتبارها مشبوهة ، ولهذا ظلت الحركات الأصولية في معظم البلاد الإسلامية لفترة طويلة ترفض أي شكل من أشكال التعاون مع الحركات العلمانية الأخرى ، وترفض المشاركة في اللعبة الديموقراطية في المرات القليلة التي مورست فيها هذه اللعبة ، وقد استطاعت الأصولية أن تستقطب عشرات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي ، خاصة الشباب الذين هم أكثر الفئات الباحثة عن اليقين والهوية ، وعن الحلول لما يعانونه من مشكلات .
غير أن فئة قليلة من تلك الأصولية هي التي تجشمت عناء النضال السياسي من أجل العقيدة باستخدام العنف " التطرف " ورغم أنهم لا يشكلون سوى شريحة محدودة فقط من قطاع واسع للغاية من الأصوليين ، فإنها شريحة عالية الصوت قوية التنظيم ومتأججة الحماس ، مشحونة بروح الاستشهاد ، وهذه الخصائص هي التي تفسر مواجهتها الدامية ضد نظم الحكم في الداخل وضد القوى الأجنبية في الخارج ، وقد أوضحت الدراسات أن أكثر الفئات المنضمة لتلك الحركات الإسلامية هم الشباب ذوو المستوى التعليمي المرتفع من أبناء الطبقة الدنيا والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى المهمشين اجتماعياً وسياسياً ، والتي استطاعت تلك الحركات الدينية الإسلامية أن تشكل وعيهم الديني .
وتعالج الباحثة في الفصل الخامس ملامح الوعي الديني عند الشباب فترى أن الاتجاهات العامة للمعارف الدينية عندهم معارف غير دقيقة ونقلية مستمدة من الخطاب الديني السائد ، كما أنها معارف جزئية نصية ، لا تربط القضية بسياقها التاريخي ولا تسعى لتأيلها في ضوء المستجدات العصرية ، إضافة إلى كونها معارف تكرس الفكر الغيبي والخرافي ، وتختلط بها الثقافة الشعبية والتصورات الذاتية للفرد ، وبعض هذه المعارف قد يكون معوقاص لتنمية الفرد والمجتمع . كما سعى الفصل الأخير من الدراسة إلى التعرف على الوعي الديني لطلاب الجامعات في ضوء علاقاته بمستويات وعيهم الاجتماعي : الاقتصادي والسياسي ، وببعض الاتجاهات والقيم ذات الصلة بالآخر : النوع الاجتماعي والآخر المغير عقائدياً ، معنى هل يتبلور وعيهم بالقضايا الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، في ضوء وعيهم الديني ، أم ينفصل كل منهم عن الآخر .

Friday, February 13, 2009

مفهوم الضوء والظلام فى العرض المسرحى


إن مفهوم الضوء ينطوي على حدين ، أحدهما مجرد ، والآخر مادي ، أما المجرد فيظهر في الفكر والفلسفة ، وهو إدراك مباشر دون براهين تجريبية للمعاني العقلية ، مثل إدراك المكان والزمان على أنهما نهائيان في وجود الضوء بعناصره المكونة له ، أما المادي فيتجسد في وجوده للعيان وهو الإدراك المباشر للمحسوسات ، مثل إدراك اللون والضوء المنعكس عن الأشياء ، سواء أكان على مستوى التطبيق أم النقل المجرد ، أي في إعادة التركيب ، وإن حاصل جمع المجرد والمادي يؤدي إلى الرؤية ، التي نتعرف من خلالها على الأشياء التي تلتقي في الحركة لتتخذ معاني جديدة .
وكتاب " مفهوم الضوء والظلام ـ في العرض المسرحي " تأليف جلال جميل محمد ، ومراجعة الدكتورة نهاد صليحة ، الصادر من الهيئة العامة للكتاب ، يتناول الضوء كموضوع يستطيع أن يستخلص بدقة متناهية روح صورته الدقيقة من شبكة الظروف التي تحدها ، ثم يعيد تجسيدها في ظروف فنية اختيرت كأدق ما يكون لها من تأثير في وظيفتها الجديدة ، ولا يكتفي الكتاب بطرح التطورات النظرية في الضوء ومفاهيمها ، بل يلاحقها في لحظة اشتغالها فلسفياً على العرض ، ويقابل بينها على مستويات متعددة ، مضيئاً كل مقترب بما يشابهه أو يخالفه ، ومحاولاً في الوقت نفسه تقديم مفهوم يتابع التفصيلات الدقيقة دون أن يغفل الانتباه إلى أن الاختلاف والتباين في الآراء جميعاً ، إقرارات حية تنطق بالحقيقة ، ويؤكد أن ثمة اتصالاً حقيقياً أو رابطاً ضمنياً يجمع بين تلك الآراء المتضاربة ، ولعل الأدل على ذلك ما قاله أفلاطون : " إن الحق لم يصبه الناس في وجوهه كلها ، ولا أخطؤوه في وجوهه كلها ، بل أصاب منه كل إنسان جهة " فهذا هو المفهوم الذي توضع في إطاره افتراضاتنا جميعها ، سواء أكانت صحيحة أم خاطئة ، إنها تتعامل بالدرجة الأولى مع المعاني ، ومع مفهوم ما يعرض .
