Sunday, December 20, 2009

برونييه يصف الحرب العالمية الإفريقية الوحشية



يعود كتاب "الحرب العالمية الإفريقية" لمؤلفه جيرار برونييه إلى المجزرة الرهيبة التي عرفتها رواندا في صيف عام 1994 والتي ذهب ضحيتها حوالي مليون نسمة من القبيلتين المتصارعتين، الهوتو والتوتسي ، وقد ترتب عليها ما يقارب الأربعة ملايين ضحية.
وهذا ما يشرحه المؤلف بالتحديد - وفق قراءة منشورة بصحيفة " البيان" الإماراتية - وكيف أن تلك المجزرة كانت السبب في نشوب عدد من النزاعات في منطقة البحيرات الكبرى، ويشرح المؤلف أنه بعد تلك المجزرة الرهيبة التي شهدتها رواندا، اضطر ما يقارب مليوني لاجئ ترك البلاد وتوجهوا إلى الزائير المجاورة في عام 1996.
ذلك أنه كان قد غدا من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التعايش بين قبيلتي التوتسي والهوتو اللتين مارستا "القتل على الهوية".
كان أولئك المهاجرون يشكّلون حوالي ثلث مجموع سكان رواندا وأقاموا في معسكرات كانت الأمم المتحدة تشرف عليها في الزائير.
لم يكتف الجيش الرواندي بالهجوم على معسكرات اللاجئين لكنه تابع الهجوم ضد نظام موبوتو في الكونغو "التي كانت تسمى الزائير آنذاك "بحجة أن نظامه "الدكتاتوري" قد منح حق اللجوء لأولئك "المارقين" من الذين كانوا قد قادوا المجزرة في صيف عام 1994.
ويشير جيرار برونييه كما نقلت عنه "البيان" إلى أن القوات الرواندية التي تصدّت لنظام موبوتو استطاعت بمساعدة عدد من الدول الإفريقية الحليفة الإطاحة فيه ووصول لوران ديزيريه كابيلا إلى رأس السلطة.
لكن النظام الكونغولي الجديد اتسم بقدر كبير من الفساد ومن غياب سلطة مركزية قوية قادرة على ضبط الأمور، مثلما كان الأمر في ظل الحكم الاستبدادي الذي مارسه موبوتو. وعندما طلب "كابيلا" من القوات الرواندية مغادرة البلاد عام 1998 كانت الإجابة هي القيام بهجوم جديد أعمّ وأشمل.
وعلى خلفية "الفراغ في السلطة" الذي عرفته الكونغو دخلت مجموعة من الدول الإفريقية على رأسها رواندا وأوغندا وانجولا وزمبابوي وبلدان أخرى في منافسات انتهت إلى حروب طويلة.
ويركّز المؤلف كثيرا على "شجب" موقف اللامبالاة الذي اتسم فيه سلوك المجموعة الدولية حيال الحرب الطويلة التي دارت في قلب القارّة الإفريقية وأودت بحياة ملايين الضحايا.
باختصار إنها الحرب الأكبر التي عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، هذا فضلا عن أنها أكبر مأساة كونية منذ نهاية الحرب الباردة.

Monday, December 14, 2009

إصدار جديد يبحث في أصول الماسونية الأولى


لا تزال الماسونية تشكل أحد المواضيع الأكثر إثارة والأكثر غموضاً منذ ظهورها حتى اليوم، ومؤلفا كتاب "قصة الماسونيين" الصحفية ماري فرانس اتشوغن والفيلسوف فريديريك لونوار، يعودان إلى البحث عن الماسونية منذ أصولها الأولى.
يعود المؤلفان إلى تاريخ 7 يونيو من عام 1717 في لندن حيث التقى مجموعة من الرجال ليضعوا "الميثاق التأسيسي" لمستقبل الماسونية حيث قرروا إنشاء "المحفل الكبير الأول" وتبنّوا مجموعة من القواعد وحددوا مجموعة من الأهداف مع اختيار "معلّم أكبر" على رأسهم.
في ذلك التاريخ المحدد وفق صحيفة "البيان" الإماراتية بدأت الخطوة الأولى من مسيرة الماسونية. ويُعيد المؤلفان أحد أسباب الانتشار الكبير للماسونية في فرنسا وعلى مستوى الشرائح الاجتماعية العليا إلى كون أن "الموضة السائدة" آنذاك كانت ذات أصل بريطاني في تلك الحقبة وحيث كانت تسود في بريطانيا سياسة من الإصلاحات العامة منذ قيام "الثورة المجيدة"، كما يتم توصيف تلك الفترة التي سبقت الثورة الفرنسية الكبرى بحوالي مئة سنة.
كانت انجلترا هي "الموديل" و"برلمانها" و"مجتمعها الملكي" و"ماسونيتها" مما جذب الأرستقراطية الفرنسية المتنوّرة. وأكبر دليل على ذلك يقدمه المؤلفان بكون أن "مونتسكيو" صاحب كتاب "روح الشرائع" كان ماسونياً وكان قد جرى "تعميده" في أحد "أقبية ويستمنسر" في بريطانيا.
ويصف المؤلفان بالكثير من التفاصيل "الطقوس" التي يتم اتباعها لاكتساب صفة "الماسوني" مثل "لف حبل حول عنق "المرشح" واقتياده إلى غرفة صغيرة جميع جدرانها مطلية باللون الأسود. تلك الغرفة هي شبيهة بـ"قبر".
وبعد سلسلة من "الامتحانات" التي تؤهل الناجح فيها إلى ولوج عالم "الكيمياء الروحانية" يتم «عصب عيني» المرشح. ثم يجد نفسه في غرفة محاطا بعدة أشخاص. وبعد تذكيره أنه أقسم على الاحتفاظ بالسر وعدم البوح أبدا بما رأى وسمع في المكان. يُطرح عليه السؤال إذا كان يرغب دائما أن يكون ماسونيا؟ ويتكرر السؤال ثانية. ويؤكد بـ"نعم" دائما.
عندما فقط يفكّون العصبة عن عينيه كي يرى للمرة الأولى أعمدة المعبد وحوله رجال يشكلون نصف دائرة ويشهرون عليه سيوفهم. كان ذلك عام 1775، ويؤكد المؤلفان أنه لا تزل تمارس حتى الآن نفس الطقوس تقريبا بالنسبة لأولئك الذين "يقرعون أبواب المعبد" الماسوني.
إن مؤلفي هذا الكتاب يرفضان ما يسميانه "أسطورة عودة أصول الماسونية إلى الثورة الفرنسية"، ويعتبران أنه لم يعد هناك أي مؤرخ جدي "يدعم مثل هذه المقولة. ولكنهما يؤكدان بالمقابل وجود عديد من الماسونيين بين صفوف الثوار الفرنسيين" .

Saturday, December 05, 2009

ضابط يشرح سر انحدار وكالة المخابرات الأمريكية


صدر مؤخرا في واشنطن كتاب "انحدار وكالة المخابرات المركزية الأمريكية" لمؤلفه تشارلز فاديز ضابط المخابرات الأمريكي الذي عمل في مواقع غاية في الحساسية علي مدى ‏25‏ عاما كان آخرها رئيسا لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط.

أنشئت وكالة المخابرات المركزية عام‏1947‏ وانتهى دورها الحقيقي الآن برأي مؤلف الكتاب ، وذلك بسبب تسارع وتيرة التهديدات والتكنولوجيا أيضا وأصبح بمقدور أي جماعة أن تهدد أمريكا بالأسلحة البيولوجية والكيماوية والإشعاعية والذرية .

المؤلف يؤكد أن هناك منظمة إرهابية تعمل الآن ضمن برنامج لتصنيع أسلحة بيولوجية قاتلة من الانتراكس ـ وهي بكتيريا خطيرة ـ بهدف الهجوم علي بلاده لقتل الآلاف‏,‏ ودفع ملايين من السكان للهجرة من مدنهم الأمريكية‏,‏ هناك أيضا دول تمتلك أسلحة نووية‏,‏ فالأمر لم يعد يقتصر على القوى الكبرى التقليدية مثل روسيا والصين‏,‏ ولكن هناك دولا أقل استقرارا وأمنا مثل باكستان والهند وكوريا الشمالية‏ ودولا أخري في طريقها إلى امتلاك هذه الأسلحة‏,‏ ومن غير المستبعد قيام حرب بين باكستان والهند تستخدم فيها الأسلحة النووية من الجانبين خلال السنوات العشر المقبلة‏,‏ مما سوف يعرض ملايين الفقراء في البلدين للهلاك‏.

ووفق ما كتب مصطفي سامي بصحيفة "الأهرام" المصرية ينتقد المؤلف طرق الاختبار والتدريب وإعداد القادة في وكالة المخابرات .