وتتجلى أهمية الكتاب في تعزيز تقنية الضوء بمفاهيم فلسفية ، تبحث في جوهر الضوء قبل تكوين الصورة وبعده ، عبر فلسفة الصورة في الضوء والظلام متضمنة الألوان وعناصرها : كثافة وتشعباً وقيمة وسطوعاً ، من خلال آلية معينة ، وبعد تكوينها باعتبارها تحمل شكلاً وفكراً ومعنى . كما تكمن أيضاً أهمية الضوء في اعتماده الصورة لغة يخاطب من خلالها الممثل والمشاهد ، ليبسط عمليات التحول في الشكل واللون والتخيل والتأويل ومعانيها ، بحيث تدرك بسهولة .
والكتاب يحتوي على توطئة ومقدمة وثلاثة فصول ، أما التوطئة فتفتح باباً صغيراً وبسيطاً على كيفية الدخول إلى معضلات البحث الفلسفي وربطها بالضوء للخروج بمفهوم جديد يشكل توجهاً فنياً جديداً ، ويبين الباحث في الفصل الأول المشكلة التي يتعرض فيها لمفهوم الضوء على المستويين المادي والشكلي " المجرد " ، وأيهما يتفاعل مع الضوء ويحقق تأثيره ، وإذا ما تحقق ذلك ، الزمان بكيفيته في تصريفاته الثلاثة ـ ماض وحاضر ومستقبل ـ والمكان بكمه في الحجوم والمساحات والأبعاد وعلاقاتها الترابطية ، فعل تجاه حركة الضوء ، أم أن فعل الضوء تجاهها يحققها في ضوء حساب معضلات الشكل واللون ، بالاعتماد على التفسيرات العلمية والفنية له والجمع بينها ، واضعاً اليد على المشكلة ألا وهي: كيف يقدم مفهوماً فلسفياً للضوء في العرض المسرحي المنجز ؟
يهدف جلال جميل إلى فتح آفاق معرفية جديدة للدارسين في كليات الفنون الجميلة ومعاهدها ، وللعاملين في مجال الضوء بالمسرح والتليفزيون والسينما ، في الوطن العربي والعالم ، كما يهدف إلى إيجاد مفهوم جديد للضوء في العرض المسرحي ، عبر مرجعيات معرفية ، وفلسفية ، وجمالية ، وإدراكية ، لإبراز مركزيته في العرض ، ويناقش الكتاب مجموعة من المصطلحات التي ترد في متنه سواء في أبنية الضوء المعرفية ، أم في الضوء والتكوين البصري ، وبخاصة تلك التي تمارس فيها بشكل مستمر فيه ، ويورد المؤلف من خلالها تعريفاً إجرائياً ًلكل مصطلح ، معتمداً عليه في تحليله ، وذلك لضرورتها ولعدم الخلط في المفاهيم .
ويتناول الفصل الثاني من الكتاب أبنية الضوء المعرفية ، من حيث الضوء في مثالية أفلاطون وأرسطو ، ودور الشمس ودلالتها في العرض المسرحي الإغريقي ، وثنائية الجوهر والعارض ، في ثبات الجوهر " الضوء " وتحولات العارض " الظلام " ، الذي بالإمكان أن يتحول إلى جوهر ـ تتحول الظلام إلى ضوء ـ ولكن الجوهر لا يمكنه أن يتحول إلى عارض ، لأنه مادة وجود . كما يدرس هذا الفصل الضوء في المفهوم الديني المسيحي في العصور الوسطى ، حيث يتعرض لمفهوم الضوء الباطني " الداخلي " عند المسيحية متمثلاً نور الشمس وحركتها ، بوصفه نوراً داخلياً يشع ليهدي الإنسان إلى الطريق الصحيح ، ويبعده عن طريق الخطأ ، وأن الله يحرك الأشياء وهو لا يتحرك ، والفلسفة هي الحكمة ، والحكمة هي الكلمة ، والكلمة قد تجسدت على صورة مسيح ، وهذه الكلمة هي الحياة ، والحياة هي النور ، والنور لم يأت إلا مع المسيحية ، التي تدرك الجواهر ، وتلك الجواهر يدركها الحس واحدة بعد أخرى بوصفها عوارض ، وقد حملت هذه الفترة مفهوم الفترة الإغريقية نفسه ، في أن الضوء جوهر والظلام عارض ، وكيف انتقل هذا المفهوم إلى العرض المسرحي داخل الكنيسة وخارجها .
وأيضاً تناول الفصل المفهوم المثالي الذاتي الديكارتي والهيجلي للضوء ، ويتعرض إلى المركز واللا مركز في الضوء عند جاك دريدا ورينيه توم . فيعتبر ديكارت الضوء مادة وجود ، وهذا عكس الفكر ، فالمادة لا تفكر ، لكنها تحتل حيزاً في المكان ثلاثي الأبعاد ، تتمدد أو " تتشكل فيه " ، وتنطبق عليها الميكانيكا لإمكانية حركتها في زمان طبيعي ، ويزودنا الضوء بإحساسات متطابقة مع التجربة البصرية ووجود الضوء ، مع وجود منظومات تكوينية أخرى مثل التباين والتضاد والانسجام والتوافق والتطابق والتشابه والتكرار والاستمرارية ، وكلها تسهل عملية الإدراك ، بينما ينطلق هيجل من العقل للوصول إلى أعلى معرفة ، وهي المطلق ، ويرد المطلق بثلاث صيغ : الفن/المعرفة ، الدين/ التأمل ، الفلسفة / الفهم ، ويتم ذلك بالتمييز بين ماهيات مادية مثل الضوء ، وماهيات صورية من مثل الامتداد " الشكل " .
ويوضح الباحث أن اللا مركز عند جاك دريدا يلتقي مع المركز عند رينيه توم من خلال فلسفة الغياب التي تنطلق من أن في الذات جانباً سرياً ، لا يحضر في الوعي ولا يمكن تمثله ، ويبقى في غياب دائم ، وهي عكس فلسفة الحضور عند أفلاطون وأرسطو وديكارت وهيجل ، والتي تعتمد حضور الوعي ، ومن الغياب إلى الآخر المغاير تماماً لما في المركز ، بدفع كلمات ذات معنى مزدوج مثل : الضوء / الظلام ، تحمل في داخلها طاقة خلخلة وتفكيك ، حيث إنها كانت ذات معنى واحد لعصور طويلة ، ومن خلال عناصر العرض الأخرى التي تمثل الآخر " ألوان ، ديكور ، أزياء ، مكياج … إلخ ".
أما الفصل الثالث فإنه يقسم مفهوم " الظلام ـ الضوء " في التكوين البصري إلى مقدمة في العلامة الضوئية وثلاثة مباحث هي : الضوء والشكل ، ويتطرق فيه المؤلف إلى تأثيرات الضوء على الشكل ومركزيته فيه ، سواء بالانطلاق منه بوصفه مركزاً ، أم جذبه للعناصر الأخرى في نقطة الجذب (س) المفترضة ، وقسم الشكل فيه إلى جزأين ، الأول مادي والثاني شكلي ، والذي هو محط الدراسة والبحث والتقصي ، ويدرس علاقات عناصر الضوء من كثافة ، ولون ، وسطوع ، وقيمة ، وتباين ، بعضها مع بعض ، وتأثيراتها على الأشكال .
والمبحث الثاني يوجد علاقة بين التخيل والتأويل ، من خلال التصور باعتباره صيغة تكثيف ، وذلك لإمكانية تركيب الماضي في المستقبل عبر الآني في العرض المسرحي ، بوجود حقلي التخيل الماضي والحاضر عن طريق محفزات دورية تتمثل في الأشكال فوق خشبة المسرح ، ويكشف عن قيام الضوء والظلام بتضييق دائرة التأويل بتكثيفها لدى المشاهد ، وذلك لقدرة الضوء على اختزال الأوصاف المحددة للصور .
والمبحث الثالث يقدم تأثير الضوء على الأشكال وكيفية تحول بنياتها ، من خلال عناصر الضوء ما في بنيات المكان والزمان والشخصية وطريقة أدائها ، والملابس والماكياج والجو والأحداث والفضاء ، ليصل المبحث إلى مؤشرات الضوء بوصفه مركز انطلاق الأشكال كلها فوق الخشبة .

Wednesday, February 04, 2009

الاصول الروائية



ما أكثر الكتب التي تعتني بتاريخ الشعر العربي ، أما السرد فلا أحد يهتم بتتبع مراحله ، وإبراز أساليبه ، وقد أهمله الباحثون ظناً منهم أن العرب أنفسهم لم يهتموا به، ولم يبدُ في تراثهم أنهم اعتمدوه كفن يطاول الشعر الذي أصبح لديهم ديوان العرب . وسواء عرف العرب قديماً فن الرواية أم لم يعرفوه ـ ونظن أن تقاعس النقاد عن الالتفات للسرد العربي كان سببه أن العرب أنفسهم لم يبدعوا في فن الرواية ـ فإن التراث العربي يذخر بالمؤلفات النثرية الجديرة بالدراسة وتصنيفها إلى نصوص إبداعية ، وتنظيرية ، وبيوجرافية . ومبدأ الحكي معروف عند العرب كما هو معروف عند غيرهم ، ولكن المختلف عليه هو طبيعة الأشكال الروائية التي تميز كل شعب عن غيره .