Friday, December 04, 2009

أفكار المحلل النفسي فرويد لمقاومة زمن الحروب


يصنف التحليل النفسي كنوع من النظريات الشمولية التي استطاعت أن تلج أبوابا كثيرة فهي لم تلج فقط أبواب الأحلام والغرائز والأمراض النفسية والانحرافات والتعقيدات، إنما ولجت أبواب الحضارة والدين والفن والاجتماع والتطور، ونظرا لذلك نتوقف في السطور القادمة مع كتاب العالم النفسي الشهير سيجموند فرويد "أفكار لأزمنة الحرب والموت" الذي يضم أبحاثا كتبها فرويد على مدى السنوات من عام 1915 إلى 1938، أي خلال الفترة من بدايات الحرب العالمية الأولى إلى بوادر الأزمة التي فجرت الحرب العالمية الثانية.
يفسر الكتاب علميا ظاهرتي الحرب والموت، وما بينهما من حزن ومرض وانهيار فردي واجتماعي، والأبحاث السبعة تجيب في النهاية عن سؤال لا يزال يتردد بيننا اليوم: لماذا العنف؟

تتناول الأبحاث موضوعات الحرب والموت وما بينهما، ومأساة الصراع الإنساني لامتلاك القوة أو لتجاوز الضعف.. الجذور البيولوجية والنفسية لهذه الظواهر الاجتماعية والحضارية. ولكن تعنى الأبحاث بالتفسير الفرويدي لظاهرتين شغلتا الإنسان منذ أقدم العصور هما " القتال والموت"، وتصلح هذه الأفكار للتطبيق في زمننا هذا الذي تجتاحه حمى الحروب.

يقول فرويد: في زمن الحرب يفقد العلم نفسه حياديته المبرأة عن الهوى فإن خدامه يسعون إلى الحصول منه على أسلحة يسهمون بها في إلحاق الهزيمة بالعدو ؛ فعالم الانثروبولوجيا "علم الإنسان" مدفوع إلى أن يعلن أن الخصم دنئ ومنحل، والطبيب العقلي مدفوع لأن ينشر تشخيصه لمرض العدو العقلي أو الروحي.

إذاً فالحرب التي رفضنا أن نصدقها قد اندلعت وجلبت معها التحرر من الوهم، إنها تستخف بكل تلك القيود التي تعرف باسم القانون الدولي، والتي التزمت الدول بأن تراعيها في زمن السلم، وهي تتجاهل حقوق الجرحى والهيئة الطبية، وتتجاهل التمييز بين القطاعات المدنية والعسكرية من السكان، وحقوق الملكية الخاصة.


الحرب العالمية الثانية

يقول الكتاب بأن الدولة تنتزع أقصى درجة من الطاعة والتضحية من مواطنيها في زمن الحرب ، ولكنها في الوقت نفسه تعاملهم كأطفال بالاحتفاظ بسرية مفرطة، ورقابة على الأنباء وعلى التعبير عن الرأي، الأمر الذي يجعل أرواح أولئك مقهورة فكريا لا حل لها تجاه كل تحول غير موات للأحداث وإزاء كل شائعة مغرضة، إنها تتنصل من الضمانات والعقود التي كانت قد كونتها مع دول أخرى، وتعترف اعترافا وافرا بضراوتها وشهوتها إلى السلطة، وتدعو الفرد الخاص عندئذ إلى تبنيها باسم النزعة الوطنية.

ومن ثم فإنه ليس مدعاة للدهشة أن يملك هذا الانحلال الأخلاقي بين الدول تأثيرا مضللا على أخلاقيات الفرد، ذلك أن ضميرنا ليس هو الحكم المتصلب الذي اعتاد المعلمون الأخلاقيون على إعلانه، وإنما هو في أصله "رعب الجماعة" ولا شئ غير هذا.

ويؤكد فرويد أنه في ظل غياب توجيهات المجتمع والدولة، يرتكب الناس أفعال القسوة والخداع والتدليس والوحشية التي لا تتواءم تماما مع حضارتهم.

ويتساءل: هل لهذا الإنسان العالمي المتحضر، الذي تحدثت عنه، أن يقف مكتوف الأيدي في عالم يزداد غرابة بالنسبة إليه، ميراثه الشامل قد تحلل، وممتلكاته المشتركة قد تحولت إلى خرائب، وأبناء وطنه قد تورطوا وانحط قدرهم؟ ، بالتأكيد سيسعى هذا الإنسان وراء الحقيقة ودفع الأوهام التي ساهمت في تكوينها الحرب بعيدا عنه، بل وتحطيمها بعد أن كان يرحب بها في السابق ولكن بعد أن تضع الحرب أوزارها وبعد أن يتخلص عقله ونفسه من آثارها!.


ضحايا الحروب

موقفنا إزاء الموت

يؤكد فرويد أن الحرب تصيبنا بالاضطراب في فكرتنا عن الموت، ففي الوقت الذي ندرك فيه أن الموت حقيقة إلا أننا نسعى لصرفه عن أذهاننا ويخرسه البعض أو يزل فكرته من الحياة، ومن هنا استطاعت مدرسة التحليل النفسي أن تؤكد بأن القليلين يعتقدون في أعماقهم بموتهم ، فكل واحد منا في اللاشعور مقتنع بخلوده الشخصي.

وتأتي الحرب لتجعل نظرتنا إلى الموت تختلف، فنحن – وفقا لفرويد - مضطرون لأن نؤمن به لأن الناس يموتون حقا، ولم يعودوا يموتون واحدا بعد آخر، وإنما يموت الكثيرون منهم في وقت واحد، كأن يموت عشرة آلاف في يوم واحد.

هنا ينبغي أن نميز بين مجموعتين أولئك الذين يخاطرون شخصيا بحياتهم في المعركة، وأولئك الذين بقوا في بيوتهم وما عليهم إلا أن ينتظروا فقدان أعزائهم بالجراح أو المرض او العدوى.
إن لا شعورنا غير قابل لفكرة موتنا، بقدر ما أنه ذوعقل إجرامي تجاه الغريب، وبقدر ما هو منقسم أو متناقض وجدانيا تجاه المحبوب، بقدر ما كان الإنسان في الأزمنة القديمة.

من السهل أن نفهم تأثير فعل الحرب على هذه الثنائية إنها تنزع منا آخر إضافات المدنية، وتطرح في العراء الإنسان الأول في كل منا. إنها تجبرنا مرة أخرى على أن نكون أبطالا لا يستطيعون الاعتقاد بموتهم، إنها تدمغ الغريب بأنه العدو الذي يتعين التسبب في موته أو الرغبة فيه، وهي تنصحنا بأن نرتفع فوق موت أولئك الذين نحب.

ويؤكد فرويد في النهاية أنه يبقى احتمال الحياة الواجب الأول للكائنات الحية، ويقول: إننا نتذكر المثل القديم: "إذا رغبت في السلام فاستعد للحرب"، وربما حان الوقت لأن نعيد صياغته هذا: "إذا أردت احتمال الحياة، فلتكن مستعدا للموت".




البشرية وتطور العنف

كان هذا هو عنوان خطابات مفتوحة متبادلة بين بروفيسور البرت اينشتاين وفرويد، وكانت هذه الخطابات حلقة في سلسلة تبادلات مماثلة نظمها "المعهد الدولي للتعاون الفكري" تحت رعاية "عصبة الأمم".

ومن هذه الخطابات نقرأ على لسان فرويد: عزيزي بروفيسور اينشتاين
عندما سمعت أنك تنوي دعوتي إلى تبادل للآراء حول موضوع ما يهمك وافقت عن طيب خاطر، وقد توقعت أن تختار مشكلة يمكن لكل منا عالم طبيعة وعالم نفس أن تكون له زاوية خاصة به في تناولها، ومع ذلك فاجأتني بطرح مسألة ما يمكن عمله لحماية البشرية من لعنة الحرب.

يقول فرويد مخاطبا اينشتاين: إنك بدأت حديثك سابقا عن العلاقة بين الحق والقوة ولكن هل لي ان أستعيض عن كلمة القوة بكلمة العنف الأكثر فظاظة؟ إن الحق والعنف يبدوان لنا اليوم كنقيضين وعلى ذلك فإنه يمكن أن نبين بسهولة أن الواحدة منهما نشأت عن الأخرى.
إنه لمبدأ عام إذاً أن صراعات المصالح بين الناس تسوى باستخدام العنف وهذا صحيح بالنسبة للمملكة الحيوانية بأسرها، ولكنه يحدث بين البشر أيضا.

فالبداية في قطيع بشري صغير كانت القوة العضلية الأكثر تفوقا هي التي تقرر من يملك الأشياء وإرادة من هي التي تسود، وسريعا ما أضيفت إلى القوة العضلية القوة العقلية التي تمكن من استخدام الأدوات والأسلحة بشكل أمهر، لكن الغرض النهائي من القتال بقى كما هو، إجبار طرف او آخر على التخلي عن طلبه أو عن اعتراضه بفعل الدمار الذي يلحق به وبفعل شل قوته.

ويعود فرويد ليوضح أن القتل لم يكن السبيل الوحيد للتعامل مع العدو ولكن كانت هناك أساليب أخرى منها الاقتناع بأن العدو يمكن أن يستخدم في انجاز خدمات مفيدة إذا ترك حيا في حالة خوف.

ولكن مع الارتقاء تبدلت هذه القاعدة – وفقا لفرويد - فقد كان هناك طريق أفضى من العنف إلى الحق هو اتحاد قوى ضعيفة متعددة، ومن ثم لم يعد السائد عنف فرد وإنما عنف جماعة، وبنظرة إلى تاريخ الجنس البشري سنكتشف سلسلة لا نهاية لها من الصراعات بين جماعة وأخرى، بين مدن وأقاليم وأمم وإمبراطوريات كانت تسوى دائما بقوة السلاح، والحروب من هذا النوع تنتهي إما للإضرار بأحد الأطراف أو إلى الإسقاط التام له وغزوه.

Friday, August 21, 2009

نجيب محفوظ بأقلام المثقفين السوريين


جد في كتاب "نجيب محفوظ بعيون سورية" أبحاثاً ومقالات وشهادات، مما كتب عن نجيب محفوظ، خلال العقود الستة الأخيرة، وتفصح هذه الكتابات عن مواقف محفوظ الثقافية والسياسية والاجتماعية والحضارية، وعن رؤيته الفكرية والحياتية.