من هنا تأتي محاولة الدكتور صفوت عبد الله الخطيب في كتابه " الأصول الروائية ـ في رسالة حي بن يقظان " ، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب ، لاكتشاف أو استنباط الأصول الروائية التي يمكن أن تتوافر في نص من أهم نصوص العصور الوسطى ، ويعد من أوائل إرهاصات الرواية كفن عرفه الإنسان ، ويركز الخطيب على أهم دعائم البناء الروائي مثل : المكان ، الزمان ، الحدث ، الشخوص ، الحوار ، حيث يفرد لكل منها فصلاً على حدة ، ويؤكد توافره في بناء نص ابن يقظان ، ليخلص في نهاية الدراسة ـ كما يقول ـ إلى أن : "الرواية العربية القديمة كيان قائم بالفعل ، يؤكد ذلك لدينا أن تعقب نص حي بن يقظان والانتهاء إلى تبين خصائص فنية عبر الأصول الرئيسية والبدهية لفنون الحكي ، وهي المكان والزمان والحدث والشخوص ثم الحوار ، وكذلك موافقة لظروف النص من جهة البيئة التي أنتجته والزمان الذي تصور فيه ، والموضوع الذي عالجه " .
والمكان هو أول الأصول الروائية التي يتحدث عنها صفوت عبد الله الخطيب عند ابن طفيل ، فيقول: " الملاحظ أن المكان في رسالة حي بن يقظان على الرغم من كونه يبدو خرافياً ـ وهذا بمقتضى طبيعة الموضوع الذي ارتضاه هيكلاً لغرضه ـ فإن ابن طفيل يحرص على أن يهبه سمت الواقع من خلال ذكر السند التاريخي في التسمية ، ومن خلال التحديد الجغرافي للمكان فيقول " ذكر سلفنا الصالح ـ رضي الله عنهم ـ أن جزيرة من جزر الهند التي تحت خط الاستواء وهي الجزيرة التي يتولد بها الإنسان من غير أم ولا أب ، وبها شجر يثمر نساء ، وهي التي ذكر المسعودي أنها جزيرة الوقواق " ، إن محاولة التقريب بين الخرافة والواقع مطلب يعنيه ابن طفيل ويقصد إليه قصداً ، وليس الأمر مجرد اتفاق أدت إليه المصادفة . كما أن ارتباط المكان بهاجس العلاقة بين الخالق والمخلوق في ذهن ابن طفيل ، جعل الأماكن الرئيسية عنده تتنوع بين ثلاث جزر ؛ جزيرتين بشكل حياتي مألوف في مقابلة جزيرة واحدة بشكل حياتي خارق للمألوف ، هي فيما يرى الباحث مقابلة بين نمطي العبادة ، أي عبادة العامة المقصورة على أداء الطقوس والعمل الذي يقتضيه ظاهر النصوص ، ثم عبادة الخاصة التي تتجاوز الظاهر إلى الالتحام بالخفي والتعلق به عبر رياضات ومجاهدات خاصة ، ثم إن كون طرفا المكان متقاربين متواجهين لهو إشارة ذكية من ابن طفيل إلى قرب الفاصل بين نمطي العبادة .
إن ابن طفيل حريص على تهميش المكان والتقليل من العناية به وصفاً وتعريفاً ، وليس ذلك لانعدام أهميته في العمل الروائي عنده ، بل لأن المكان في نظره هو المكان في نظر الأندلسي الذي شهد تسرب المكان/الوطن على الرغم من أهميته الطبيعية عند أصحابه ، وأحس غيابه على الرغم من وجوده في تكوين حياته . إن السعي إلى المطلق عند ابن طفيل جعل المكان منقسماً بين مستويين ، أحدهما المكان الداخلي المقترن بأمله المحبوس في صدره ، والآخر المكان الخارجي المقترن بالعزوف والرفض ، ومن ثم فإن حي بن يقظان عندما تتأكد له فكرة الموجود الواجب الوجود العلوي ، ويقرر السعي في سبيل اتصال به ، نجده وقد صار المكان في حياته قسمين .