من ضمن الدراسات المهمة، التي انطوى عليها الكتاب دراسة لجورج طرابيشي، بعنوان "نجيب محفوظ يعيد كتابة تاريخ البشرية"، في كتابه "الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية"، الصادر عن دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1973، حيث يعلل أسلوبية محفوظ الرمزية على أنه لم يكن أمامه "غير أحد أمرين: إما أن يقلع نهائياً عن معالجة مواضيع مماثلة، وإما أن يلجأ إلى الترميز ويشتط في التورية إلى حد التجريد بحيث تخفى الحقائق وراء برقع صفيق من الظواهر".

يختم طرابيشي نظرته إلى هذه الرؤيا الشاملة بقوله: "وأيا يكن موقفنا من الميتافيزيقيا ومن لغتها ومشكلاتها فليس بقليل أن يؤكد في مجتمع كمجتمعنا كاتب له شعبية نجيب محفوظ وتأثيره بأن الإنسان هو المعجزة لأنه يحلم بالطيران وهو غارق في الوحل، الطيران بأجنحة الدين بالأمس وبأجنحة العلم اليوم، وربما بأجنحة الاثنين معاً غداً".

تضمن، أيضاً، قراءة لفاضل السباعي حول رواية نجيب محفوظ  "بداية ونهاية" كانت قد نشرتها مجلة الأديب اللبنانية في آب 1956 وتحدث فيها عن مأساة "نفيسة كامل علي" بطلة الرواية التي رسم لها المؤلف دور المانحة التي تعطي بصمت وسخاء، لتنتهي في آخر المطاف إلى العدم والفناء، فرأى السباعي أن شخصية نفيسة لم تكن مقنعة كل الإقناع، ولم يستقم لها الصدق الروائي الذي كانت عليه سائر شخصيات الرواية معتبراً أن مأساة نفيسة المتمثلة في انتحارها تنطوي على شيء من الافتعال والبعد عن الإقناع دون باقي شخصيات رواية "بداية ونهاية" التي يصفها بالقصة الممتعة.. بدناها الزاخرة، وتماسكها الفني.. معتبراًً أن محفوظ من أنجح – إن لم يكن أنجح- الأقلام الروائية، التي أخذت على نفسها أن تؤرخ برائع فنها للواقع العربي بما يتسم به من مزايا/ وما ينجزه في كيانه من أدواء".

درس رياض عصمت في دراسته "ماوراء الواقعية عند نجيب محفوظ" أهم الأعمال، التي أبدعها خلال حياته، واعتبر أن ثمة نقطتي تحول لهما أهمية خاصة في المشهد الروائي عند محفوظ من جهة، وعند المشهد الروائي العربي من جهة ثانية، وهما: رواية "القاهرة الجديدة"، التي تمثل معالم مرحلة الواقعية النقدية القديمة"، و"ميرامار"، التي تمثل طرقه باب الرواية الجديدة ذات التقنيات الفنية المتداخلة وتعدد مستويات السرد من خلال وجهات نظر مختلفة للأحداث ذاتها.

يرى رياض عصمت أن نجيب محفوظ ينطلق من حادثة وليس من ومضة، وهو يسهب في الوصف الدقيق الفني للأشياء ليتركنا أمام غموض الصورة النهائية، وليتركنا أمام النهاية المفتوحة المقترنة بحرية الإنسان في الحياة الحقيقية.

إنه لايتدخل في مصائر أبطاله ولايقحم نفسه عليها بتدخل فظ، وإنما يتابعها قافزاً من مكان إلى آخر أحياناً مثل كاميرا السينما كما ظهر في "تحقيق- الطبول- المقابلة السامية – الجريمة"، أو أنه يتابعها من المكان نفسه ككاميرا التلفزيون، كما في "الحجرة رقم 12-العريس- أهلاً" وأحيانا بزواج الاثنين، كما في "العربي والغضب".

أما نبيل سليمان، فيرى أن رواية "الحب تحت المطر" تعرض لنا مجريات الرواية وأحداثها، ويشير إلى تجربة نجيب محفوظ الفنية، وهنا يعلل نجيب محفوظ البساطة الفنية التي أخذ بها روايته بقوله: "إن الترميز لم يعد مقنعاً ولا شافياً أخشى أن أقول لك بأن الكلمة الفنية تكاد تكون عديمة الجدوى إن كون الحب تحت المطر بسيطة لايمنع من كونها انعكاساً للاضطراب العام، هى عبارة عن مجموعة صور تكوّن أخيراً مجموعة حكايات تعكس في جملتها اختلالاً شاملاً".

في إطار الأدب المقارن، فقد ألف الكاتب ممدوح أبو الوي كتابه "تولستوي ودوستويفسكي في الأدب العربي"، ليظهر أهمية الأدب العربي وتأثيره في الآداب الأجنبية، ومنها الأدب الروسي، حيث تحدث أبو الوي عن بعض مؤثرات رواية "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي في رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، وقد صدرت الروايتان في مرحلتين تاريخيتين متشابهتين، كما حاول أبو الوي إثبات نقاط التشابه ونقاط الاختلاف بين الروايتين، ومفادها أن دوستيفسكي كتب رواياته بحرارة وديناميكية وتجري أحداثها في فترة زمنية قصيرة "خلال أسبوع مثلا" في حين لم يجد مثل هذه الحرارة في روايات نجيب محفوظ، وكأن دوستيفسكي قد استفاد من الأدباء الروس والأجانب الذين سبقوه والذين عاصروه، فالتأثير والتأثر عمليتان ضروريتان في عالم الإبداع، وهذا هو أحد الأبواب الرئيسة في الأدب المقارن، كما يرى الكاتب.

تطرق الكاتب محمد كامل الخطيب إلى إبداعات نجيب محفوظ الروائية وكشف فيها عن الخصائص الفنية لإبداعه مقاربة للمنهج الاجتماعي، وقوامه المحتوى والشكل، وتحدث عن رؤاه للعالم وعوالمه الروائية المحددة التخوم والموضوعات والمضامين والتقنيات لأن رؤى العالم برأيه تتعدد بتعدد الحضارات والأزمان والثقافات والكتاب.

يرى أن ثلاثية نجيب محفوظ تحمل وجهة نظر مؤلفها في راهن مجتمعه وفي الواقع الإنساني العام.

في الجانب السينمائي، في القسم الثاني من الكتاب يتحدث الكاتب محمد عبيدو عن أهمية نجيب محفوظ في السينما، فقد اختصر نتاجه الهائل تاريخ مصر في القرن العشرين، فهو لم يكن شاهداً على هذا التاريخ فحسب، بل كان أحد صانعيه وأحد الذين بنوه روائياً ليصبح هذا التاريخ شاهداً على نفسه.

يرى أن روايات نجيب محفوظ ستكون بعد مئات السنين بمثابة خرائط مصورة لعلماء الآثار، عندما يريدون التنقيب عن الحارة المصرية القديمة التي بدأت تضمحل وتغيب شخوصها وتذوب ملامحها بفعل التمدن السريع.

فقد كتب سيناريوهات لـ26 فيلماً واقتبست السينما22 رواية من رواياته، كذلك يتحدث محمد قاسم الخليل عن نجيب محفوظ بأنه هَرَمٌ في السينما، وكيف توجهت أنظار السينمائيين العالميين إليه، بعد حصوله على جائزة نوبل عام  1988 فكان له دور حتى في السينما المكسيكية.

باختصار فإن نجيب محفوظ، كما يرى الكاتب، كان قمة في السينما العربية تماماً كما كان هرماً في الرواية.

يحتوي الكتاب على قسمين آخرين: القسم الثالث يحتوي على شهادات لكتاب كتبوا عن رحيل نجيب محفوظ وما تركه من أثر وبصمات في التاريخ العربي والعالمي في مجال الأدب والرواية، أما القسم الرابع يتضمن معلومات ووثائق عن السيرة الإبداعية لنجيب محفوظ: حياته، وفاته، أعماله، جوائزه، وكذلك كلمته أمام لجنة جائزة نوبل.

الكتاب يوثق لبعض الكتابات، التي قيلت في أدب محفوظ الثري، وفي وفاته، وفي شخصه، وقد صدر بمناسبة رحيل الكاتب الكبير صاحب نوبل للآداب.

 

الكتاب: نجيب محفوظ بعيون سورية

الناشر: وزارة الثقافة - الهيئة العامة السورية للكتاب

 

Sunday, May 03, 2009

عصر التشهير بالعرب والمسلمين


يتعرض العرب والمسلمون اليوم إلى أنواع شتى من الهجوم، بأيديولوجية تختلف عن الهجوم المسلح أو الاحتلال العسكري، تحاول أن تنال من تاريخهم بالتشويه والتشهير، وقد ذاق المسلمون ذلك على يد الاستعمار الغربي، وأضيف إليه في نصف القرن الماضي حملات تشهير دائمة من جانب إسرائيل وأعوانها، وأجهزة الدعاية والإعلام.

ثم زاد ذلك بعد حادث 11 سبتمبر الشهير، فأصبح العرب والمسلمون أكثر الشعوب هدفاً لهذا التشهير بادعاء الإرهاب والأصولية الدينية المتشددة، وشن الغرب وأمريكا أشد وأقسى الحملات التي نالت من صورة العرب والإسلام في العالم كله. وتزعمت أمريكا القوى الضاربة للإرهاب والقضاء عليه، وتخليص العالم منه، بعد أن روجت بكل السبل لذلك، وهيأت شعوب الغرب وأمريكا لاستقبال تلك الصورة المشينة عن العرب والإسلام، حتى بات الشارع الأوروبي والأمريكي يعتقد بأن العالم الإسلامي مهد التطرف والإرهاب، وأن الإسلام عدو يريد القضاء على شعوب العالم غير المسلم.

وهذا الكتاب "عصر التشهير بالعرب والمسلمين" للدكتور جلال أمين، الصادر عن دار الشروق، يتناول من زوايا مختلفة تلك الحملات التشهيرية على العرب والمسلمين، خاصة بعد تصعيد التوتر السياسي العالمي عقب حادث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، طامحاً في أن يساهم في التصدي للتدهور الذي أصابنا بعدم الثقة في النفس.

وبداية يحاول الدكتور جلال أمين أن يقدم قراءة سريعة للنظام العالمي الذي كان يحكم العالم قبل الحرب العالمية الثانية، وإنهاء السيطرة العسكرية الغربية التي تمثلت في بريطانيا وفرنسا، ليسود نظام آخر من السيطرة كبديل عن الاحتلال بالقوة، وتحويل الشعوب الضعيفة المتأخرة، فيما أسموه بالعالم الثالث، إلى معسكر خاضع تابع للدول العظمى، التي تمثلت في القوتين العظميين؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، في صورة الحرب الباردة التي كانت شعوب العالم الثالث فقط هي ضحيتها، ثم كان من المتوقع أن يسود العالم نظام عالمي جديد بعد سقوط المعسكر الشرقي "الاتحاد السوفيتي" في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، نظام يعيد ترتيب العلاقات الدولية مرة أخرى تبعاً لمناطق نفوذ القوى الجديدة والوحيدة التي تسود العالم "أمريكا".

ويؤكد المؤلف أن هذا النظام الجديد لا بد أن يكون فيه أشياء قديمة من الماضي لا تسقط بسقوط نظام وقيام آخر، ومنها غلبة المصالح الاقتصادية ودورها الأساسي في تشكيل العلاقات السياسية في العالم، ومنها أيضاًً استعداد الطرف الأقوى لارتكاب أبشع الأعمال، إذا وجدها لازمة لتحقيق أهدافه، والتاريخ يخبرنا بذلك رغم مرور "أربعة أو خمسة قرون من الحضارة الحديثة لم تمنع الدول الكبرى من شن حروب راح ضحيتها الملايين من الناس من أجل إعادة توزيع الموارد والثروات أو لتسهيل الحصول على مادة أولية أرخص سعراً أو أقل نفقة، أو لفتح أسواق جديدة أوفر ربحاً.. إلخ ".

ويرى المؤلف أن النظام الجديد يميل إلى الزعم بغير الحقيقة في الحديث عن الأهداف المتوخاة، أو عن الوسائل التي يجري اتخاذها لتحقيق هذه الأهداف، فعندما تكون الأهداف أهدافاً مادية بحتة، وتتعارض مع أبسط مبادئ العدل كما يفهمها معظم الناس، وعندما تكون الوسائل المتبعة لتحقيقها متعارضة بدورها مع أبسط المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية، فإن اللجوء إلى الخدع والتمويه يصبح بدوره شيئاً لازماً وضرورياً، لا تزول الحاجة إليه في ظل أي نظام عالمي، جديداً كان أو قديماً، لا بد إذن من إخفاء الدوافع الاقتصادية في رداء من الشعارات النبيلة، والزعم بأن المقصود هو تحقيق هذه الشعارات وليس الكسب المادي، هكذا استخدمت في الماضي شعارات نشر المسيحية أو الحضارة، أو الدفاع عن الأقليات أو عن الحريات أو عن سيادة القانون.. إلخ، ولا بد أن نتوقع أن يكون لنفس هذا الغرض استخدام شعارات مثل حقوق الإنسان، أو القضاء على الإرهاب أو استئصال مصادر إنتاج الأسلحة ذات الدمار الشامل.. إلخ.

ويضيف المؤلف أن التغير الذي طرأ على النظام العالمي، السياسي والاقتصادي، كان من المحتم أن يصاحبه تغير آخر في الخطاب الإنشائي يهدف إلى "تجميل القبيح" وإبراز الغايات الحقيرة إلى غايات نبيلة وجديرة بالاحترام، واتخذت القوى العظمى الجديدة أساليبها المختلفة في ترويج هذه الأفكار والشعارات التي كان من أبرزها اختراع عدو توجه إليه نقمة الشعوب المراد كسب تأييدها ودعمها للأهداف المتوخاة وللوسائل المستخدمة لتحقيقها.

وعن وضع العرب والمسلمين في هذا التطور الأخير للنظام العالمي، وما موقعهم منه، فمن المعروف أن النظام الاقتصادي للنظام الجديد يعتمد على انتشار الشركات متعدية الجنسيات، وعلى العولمة وتقسيم العمل والتسويق ووسائل الاتصال ونقل المعلومات والأفكار، وكان لابد له أن يعيد ترتيب العلاقات الدولية بما يتفق مع الأهداف الجديدة له.

ويوضح المؤلف أن "العالم العربي يثير نوعاً آخر من الاحتياجات الجديدة، ويرجع ذلك إلى سببين أساسيين، يتعلق أحدهما بالنفط، والثاني بإسرائيل، فالعالم العربي ليس مجرد منطقة كغيرها من مناطق العالم تصلح سوقاً لبيع السلع والخدمات وميداناً لاستثمار فوائض رءوس الأموال، بل هو أيضاً مستودع لأكبر مصدر للنفط في العالم، كما أنه يضم مطمع المشروع الصهيوني". إن كلا الأمرين، النفط وإسرائيل، يتطلبان الآن إعادة ترتيب للمنطقة العربية بأسرها، وقد تشمل إعادة الترتيب هذه لبعض أعمال الاحتلال الجديدة وتقسيم لبعض الدول العربية أو ضم لبعضها. لذا فإن الذي يناسب تلك الظروف سواء فيما يتعلق بأهداف النظام العالمي الجديد أو فيما يتعلق بأهداف إسرائيل، اختراع ما يسمى بـ "الإرهاب" كعدو جديد يجب القضاء عليه، وبالأخص "الإرهاب الإسلامي والعربي".

ومن الأمثلة التي ساقها المؤلف على تأكيد رؤيته، زعم أمريكا أن الغرض من هجومها على العراق هو إرساء قواعد ديموقراطية والقضاء على الدكتاتورية، ورغم أن ذلك الزعم انكشف بعد الهجوم واستمرار أمريكا في احتلال العراق والسيطرة على الحكم بها، إلا أن عدداً كبيراً من الشعب الأمريكي كان على استعداد لتصديق هذا الزعم مع الأسف، وأن ذلك ما هو إلا دليل قاطع على القدرة الشيطانية التي تحوزها وسائل الإعلام، على الرغم من أن جزءاً كبيراً مما تقوله وسائل الإعلام تلك يتعارض تعارضاً صارخاً مع المنطق السليم، بل ومع بعض البديهيات، وهذا لا يستثنى منه كثير من الناس العقلاء، وللأسف، انطلى على عدد من المثقفين، فعلى سبيل المثال يقبل كثير من هؤلاء كثيراً مما يقال عن أسامة بن لادن مما يصعب أن يقبله العقل، وكذلك عن هوية الأشخاص الذين تنسب إليهم عملية تفجير البرجين في نيويورك ووزارة الدفاع في واشنطن، وما يقال عن أهدافهم من هذه العملية.. إلخ، مع الفارق الشاسع بين ما يتطلبه هذا الحادث من قدرات وبين القدرات المتاحة لهؤلاء الأشخاص.

ويسوق المؤلف مثالاً آخر على الادعاءات الأمريكية، وهو يتعلق بالهجوم على العراق، فهؤلاء الذين يصدقون تلك الأقاويل التي تدور حول 11 سبتمبر، يصدقون ما لا يجوز ـ في رأي المؤلف ـ تصديقه، وهم يجلسون أمام شاشات التليفزيون ساعات طويلة، ويستمعون إلى مختلف القنوات الفضائية وغير الفضائية، ولا يفوتهم تعليق أو تصريح نشرته الصحف ولا أي تفاصيل مهما كانت صغيرة، تتعلق بما يدور من أحداث.

ثم يناقش المؤلف موقف أمريكا من المثقفين العرب، ويرى أن هناك مدرسة لا تفصح كتاباتها عن النتائج التي تريد الترويج لها، وعلى رأس هذه المدرسة الدكتور سعد الدين إبراهيم، والمؤلف يتفق مع المدرسة في شئ واحد فقط وهو أن حال العرب اليوم حال سيء جداً ويرثى له، أما كل ما عدا ذلك، من تفسيرات واستنتاجات وتقييمات سياسية وأخلاقية فيجده متنافياً لأي قراءة منصفة للتاريخ فضلاً عن مجافاته للمنطق والحس السليم.

ويعتقد المؤلف أن محاولة تحسين صورة الإسلام في نظر الغرب هي قضية غير مقبولة، لأن أي محاولة لذلك من شأنها تقريب مفهوم الإسلام إلى المسيحية، وهذا يبعد الإسلام أصلاً عن ذاتيته، وكما قال اللورد كرومر سابقاً "إن إسلاماً تجري عليه عملية الإصلاح لا يعود بعد ذلك إسلاماً" فهو لم يقصد ـ في رأي المؤلف ـ أكثر من أن يقول إن كل من يحاول، باسم الإصلاح، أن يفسر الإسلام تفسيراً يجعله أقرب إلى مبادئ الأوروبيين، إنما يتخلى في الحقيقة عن الإسلام.