وهكذا نلاحظ أن المكان في رواية حي بن يقظان قد صنع بعناية فائقة وبقصد ولا يراعي أبعاد الفن إلا بحسب الغاية ، فهو ليس المكان المصنوع من أجل الرواية إنما من أجل الوطن ، والوطن عند ابن طفيل هو الواقع ثم الأمل ، لذا فقد طغى على الكاتب ـ حسبما يرى الباحث ـ افتتانه بالوطن فتجاوز أحياناً حقائق العلم على نحو ما لاحظنا في جعله المكان/الصدر أهم من المكان/الرأس ، لأنه أراد القلب ولم يرد العقل .
أما الزمان فهو أهم العناصر الروائية على الإطلاق ، والكشف عن خصائص الزمن في رواية ما ـ كما يرى الخطيب ـ هو الكشف عن روح تلك الرواية ، وهو الوقوف على رؤية كاتبها ؛ لأنه يجمل ما تفصله الأصول الروائية الأخرى ، ويتحدد فيه ما تبعثر فيها . أما عمل ابن طفيل فهو جدير بأن يكون فيه الزمن غير موافق لما يألفه العقل البشري ، لأن التسامي إلى الروح قد طرح إمكانات العقل البشري وأعجزها عن ملاحقته ، ومن ثم فلم يعد للزمن المحدود قيمة ، بل يصبح الزمن المبهم هو الملحوظ عند تأمل مسار الحدث وتقلباته . فهو يستهدف مبدأ الزمن ولا يستهدف تحديده ، وربما كان ذلك لكون الحدث هيكلياً أكثر منه مقصوداً فهو وسيلة إلى هدف آخر غيره محوري وجوهري ، وليس غاية في ذاته .
وحين جاءت لحظة عبور ابن طفيل بحي بن يقظان من مرحلة الإغراق في المحسوس إلى مرحلة الشروع في التخلص منه ، جاء مقترناً بتحول حي من النمط الحيواني إلى النمط الإنساني ، ويعد الدخول في هذا النمط بداية الطريق الذي سلكه في الوصول إلى التوحد ، ويلاحظ أن التعبير عن الزمن في هذه المرحلة قد أصبح محدداً بعد أن كان غائماً مبهماً . وفي بعض الأحيان نجد الزمن متداخلاً مع الحدث ، ويكون التعبير عنه في هذه الحالة ضمنياً ، عندما يصبح الحدث ممثلاً لمطلوبات البطل في السعي نحو التوحد .
لقد أصبح الزمن عن ابن طفيل عنصراً فاعلاً في التكوين الفني لرواية حي بن يقظان ، ولم يعد يمثل ما يمثله الزمن ، صعوبة تواجه الروائي ، وربما كان تطويع ابن طفيل لزمن روايته وسيطرته عليه مرتداً إلى إدراكه لوجه الامتلاك الفني للزمن ، وذلك عندما أصبح الزمن هدفاً خاصاً للكاتب . إن ارتباط الزمن في رواية حي بن يقظان بغاية الكاتب ، وجعله معياراً لمراحل تحققها المختلفة ، ومستوياتها المتوالية ، هو سر تفوق ابن طفيل في السيطرة على الفن الروائي .
أما الحدث في رواية حي بن يقظان فهو غاية في ذهن ابن طفيل تتمثل في التوحد مع الخالق ، عبر عنها في شكل حدثي حكائي ، اعتنى فيه بإظهار تعلق البطل بمظاهر الفطرة دون أن يفصح عن الغاية الصريحة ، وتتجلى عقلانية ابن طفيل الطاغية في الرواية وهي مرتبطة بالغاية التي يسعى إليها من ورائها ، والتي يميل الباحث إلى أنها تتمثل في البحث عن الوطن المثال المرغوب ، والزهد في الوطن الفاقد لخصوصية الأندلسي وتفرده فيه حاكماً ومحكوماً .
ويضيف الخطيب إلى ما سبق أن شيوع ظاهرة التفسير والتعليل والتبرير في الحدث الروائي كان شيئاً من مستلزمات تلك العقلانية منهجاً ، ومن أسس تحقيق تلك الغاية ؛ ذلك أن استهداف وطن خالص للأندلسيين مرام ليس يسيراً في ظل خضوع الأندلس لسيطرة الموحدين أو غيرهم بعد ذلك ، ومن ثم فإن تحديد الطريق ، والاستيثاق من كل الخطوات ، بل واختيار الوسائل وتجريبها ، كل ذلك يصبح ضرورة قبل الشروع في السير نحو تلك الغاية ، ومن هنا يبدو أن ظاهرة التعليل والتبرير والتفسير في الحدث كانت مظهراً فنياً دالاً على ضرورة الحيطة والاستيثاق في مجال الواقع الذي يتحرك فيه أصحاب هذا الهدف .