ويختتم الدكتور جلال أمين كتابه بأن لهجة الغربيين اليوم، في كلامهم عن الإسلام والمسلمين، ليست من النوع الذي يثير الرغبة في محاولة تحسين صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، بل من النوع الذي يثير الغضب والحنق، ولقد أساءوا الأدب في الكلام عن شيء نبيل وعزيز لدينا، مما لا يترك مجالاً لتبادل الحديث معهم، ومحاولة تبرئة النفس في مواجهة ظلم صارخ من هذا النوع، هي من قبيل الإمعان في إذلال النفس واحتقارها.



Wednesday, April 01, 2009

حين تبكى الافيال




بعد كتاب داروين " التعبير عن الانفعالات عند الإنسان والحيوان " اعترف قليل من العلماء بانفعالات الحيوان وبحثوا فيها ، أو على الأقل تأملوها ، فكان مجرد التسليم بإمكان وجود انفعالات في حياة الحيوانات أمراً خطيراً ، حتى اعتبر الكثيرون هذا المبحث من العلم مشيناً للسمعة ، بل ومن المحرمات تقريباً . إن الرعب والشجاعة والرحمة ـ وغير ذلك من الأمور التي سُجلت عن الحيوان ـ إذا دُرست منهجياً ، يمكنها أن تمدنا بأدلة عن عالم من التجربة الانفعالية العميقة عند الحيوان ، غير أنه يبدو أن هذه الأمور لا تحتل سوى مكان صغير في الكتابات العلمية التي ترفض الأحداث التي لا تحدث سوى مرة واحدة باعتبارها " طرائف " رغم عدم وجود سبب يدعونا إلى تجاهل الأحداث النادرة ، وهذا نادراً ما يتم ، حيث يواجه العلماء اتهاماً بـ " استخدام الأدلة القائمة على الطرائف " وهو اتهام لاذع ، وهو ما يحدث عندما استشهد العلماء بقدرة قردين من الشمبانزي على استخدام الرموز ، للوصول إلى تراكيب غير عادية أو رهيبة من الرموز .
وكتاب " حين تبكي الأفيال ـ الحياة الوجدانية عند الحيوانات " تأليف جيفري ماوساييف ماسون ، ترجمة إبراهيم محمد إبراهيم ومراجعة محمد زاهر المنشاوي ، والصدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب ، يتناول ماسون فيه حياة الأفيال بالدراسة ، ويثبت أن لديها الانفعالات اللازمة التي تعبر عن مشاعرها .
من الواضح أن الفيالة " سائقي الأفيال " قد تكون لديهم معتقدات كثيرة زائفة عن الأفيال لميلهم إلى الأنسنة ، بمعنى أنهم يفسرون بعض الجوانب الظاهرية في سلوك المشاعر الأساسية اليومية ـ أي بالنسبة لإحساسهم ما إذا كان فيلهم مسروراً أو غاضباً أو خائفاً أو مستثاراً أو متلهفاً أو متعباً أو شاكياً أو حانقاً ـ فلن يجدوا أنفسهم بدون وظيفة فحسب ، بل غالباً سيفقدون حياتهم أيضاً وببساطة .
ويقول ماسون : وفي حين أن الحيوانات المستأنسة والحيوانات البرية قد لا تكون متشابهة ، إلا إنه بينها الكثير من الأشياء المشتركة ، بحيث إن المعلومات المتوافرة عن أحدها يمكن أن تكون له علاقة بالآخر . ونادراً ما تظهر الانفعالات قائمة بذاتها ومنعزلة عن غيرها ، ففي حالة البشر يختلط الغضب بالخوف ، والخوف بالحب ، والحب بالخجل ، والخجل بالحزن ، في مواقف خاصة ، وقد تمر الحيوانات أيضاً بمزيج من الانفعالات ، وربما تشعر أم أحد الدرافيل وهي تحمل ابنها الميت وتجوب به كل مكان لعدة أيام بكل الحب والحزن .
إن احتمال تعقد المشاعر وتعدد وجودها وصعوبة تفسيرها لا يعني عدم وجودها . فالحيوانات ليست لديها نفس الانفعالات التي لدى الإنسان وكما يختلف سلوك أنواع الحيوانات ، فإن حياتها الشعورية قد تختلف أيضاً ، وغالباً ما نتجاهل هذه الحقيقة حين تساق الحجج من أمثلة من عالم الحيوان ، كأن يقولوا " يتناسل الإوز مع فرد واحد مدى الحياة " أو " طائر أبو الحناء يركل صغاره خارج العش حين تبلغ من العمر ما يمكنها من الاعتماد على نفسها " أو " الكلب يستقر أو لا يعين أنثاه على تربية الصغار ـ هذه طبيعته " ، وهذا الكلام يفترض خطأ أن جميع الحيوانات متماثلة ، وهكذا يمكننا أن نخرج بنفس الاستنتاجات عن البشر .
ويتساءل ماسون : لماذا توجد المشاعر ؟ إن معظم الناس من غير العلماء يجدون غرابة في هذا السؤال ، فالمشاعر موجودة فحسب ، وهي تبرر ذاتها بذاتها ، كما أن الانفعالات تعطي الحياة معنى وعمقاً ، وهي ليست بحاجة لتخدم أي غرض حتى تبرر وجودها ، ومن ناحية أخرى يقر الكثير من علماء البيولوجيا النشوئية بوجود بعض الانفعالات لدى الحيوانات ، أساساً من أجل وظائف حفظ النوع ، وهم في هذا على النقيض مع السلوكيين ، فالخوف ، بالنسبة للبشر والحيوانات ، على الشواء ، يثير الدافع إلى تجنب الخطر ، والحب ضروري للعناية بالصغار ، أما الغضب فيهيئ المرء للصمود ، غير أن حقيقة أن سلوكاً ما يلعب دوراً في حفظ النوع لا ينبغي أن تعني بالضرورة أن هذا هو السبب دون غيره في حدوثه ، فهناك علماء آخرون قد أرجعوا هذا السلوك ذاته إلى الفعل الشرطي وإلى الاستجابات التي تكتسب بالتعلم ، ومن المؤكد أن أنماط الأفعال المنعكسة والثابتة يمكن حدوثها دون شعور أو تفكير واعٍ ، ففرخ النورس من عادته أن ينقر أية بقعة حمراء فوقه ، ولدى الأب بقعة حمراء على منقاره ، فينقر الفرخ منقار الأب ، فيطعم الأب فرخه حين ينقر على منقاره ، وهذا التفاعل ليس في حاجة إلى مضمون انفعالي .
ثم يؤكد ماسون أن الأفيال تستطيع أن تتواصل عبر المسافات بواسطة النداءات التحت صوتية ـ وهي أصوات أكثر انخفاضاً من أن يستطيع البشر سماعها ـ غير أنه ما لم يكن تواصل الأفيال أدق بكثير مما تكهن به أي شخص حتى الآن ، لما أمكن للرسالة أن تكون محددة تحديداً شديداً .
لقد شوهدت الحيوانات البرية في الطبيعة وهي تمارس الحداد على رفيق ، فقد ذكر عالم الطبيعة جورج ستلر أن البقرة البحرية المنقرضة والتي أطلق اسمه عليها كانت من النوع أحادي الزوج أو الزوجة حيث تتكون الأسرة في المعتاد ، من الأنثى والذكر ، وصغيرين من عمرين مختلفين " ابن مكتمل النمو وآخر صغير رقيق " ورأى ستلر ، وهو عالم طبيعة بحرية يعمل على سفينة ، أنه حين قتل طاقم السفينة أنثى وانجرف جسدها إلى الشاطئ ، عاد الذكر إلى جثتها ليومين متتاليين ، وكأنما يستفسر عنها .
ويحكي لنا ماسون قصة تعكس المشاعر المتبادلة بين الأفيال وبعضها ، يقول : ذات مرة شاهد أحد المهتمين بمراقبة الحيوانات بالصدفة ، مجموعة من الأفيال الأفريقية تحيط بأم كبيرة تحتضر ، وكانت تتهاوى ثم سقطت فتحلقت حولها الأفيال الأخرى وحاولت بقوة أن تساعدها على النهوض ، كما حاول أحد الذكور الشباب أن يرفعها بنابيه ووضع طعاماً في فمها ، بل حاول اعتلاءها جنسياً ، غير أن كل هذه الجهود ذهبت هباء وحاولت الأفيال الأخرى أن تعابثها بخراطيمها ، وركع أحد الصغار وحاول الرضاعة منها ، وفي النهاية تحركت الجماعة بعيداً ، غير أن إحدى الإناث وصغيرها تخلفا ، إذ وقفت الأنثى وظهرها نحو الأم الكبرى المتوفاة وأخذت تعود إليها من آن لآخر وتمسها بقدمها ، فنادت عليها الأفيال الأخرى ، وأخيراً ابتعدت ببطء .
وتصف سينثيا موس سلوك قطيع من الأفيال تتحلق عدة مرات حول صديق ميت والحزن يقتلها ، وتتوقف توقف المرتاب إذا ظل جسده على سكونه ، ثم تنظر خارج الدائرة ، وخراطيمها تتدلى نحو الأرض ، وبعد برهة ، تضرب الأرض بأقدامها وتتحرك في شكل دائرة مرة أخرى ، وتنظر على الخارج ، وأخيراً حين يتأكد لها على الأرجح أن الفيل ميت ـ قد تقطع أفرع الشجار وتجمع العشب المحيط بالمكان وتكدسها حول الجثة ، إن الوقوف مع الاتجاه إلى الخارج يوحي بأن الأفيال تجد المنظر مؤلماً ، وربما تريد البقاء قريباً غير أنها تجد في ذلك تعدياً على حالة خصوصية وهي تراقب مثل هذه المعاناة ، وربما كان لهذا السلوك معنى طقسي لا نفهمه حتى الآن .
لقد ساد اعتقاد بأن الأفيال اعتادت أن تذهب إلى قبور خاصة لتحتضر فيها، ورغم عدم ثبوت هذا الاعتقاد ، تعتقد موس أن الأفيال لديها مفهوم عن الموت فهي شديدة الاهتمام بعظام الأفيال ، وليس بعظام أي أنواع أخرى على الإطلاق ، حتى إن رد فعلها إزاء عظام الأفيال متكرر الحدوث ، بحيث إن مصوري السينما لا يواجهون صعوبة في تصوير الأفيال وهي تتفحص العظام ، فهي تشمها وتقلبها وتجري خراطيمها فوق العظام ، وتتحسسها ، وأحياناً تحملها مسافة ما قبل أن تسقطها ، وهي تبدي اهتماماً أكبر بالجماجم والأنياب .
وتظن موس أن الأفيال تحاول التعرف على الفرد الميت ، وفي إحدى المرات أحضرت موس عظمة من عظام الفك لفيل ميت ـ أنثى بالغة ـ إلى مخيمها ، كي تحدد عمرها على وجه الدقة ، وبعد ذلك ببضعة أسابيع ، تصادف أن مرت عائلة تلك الأنثى عبر أراضي ذلك المخيم ، فاستدارت كي تقترب وتتفحص الفك ، وبعد وقت طويل من مواصلة الأفيال الأخرى السير ، بقى صغير تلك الأنثى البالغ من العمر سبع سنوات يلمس الفك ويقلبه بأقدامه وخرطومه ، ويجوز للمرء أن يتفق في الرأي مع استنتاج موس بأن الصغير قد تذكر أمه بشكل ما وربما تذكر ملامح وجهها ، فأحس بأنها هناك . وهنا يبدو من المؤكد أن ذاكرة الصغير كانت تعمل ، وقد نعجز عن تحديد ما إذا كان قد أحس بحنين حزين إلى الماضي ، أو الأسف وربما الفرح بتذكر أمه أو تأثر بتجربة انفعالية ، غير أنه من الصعب إنكار مشاعر موجودة بالفعل