إن أول ما يلاحظ عند ابن طفيل في روايته حي بن يقظان هو انقسام شخوصها قسمة عادلة بين الإنسان والحيوان ، فكما أنه يميز حي عن جميع الناس فإنه يميز الظبية عن باقية الحيوانات فكلاهما محور في ذاته للآخرين من جنسه ، ومما يلاحظ كذلك هو التقليل من كثافة الوجود لهؤلاء الشخوص ، فليس هناك تزاحم ، بل ربما سارت الرواية فاصلة ومميزة مقصورة على استنتاجات الراوي وتوجيهاته للقارئ .
إن إصرار ابن طفيل على رسم شخصية حي بمظهر طفولي على الرغم من تجاوزه الظاهري لزمن الطفولة وعمرها ، هو ـ في رأي الخطيب ـ معبر عن رغبة أثيرة لدى الكاتب في أن يأوي إلى ذاته وأن يحيا في داخلها ، لأنها العالم الوحيد الذي يرضى عنه بعد أن زهد في واقع الأندلس السياسي ، فإن رفضه لواقعه السياسي يتجلى في رفضه لتحديد شخوصه في كثير من المواقف وجعلها شخصيات غائمة غير محددة ، وغير ذات صوت ملحوظ .
وابن طفيل يستغل الحوار ـ الذي يعده مظهراً لغوياً ـ في تقمص الأطراف التي تقرب المتلقي من الجو النفسي الذي يريده الكاتب على نجو ما يبدو في هذا التصوير الذي يصل فيه ابن يقظان إلى درجة التوحد مع الذات الإلهية . والحوار لا يعدو أن يكون توجيهاً عملياً ، ويشهد على ذلك ضربه المثال بأن الجسم لا يتحرك إلا حركة تابعة لحركة اليد التي تقبض عليه ، إن ابن طفيل لا يكف ـ من خلال حواره اليقظ مع القارئ ـ عن تنبيه هذا القارئ إلى كون أحداثه الروائية مجرد رمز وتلويح ، وهو بهذا يريد من القارئ أن يكون قارئاً فطناً متعاوناً مع قضيته ومؤمناً بأحاسيسه .
إن المشاهد القليلة التي يخلي فيها ابن طفيل بين المتلقي وبين البطل هي المشاهد التي نظفر فيها بحق بحديث الذات ، حيث ينطلق المنولوج على لسان حي بن يقظان فيعبر عن الأحاسيس الكامنة في نفس الكاتب ، فيكون التعبير متميزاً بالشفافية والعمق على نحو أكبر مما يكون في الحوار المشترك بين الكاتب والقارئ .

Sunday, February 01, 2009

الغوص عميقا والصعود الى السطح



تنبعث أهمية كتاب كارول بي كريست " الصوفية النسوية "، الصادر عن دار آفاق للنشر والتوزيع ، من كونه هادماً لفكرة الموضوعية في النقد ، كما أنها تتحدث عن تجربتها أو اصطدامها بفكرة الموضوعية التي يتعامل معها الوسط الأكاديمي دوماً على أنها من المقدسات التي لا يجوز المساس بها ، إلا أن القارئ يفطن بالتأكيد إلى شكل مختلف للكتابة النقدية ، شكل يكشف عن انحياز عاطفي واضح للأعمال الأدبية الممثلة لرحلة النساء الروحية ، لكن هذا الأسلوب لا يعني أن هذا الكتاب هو نقد انطباعي يقدم تبريرات ولا يدلف إلى عمق الأعمال وينيرها للقارئ . لقد نجح الكتاب في بلورة فكرة انعكست في أعمال أدبية عديدة بدأت في الظهور منذ النصف الأول من القرن العشرين في أمريكا وأوروبا ، ألا وهي التعبير عن تجربة مختلفة للنساء واللجوء إلى لغة تحاول اللحاق
بفرادة هذه التجربة .
----------------------
وترى كريست أن قصص النساء لم تحكَ بعد ، ومن دون القصص لا تتجلى الخبرة أو تتبلور ، وتفقد المرأة طريقها عند الإقدام على اتخاذ القرارات الفاصلة في حياتها ، فالمرأة من دون القصص لا تعرف كيف تقيم نضالها وتعطيه قدر حقه ، ولا تستطيع أن تفهم المرأة نفسها وتظل غريبة عن خبرات النفس العميقة ، وبعيدة عن خبرات العالم التي تسمى الخبرات الروحية أو الدينية ، وإن تعبير السعي الروحي للمرأة هو تعبير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحكاية قصص النساء.