Friday, March 27, 2009

مصر علي كف عفريت




صدر حديثا عن دار العين للنشر، كتاب "مصر على كف عفريت"، للكاتب الصحفي جلال عامر المعروف بكتاباته الساخرة ، و الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات المجمعة لعامر والتى سبق نشرها فى الصحف المصرية، وكما جاء فى مقدمة الكتاب أنها محاولة لبحث حالة وطن كان يملك غطاء ذهب فأصبح بدون غطاء بلاعة لماذا؟ وكيف؟ ومع ذلك مازلنا نحب ، ويؤكد عامر أن مصر بحفظ الموتى، وانتهت بحفظ الأناشيد لأن كل مسئول يتولى منصبه يقسم أنه سوف يسهر على راحة الشعب، دون أن يحدد أين سيسهر وللساعة كام؟ ففى مصر لا يمشى الحاكم بأمر الدستور، وإنما بأمر الدكتور، ولم يعد أحد فى مصر يستحق أن نحمله على أكتافنا إلا أنبوبة البوتاجاز، فهل مصر فى يد أمينة أم فى أصبع أمريكا أم على كف عفريت ومن كتابات عامر أيضا اسمى جلال وفى البيت المخفى، وأنا أول مواطن يدخل قسم الشرطة ويخرج حياً، وأنا المصرى الوحيد الذى كتبت فى إقرار ذمتى المالية أن عندى حصوة فأنا لا أمتلك سلسلة مطاعم بل فقط سلسلة ظهرى وسلسلة كتب، وحضرت عشرات المؤتمرات الثقافية تحت شعار دع مائة مطواة تتفتح، ونجوت منها ، وأعرف أن 90% من جسم الإنسان ماء، لكنه يستطيع أن يفعل الكثير بالعشرة فى المائة الباقية ، عندى بطاقة تموين حمرا خالية من الدهون، لأن البقال كل شهر يسرق الزيت، ولا أصرف معاشاً بسبب عيب خلقى وأخوض معكم حرب الثلاث وجبات ، وأرتدى بيجاما مخططة ولعلها الشئ الوحيد المخطط فى هذا البلد العشوائى، وأى تغيير فى لون البيجاما أبلغ عنه فوراً شرطة المصنفات.

Friday, March 20, 2009

رواية الديكتاتوريات والجنس المحرّم


باريس المهووسة بالروايات وتطبع سنويا مئات الروايات الفرنسية المحلية منها والاجنبية المترجمة من كافة لغات العالم، اكتشفت هذا العام كاتبة جديدة مميزة من نيجيريا هي سيفي آتا، كاتبة شابة سمراء من مواليد 1964 وتكتب بالانكليزية . روايتها الجديدة الصادرة حديثاً في باريس تحت عنوان " كل شيء طيب سيأتي" تقع في 430 صفحة عن دار " اكت سود" المعروفة والمختصة عموما بآداب العالم الثالث. "
كل شيء طيب سيأتي" رواية تتوهج بالحياة وتؤرجح قارئها، تهز كيانه وتتطرق في آن لحرارة ورعب الحياة. ما تضعه سيفي بين ايدي قارئها هو كل جروحات افريقيا وايضا سحرها الراعد، وكأنها الرواية منصة مسرح افريقي باهر الالوان وصارخ الانين. المتألقة سيفي آتا تلقت دراستها الاولى في لاغوس وتابعت دراستها العالية في انكلترا قبل ان تحصد في العام 2005 روايتها الاولى هذه بالذات جائزة وول سونيكا. تسرد الرواية المعارك المتعددة التي تخوضها فتاة شابة واقعة في صراع مع قارة مشوهة بعنفها وتقاليدها القديمة. الشابة الراوية في النص وتدعى انيتان نشأت وكبرت في العاصمة النيجيرية لاغوس بين والد محام ووالدة من شعب اليورومبا مأسورة داخل عالم من الخرافات . تروي لنا انيتان طفولتها على ضفاف بحيرة شاطئية، وصداقتها المنجية مع شيري، وسنواتها في المدرسة الداخلية، غرامياتها الاولى تحت وقع موسيقى الريغي، وعودتها الى بلادها حيث عملت في مكتب والدها للمحاماة قبل ان تتواجه وتتحدى النظام الذي تفاقم استبداده الى حد لا يطاق، وتلد ايضا ابنة.
هذه الرواية اعتراف تحرري إنعتاقي في عالم من التابويات والمحرمات الجنسية والعائلية المبطنة الى درجة انها اصبحت غير مرئية. تقول البطلة انيتان في خضم الرواية " عندنا النسوة يصبحن مداهنات حين يتغلبن على حقهن بالاحتجاج . لا تورثن بناتهن سوى غيرتيهن وحبهن للغير، وهو ميراث مدهش اشبه بمكيال من الدموع داخل حنجرة جافة" . تدور الاحداث في هذه الرواية الرائعة ما بين 1970 والعام 2000، الرواية التي هي في آن واحد رسم شخصي رائع للمرأة الافريقية وايضا تسجيل وثائقي عظيم الاهمية لنيجيريا تحت حكم الديكتاتورية والانقلابات المتتالية داخل صخب كتابة ساحرة ومخلعة في آن معا، حيث تمتزج الثمالة مع صخب الرفعات الافريقية القديمة تلك الافريقيا الشجية.

Friday, March 13, 2009

دراما اللامعقول

عندما ظهرت مسرحيات يونسكو وبيكيت وجينيه وأداموف على المسرح لأول مرة حيرت معظم النقاد والمشاهدين وأثارت سخطهم ، ولا عجب في ذلك إذ أن هذه المسرحيات تهزأ بجميع المعايير التي ظلت تقاس بها المسرحية قروناً كثيرة ، ومن هنا لا بد أنها تظهر كأنها تتحدى الناس الذين يؤمون المسرح وهم ينتظرون أن يجدوا أمامهم عملاً يدركون أنه مسرحية محكمة الصنع ، ويتوقع في المسرحية المحكمة الصنع أن تقدم شخصيات دوافعها مقنعة وتصويرها صادق ، أما هذه المسرحيات تجئ في الغالب خالية من كائنات بشرية يمكن التعرف عليها تقدم على أفعال خالية من الدوافع تماماً ، وينتظر أن يجئ الإقناع في المسرحية المحكمة الصنع عن طريق حوار ذكي ومنطقي البناء ، ولكننا نجد في بعض هذه المسرحيات حواراً يبدو وكأنه ينحدر إلى مستوى الثرثرة التي لا معنى لها ، ويتوقع أن يكون للمسرحية المحكمة الصنع بداية ووسط ونهاية حبكت ببراعة ، أما هذه المسرحيات فإنها تبدأ في الغالب عند نقطة متعسفة وتبدو وكأنها تنتهي أيضاً بشك اعتباطي أو تعسفي ، فإذا قسنا هذه المسرحيات بجميع المقاييس التقليدية في التذوق الأدبي للمسرحية نجدها ليست رديئة بصورة مقيتة فحسب وإنما لا تستحق أيضاً اسم الدراما .
بهذا المفهوم يقدم مارتن إسلين كتاب " دراما اللامعقول " من اختياره وتقديمه ، والكتاب صدر عن سلسلة من المسرح العالمي ـ العدد السابع ، يناير 2009 ، وهو عبارة عن أربع مسرحيات لأهم كتاب دراما اللامعقول ، ذلك المصطلح الذي يعرفه إسلين بأنه نوع من الاختزال الفكري لنمط معقد من التشابه في التناول والطريقة والتقليد ، ومن الأسس الفنية والفلسفية المشتركة ، سواء أكان إدراكها بوعي أو بلا وعي ، ومن التأثيرات الناجمة عن رصيد مشترك من التراث ، ولهذا فإن تسمية هذا النوع تساعد في الفهم ، ومقياس صلاحها هو مدى مساعدتها لنا على فهم واستيعاب العمل الفني ، وهي ليست تصنيفاً ملزماً ، ولا شك أنها ليست شاملة أو جامعة مانعة .
فقد تحتوي مسرحية على بعض العناصر التي يمكن فهمها جيدا على ضوء مثل هذه التسمية ، في حين نجد أن هناك عوامل أخرى في نفس المسرحية مستمدة من تقليد مغاير ويمكن فهمها بصورة أقل على ضوء ذلك التقليد ، لقد كتب آرثر أداموف مثلاً عدداً من المسرحيات التي تعتبر أمثلة أولى على دراما "اللامعقول" ، أما الآن فهو يرفض هذا الأسلوب بصراحة تامة وعن عمد ، ويكتب في إطار تقليد واقعي مختلف ، ومع ذلك فإننا نجد حتى في آخر مسرحياته الملتزمة واقعياً اجتماعياً بعض النواحي التي يمكن أن توضح على ضوء دراما اللامعقول كاستخدام الفواصل الرمزية " وهي دمى القراقوز " في مسرحيته ربيع عام 71 ، وبالإضافة إلى هذا فإن اصطلاحا مثل اصطلاح دراما اللامعقول عندما يتحدد ويفهم يكتسب قيمة معينة في إلقاء الأضواء على مؤلفات الحقب السالفة ، لقد كتب الناقد البولندي جان كوت مثلاً دراسة رائعة لمسرحية " الملك لير " على ضوء مسرحية " نهاية اللعبة " لبيكيت ، ولم تكن هذه محاولة أكاديمية لا جدوى منها وإنما كانت عوناً حقيقياً كما اتضح في إخراج بيتر بروك العظيم لمسرحية الملك لير ، حيث استمد كثيراً جداً من أفكاره من مقالة كوت .
ويقول إسلين إن مسرح اللامعقول قد يبدو عصرياً إلا أنه ليس كما يميل بعض فرسانه وفريق من ألد نقاده إلى تصويره على أنه جدة ثورية ، إن أفضل فهم لدراما اللامعقول هو الذي ينظر إليه باعتباره مزجاً جديداً لعدد من التقاليد أو السنن الأدبية الدرامية القديمة بل وحتى البالية منها ، كتقليد المحاكاة بالحركات والتهريج التي ترجع إلى التشخيص الهزلي عند الرومان والإغريق وإلى الملهاة المرتجلة التي ظهرت في إيطاليا في عصر النهضة .
ويرى إسلين أنه يجب علينا النظر إلى تاريخ هذه الحركة التي بلغت ذروتها في أعمال بيكيت ويونسكو وجينيه ، وقد كان أسلافها الأقربون هم كتّاب مسرحيون كسترندبرج الذي انتقل من الطبيعة الفوتوغرافية إلى التصورات التعبيرية أكثر صراحة للأحلام والكوابيس والهواجس في مسرحياته ، وكتّاب روايات قصصية مثل جيمس جويس وكافكا ، وكل هذه الأعمال أدت إلى دراما اللامعقول . وهناك تأثير آخر مباشر هو تأثير الداديين والسرياليين والطليعة الباريسية التي استمدت من أمثال ألفرد جاري وجيوم أبولينير ، وفي الحقيقة يمكن اعتبار مسرحية " الملك أوبو " لجاري أول مثال حديث على دراما اللامعقول .
ولا شك أن صموئيل بيكيت هو أعمق كتاب دراما اللامعقول وأعظمهم شأناً ، فلا ريب أن مسرحيتي " في انتظار جودو " و" نهاية اللعبة " عملان رائعان ، كما أن مسرحيات " الأيام السعيدة ، والمسرحية ، وشريط كراب الأخير ، ومسرحية أفعال بلا أقوال " صور شعرية عميقة ورائعة . ويعتبر جان تارديو وبوريس فيان من أحسن كتاب دراما اللامعقول الفرنسيين ، إن تارديو كاتب يجرب ويستكشف بانتظام إمكانيات مسرح يمكن أن يفصل نفسه عن الكلام الاستطرادي حتى تصبح اللغة فيه مجرد صوت موسيقى ، أما فيان ـ وهو من أتباع جاري المخلصين ـ فقد كتب مسرحية " بناة الإمبراطورية " التي يظهر فيها كرجل يفر من الموت والوحدة .
أما أعلام دراما اللامعقول في إيطاليا فهم دينو بزاتي وايزيو ديريكو ، وفي ألمانيا جونتر جراس ، وفولفجانج هيلد شايمر ، كما يمكن اعتبار أعلامه في بريطانيا ن . ف . سيمسون ، وجيمس سوندرز ، وديفيد كامبتون ، وهارولد بنتر.
ومما لاشك فيه أن يوجين يونسكو هو أخصب كتّاب دراما اللامعقول وأكثرهم أصالة وأنه أيضاً من أعمقهم بالرغم مما نجد في مؤلفاته من جذور التهريج والهزل الذي يأتي به للتهريج ذاته . كما أنه أعلى كتاب مسرح اللامعقول صوتاً والكاتب الوحيد بينهم المستعد لمناقشة الأسس النظرية لمؤلفاته ، وللرد على هجوم اليساريين الواقعيين الملتزمين على هذه المؤلفات ، وأهم موضوعات يونسكو : نقد اللغة ، ومثول الموت دائماً في مسرحياته " المغنية الأولى الصلعاء ، الدرس ، الكراسي ، القاتل ، الخرتيت ، الملك يحتضر " ، وقد كانت مسرحية " أميديه أو كيف تتخلص منه " أولى مسرحيات يونسكو الطويلة ، وتحتوي على صورة من أكثر صوره تأثيراً ، كما تمتاز هذه المسرحية بما فيها من تراوح بين حالة من الانقباض والانبساط بين شعور بالثقل يشد الإنسان إلى الأرض وشعور بالخفة كأنه يطير في الفضاء ، وهي صورة يتكرر ظهورها في مؤلفاته وتبلغ ذروتها في هذه المسرحية بالذات حين يحلق أميديه في الهواء مبتعداً في نهايتها .
كما يقف آرثر أداموف اليوم في المعسكر الذي يوجه إليه يونسكو أشد النقد، وهو معسكر الاشتراكيين الواقعيين الذين لسان حالهم مجلة " المسرح الشعبي " ، ولكن أداموف بدا كمتبع لآرتو ، بشهادته عصابياً وغريباً في عالم لا معنى له. إن تطور أداموف من النقيض إلى النقيض يشكل موضوع سيرة فنية ونفسية ممتعة تحتل منها مسرحية " الأستاذ تاران " مكاناً بارزاً ، ويمكن أن نرى تقدم أداموف عملية من عمليات العلاج النفسي عن طريق الكتابة .
أما فيرناندو أرابال فجذوره ممتدة في تراث أسبانيا السيريالي ، وهي بلاد طالما اشتهرت بخصوبتها في الخيال المغرق والزخرفة التي تمزج بين الإنسان والحيوان في تشكيلات هزلية ، ومثال ذلك " آل جريكو جويا " .
وكذلك إدوارد إلبي فهو أحد الأمريكيين الذين مثلوا دراما اللامعقول ، فهو يشارك جينيه في إحساس اليتيم بالوحدة في عالم غريب ، ولا شك أن مسرحيته " من يخشى فرجينيا وولف " جلبت له نجاحاً عظيماً في مسارح برودواي ، إنها قصة الموت في رقصة وحشية .
وتقدم مسرحيات الكتاب عالماً صوره صارمة وقاسية ومخيبة ، وبالرغم من أنها تتخذ في معظم الأحيان قالب الخيالات المفرطة إلا أنها مع ذلك واقعية في جوهرها بمعنى أنها لا تتهرب أبداً من واقع العقل الإنساني بما هو عليه من يأس وخوف ووحدة في عالم غريب وعدائي .