وتقول كريست إن الأدب الجديد الذي أبدعته النساء لديه كلا البعدين الروحي والاجتماعي ، وهو يعكس كلا من كفاح المرأة من أجل خلق طرق جديدة للحياة في هذا العالم ، وسعيها من أجل إيجاد تسمية جديدة للقوى العظمى التي تحدد توجهنا في هذا العالم . ومن أجل جذب الانتباه إلى البعد الروحي في سعي المرأة ، وهو البعد الذي يغفل أحياناً في خضم الانشغال بضرورة النضال من أجل أدوار اجتماعية جديدة ، وضعت كريست تفرقة بين السعي الروحي والسعي الاجتماعي . إنها تعتقد أن سعي النساء يبحث عن كلية توحد ثنائيات الروح والجسد ، العقل واللاعقل ، الطبيعة والحرية ، الروحي والاجتماعي ، الحياة والموت ، وهي تلك الثنائيات التي ابتلي بها الوعي الغربي .
------------------
وتعتقد كريست أن السعيين الروحي والاجتماعي هما بعدان لنضال واحد ، وهو نضال مهم للنساء ليكتسبن الوعي بالطرق التي يمكن أن تدعم بها الروحانية البحث النسوي المهمش عن المساواة الاجتماعية . وتقول إن السعي الروحي يركز على يقظة المرأة وانتباهها إلى أعماق روحها وإلى وضعها في الكون ، ويتضمن السعي الروحي للمرأة لحظات من التأمل والوحدة ، لكنه يقوى بالمشاركة ، وهو يتضمن طرح أسئلة أساسية : من أنا ؟ ولماذا أنا هنا ؟ وما هو مكاني في الكون ؟ وفي الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي على المرأة أن تنصت إلى صوتها الخاص ، وتصل إلى مصطلحات نابعة من خبرتها الخاصة ، وينبغي عليها أن تكسر العادات الثابتة والمتأصلة التي تقضي بالسعي إلى الحصول على الموافقة ، ومحاولة إرضاء الوالدين ، والمحبين ، والأزواج ، والأصدقاء ، ولكن ليس إرضاء نفسها أبداً .
-------------------
إن السعي الاجتماعي للنساء يركز على نضال النساء من أجل اكتساب الاحترام والمساواة والحرية في المجتمع : في العمل ، وفي السياسة ، وفي العلاقات بين النساء والرجال والأطفال . في البحث الاجتماعي تبدأ المرأة في حالة عزلة وانسلاخ عن المجتمع الإنساني ، وتبحث في صيغ وأشكال أخرى للعلاقة والعمل في المجتمع ، فهي تفتش لكي تجد علاقات جنسية غير جائرة ، رؤية جديدة للأمومة ، العمل الإبداعي ، الحقوق المتساوية في المواطنة . إن سعي النساء الروحي يهيئ التوجه للسعي الاجتماعي للنساء ، ويؤسس له على أرضية أرحب من الإنجازات الفردية أو حتى على مستوى المجموعات ، وعندما تبدأ النساء في تسمية خبراتهن الخاصة وتحديد العالم ، فإنهن يشعرن أحياناً بأن كل التاريخ وكل الطبيعة وحتى الآلهة تعمل كلها ضدهن ، فمعظم التاريخ رُوي من منظور السلطة الذكورية ، إن البحث عن الفروق البيولوجية بين الجنسين قد تكيف في اتجاه شرح وتبرير تحكم الرجال في المجتمع وسيادتهم له ، واستخدمت الآلهة في كل من ديانات الشرق وديانات الغرب لتبرير التفوق الذكوري في الأسرة والمجتمع والدين . وبينما يمكن لسعي النساء إلى إسقاط الأنماط القديمة أن يؤيده أحياناً تصميم داخلي مطلق ، إلا أنه في أحيان أخرى نجد أن القوى التي تتكاتف ضد السعي الاجتماعي للمرأة تبدو قوى طاغية لا سبيل إلى مقاومتها .
----------------
وترى كريست أن عند هذه النقطة يمكن للسعي الروحي للمرأة أن يدعم سعيها الاجتماعي ، وإذا تمرست امرأة على أن ترسخ سعيها المتغلغل في قوى الوجود التي هي أكبر من إرادتها الشخصية ، فإن هذه المعرفة يمكن أن تدعمها حينما يضعف تصميمها الشخصي الخاص ويخبو .
وعلى الرغم من أن السعي الروحي للمرأة ربما ينشأ من خبرة العدم ويكون هو الامتداد الخطي لها ، مروراً باليقظة ، إلى التبصر الصوفي والتسمية الجديدة ، إلا أن هذا الترتيب ليس ضرورياً ، فأحياناً تسبق اليقظة الوعي بخيرة العدم ، كما أن التبصر الصوفي يمكن أن يكثف من خبرة المرأة في العدم في الواقع التقليدي ، ولا ينبغي أن يفترض أن المرأة يمكن أن تنتهي أبداً من خبرة العدم ، فطالما أنها تعيش ـ وخاصة في مجتمع مركزي ذكوري ـ فإن خبرة العدم سوف تعاود الظهور ، إن لحظات سعي النساء هي جزء من عملية تشكل فيها خبرات العدم واليقظة والبصائر والتسميات ، فهماً لوبياً يتعمق دوماً لكنه لا ينتهي أبداًً .
وتؤكد كريست أن الصحوة غالباً من خلال التماثل الغامض أو التطابق الصوفي الذي تتهيأ النساء له في عمليات التناغم واتساق مع الجسد والأمومة ، فخبرت النساء الصوفية غالباً ما تكون هي الخبرة التي تتحقق في الطبيعة أو في مجتمع من النساء الأخريات ، ويعقب التيقظ تسمية جديدة للنفس والواقع اللذين يوضحان التوجه الجديد نحو تحقق الذات والعالم من خلال اكتساب الخبرة الخاصة بقوى الوجود . كما تؤكد أن نمط التطور الأنثوي يطرح مبرراً واحداً لتفسير أنه يسهل على النساء تحقيق الخبرات الصوفية أكثر من الرجال .
------------------
إن انبثاق الرؤية الثاقبة لارتباط النساء بالطبيعة ، في رواية عن السعي الروحي للنساء ، يبدو أنه يطرح إمكانية تحقيق النساء للقوة من خلال القبول بالأدوار البيولوجية الأنثوية ، فالتعرف التقليدي للنساء والطبيعة ، وهو تراث القهر ، يمكن أن يكون أيضا مصدراً كامناً للقوة والرؤية ، وكما كتب أحد النقاد فإن الرفض التام لتعريف النساء بالجسد والطبيعة ، يمكن أن يكون " تجاهلاً لذلك الجزء من أنفسنا ، الذي تركناه من أجل العناية والجري وراء هذا الاستقطاب الشديد ( للثقافة والطبيعة ) الذي كنا ضحاياه الأساسيين ، والأهم من ذلك هو أن هذا الاستقطاب الثقافي يمكن أن يقودنا إلى نوع من الانتحار النفسي الذي يصوره الجزء الأول من رواية " الصعود إلى السطح " لمرجريت أتوود .
إن علاقات النساء تتحدد داخل عالم حدده الرجال منذ قرون ، وإن النساء قد بدأن مؤخراً فقط في تحديد هذا العالم ، وتكشف لنا رؤية أدريان ريتش علاقات النساء مع الرجال عن عجز الرجال عن الشعور وافتنانهم بالسلطة والتحكم ، بينما تكشف علاقات النساء مع بعضهن البعض عن الطاقة التي بمقدورها أن تحول ثقافة القوة والموت إلى ثقافة الحياة والميلاد الجديد ، ولم يغب البعد السياسي في أشعار ريتش الحديثة ، إذ تجلى واضحاً للقراء الجادين لقصائدها ، فقد تجلى بوضوح لكلا الفريقين : هؤلاء الذين وجدوا السياسة عند ريتش مزعجة ومربكة ، وهؤلاء الذين وجدوا فيها هذا العنصر التنويري والتنبيهي ، إلا أن الروحي في قصائد ريتش لم يكن واضحاً بدرجة ملحوظة .
--------------------
وتقول ماري دالي إن النسوية ليست ببساطة حركة سياسية واجتماعية ـ بالرغم من أنها هي بالتأكيد كذلك ـ بل إنها أيضاً الرحلة الروحية التي تبدأ بـ " خبرة العدم " حيث تتشظى القيم التقليدية للطاعة والتقوى والولاء ، تلك القيم كانت تدعم النفس ، بالمقارنة مع الليلة المظلمة الغامضة للنفس . وحينما تتسلح بالشجاعة على أن ترى ، فإن الرؤيا الواضحة التي تواجه فراغ القلب في وجهات النظر التقليدية عن النفس ، تقود إلى بصيرة أنطولوجية ، إلى رؤيا جديدة أو كشف جديد لماهيتها التي تتطلب حينئذ تحديداً جديداً للنفس وللعالم .
وتنعت كارول دي كريست الشاعرة نتوزاك شانج بأنها شاعرة كالعاصفة تنفض زوابعها على الأرض ، حيث تجسد الخبرات العالية للنساء السود بلغة صادقة بسيطة حية ، تحكي قصة البنات الملونات بطرقها الخاصة في الحكي ، وعندما تؤخد قصائد من " من أجل البنات الملونات " ككل ، فإنها تصف الرحلة الروحية من خلال خصوصيات خبرة المرأة السوداء ، وفي هذه الرحلة تتعاقب متعة النفس ويأسها واستعادة تركيبها المزاجي حيث تدور في نوبات موسيقية دائرية بدلاً من التصاعد الخطي ، فنساء شانج يتحركن من خلال الأمل والإحباط والميلاد الجديد في الدوريات المتعددة للقصيدة
.