Friday, March 06, 2009

الواقعية السحرية


لا شك أن " الواقعية السحرية " تمثل أحد الاتجاهات المهمة في الرواية في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين ، وقد حصلت على شهرة عالمية لا مثيل لها ، لأسباب كثيرة تحاول الدراسات أن توضحها ، مثلما تحاول أن تتغلغل في خصائص هذا الاتجاه ، وجذوره ، والعوامل التي أدت إلى ظهوره ، ومما يجد ذكره هنا أن الواقعية السحرية لها صلة قوية بثقافتنا وتراثنا ، خاصة إذا عرفنا أن معظم ممثلي هذا التيار تحدثوا عن شغفهم بحكايات " ألف ليلة وليلة " وتأثيرها الكبير عليهم ، لدرجة أن الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس كان يحمل كتاب الليالي معه أينما حلّ ، وفضلاً عن ذلك فإن الواقعية السحرية موجودة في بعض الأعمال الروائية العربية المعاصرة .
وكتاب " في الواقعية السحرية " للدكتور حامد أبو أحمد ، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، يحدثنا عن هذا التيار الذي ملأ العالم شهرة ، وعن أشهر ممثليه ، وقد كان اهتمام أبو أحمد بهذا التيار ينبعث من أنه مازال يحتاج إلى فيض من الدراسات تتناول جذوره القديمة ، ونشأته الحديثة ، وازدهاره المثير للانتباه في بلدان أمريكا اللاتينية ، وكبار ممثليه في هذه القارة ، وغير ذلك من قضايا مهمة حاول الاقتراب منها على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق. فالكتاب جهد متميز للوقوف على بعض الجوانب البارزة في الواقعية السحرية ، ولعله يسهم في التعريف بأدب اللغة الإسبانية خلال القرن العشرين ، وهو أدب كانت له أصداء عالمية واسعة .
في البداية يوضح لنا الدكتور حامد أبو أحمد التيارات التي أثرت في أدب أمريكا اللاتينية ، فمما هو معلوم أن الرواية في أمريكا اللاتينية مع الأجيال التالية لذلك الجيل الرائد خطت خطوات واسعة وحظيت بشهرة عالمية لا مثيل لها ، ولعل من الأوفق أن نتوقف ، بإيجاز شديد ، عند أربع حركات تجديدية أو اتجاهات بارزة هي : الواقعية الاجتماعية ، والتي تأثرت إلى حد ما بكتاب من أمثال إميل زولا وبلزاك وكلارين وجالدوس ومن أبرز ممثليها البيرواني خوسيه ماريا أرجيداس والمكسيكي كارولس فوينتس والبيرواني أيضاً ماريو بارجس يوسا. والاتجاه الثاني هو الواقعية النفسية ، وهي التي تستخدم تقنيات مرتبطة بالحلم ، وتعبر عن اللاشعور ، وتيار الوعي ، والخيال الجامح ، واستبطان الذات ، ومن أبرز ممثلي هذا التيار أدولفو بيوكاساريس ، وخوسيه روبن ورميرو ، وبدرو برادو ، وإدوارد باريوس . والاتجاه الثالث هو الواقعية السحرية ، ويمثلها جابرييل جارثيا ماركيز ، وخوان رولف ، وخوليو كورتاثار . والاتجاه الرابع هو الواقعية البنائية ، ولها تجليات كثيرة في الأدب الروائي في أمريكا اللاتينية لدرجة أن النقاد رصدوا فيها ما يقرب من عشرة اتجاهات منها التعبير عن القبح ، والتعامل مع اللغة وكأننا في معمل ، ومحاولة فهم الواقع المتعالي ، والقصة الجديدة أو اللاقصة ، والتعبير عن اللامنطق ، والتجديد الظاهر للواقع .. إلخ . وكل هذه الاتجاهات أثرت وتثري حالياً أدب أمريكا اللاتينية .
أما عن الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية فإن ماريو بارجس يوسا يقول لا أحد يستطيع أن يعرفها بطريقة محددة وحاسمة ، فالبعض يقول إن أليخوكار بنتير هو أكثر من قدم هذا العالم الذي لا يمكن أن نسميه واقعياً ولا يمكن أن نسميه فانتازيا ، ومن هنا نشأ مصطلح " الواقعية السحرية " لكن الحقيقة أن كل قصاص ، في داخل هذا الإطار ، له عالمه الخاص ، فخوان رولف له عالمه المختلف ، وكذلك خورخي لويس بورخيس ، وكل منهما مختلف عن عالم ماركيز ، فعالم بورخيس مأخوذ من ثقافات متعددة ، على العكس من عالم ماركيز الذي يقتصر على الصنعة الروائية ، وهذا يعني أنه ليس هناك شكل واحد يجمع كل الكتاب في صفة واحدة .
ثم إن الواقعية السحرية ليست تراثاً خاصاً بأدب أمريكا اللاتينية ، ففي إسبانيا نجد في قصص الفرسان فانتازيا كثيرة مثلما نجد عند ماركيز ، كذلك في الأدب الألماني وفي الأدب الفرنسي ، ولعل ظهور عدد كبير من كتاب أمريكا اللاتينية في الخمسينيات هو الذي أدى إلى توثيق ارتباط هذا التيار بهم .
كذلك فإن الربط بين هذا التيار وأشياء أخرى كثيرة مثل الربط بين السحري والعجائبي ، أو بين السحري والأسطوري ، أو بين الواقعية السحرية والسيريالية ، وإذا كان التوسع كبيراً حول مفهوم الأسطورة وحول مفهوم السيريالية ، وحول مفهوم العجائبي ، فإننا ندرك إلى أي مدى يكون هذا المفهوم أكثر اتساعاً حول الواقعية السحرية ، ويقول الناقد الفرنسي الشهير تيفيتان تودوروف : إن وجود عناصر فوق طبيعية يمثل أحد المظاهر البارزة في رواية " مائة عام من العزلة " ، ولكن هذا العنصر فوق الطبيعي لا يتم تناوله هنا على نحو ما يحدث في الأدب العجائبي ، عالم الحكايات التي تسكن فيها الجنيات والحوريات والعفاريت ، وذلك لأن كتاب ماركيز يمثل عالمنا المعاصر ، وليس أي عالم آخر ، كما أن هذا العنصر لا يدخل ضمن الفانتازي ، وهو هذا العالم فوق الطبيعي الذي تؤدي مشاهده إلى إثارة الشكوك والتذبذب لدى الشاهد غير المصدق ، وذلك لأنه في " مائة عام من العزلة " لا أحد يشك في واقع الأحداث فوق الطبيعية .
وهكذا فإن الواقعية السحرية عند ماركيز تختلف عما هو واقعي وعما هو فانتازي ، مع ذلك فإن غالبية النقاد في أمريكا اللاتينية قد ربطوا بين السحري والعجائبي ، ومن هؤلاء خواكين ماركو .
لقد ظهرت الواقعية السحرية في فترة متقدمة من القرن العشرين ، ويتضح هذا من الأسماء التي مثلت هذا الاتجاه مثل أليخو كاربنتيير ، وميجيل آنخل أستورياس ، وبورخيس ، وخوليو كورتاثار ، وخوان رولف ، وماركيز ، ويقدم الدكتور حامد أبو أحمد نبذة عن كل واحد منهم في الكتاب .
ويفرق المؤلف بين الواقعية السحرية وثلاثة ارتباطات أولها : السحري والعجائبي ، وهو يرى رأي تودوروف في هذا الارتباط ، أما الارتباط الثاني فهو بينها وبين السيريالية ، أما الارتباط الثالث فكان مع الأسطورة ، أما فيما يتعلق بالصلة مع السيريالية ، فإن الصياغة الطاغية للدادائية والسيريالية حدثت خلال عقد العشرينيات من القرن الماضي ومعنى هذا أن مصطلح الواقعية السحرية من الممكن أن يكون قد صيغ في هذه الفترة ، ومن هنا يرى لانجويسكي أن هذه الصياغة في حد ذاتها تعكس الصلة القوية بينهما ، بالإضافة إلى أن السيريالية كانت تمثل المرحلة الأخيرة في المدارس الطليعية مثل: الابتداعية ، والمستقبلية ، والماورائية وغيرها .
أما عن الأسطورة وعلاقتها بالواقعية السحرية ، فإن الأسطورة لعبت دوراً في غاية الأهمية في الأدب والفن والثقافة بعامة خلال القرن العشرين حتى لقد أطلق بعض الكتاب على هذا القرن اسم "قرن الأسطورة" ، وقد رأينا الأسطورة تدخل في إبداعات الكثيرين منذ منتصف القرن التاسع عشر وربما قبل ذلك ، كما نجد عند البرناسيين في فرنسا ، ومن بعدهم الرمزيين ، وكذلك في الثقافة الإنجليزية عند إزرا باوند ، وبعد ذلك إليوت ، وفي إسبانيا نجد شعراء الحداثة وعلى رأسهم روبن داريو ثم لوركا ، وفي ألمانيا ريلكه ، واستمرت الأسطورة مؤثرة لدى شعراء أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين كما نجد عند أوكتابيوباث وبورخيس .
ويميز ميشيل بالينثيا بين وعيين عند ماركيز في " مائة عام من العزلة " الوعي الأسطوري والوعي العلمي ، بوصفهما أسلوبين لفهم العالم ، فالوعي الأسطوري مثل أي نسق فلسفي ، ما هو إلا نظرية للواقع .
ثم يتناول الدكتور حامد أبو أحمد روايتي " خريف البطريرك " و" الحب وشياطين أخرى " لمركيز ، بالتحليل كمثال بارز على تيار الواقعية السحرية

الواقعية السحرية


لا شك أن " الواقعية السحرية " تمثل أحد الاتجاهات المهمة في الرواية في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين ، وقد حصلت على شهرة عالمية لا مثيل لها ، لأسباب كثيرة تحاول الدراسات أن توضحها ، مثلما تحاول أن تتغلغل في خصائص هذا الاتجاه ، وجذوره ، والعوامل التي أدت إلى ظهوره ، ومما يجد ذكره هنا أن الواقعية السحرية لها صلة قوية بثقافتنا وتراثنا ، خاصة إذا عرفنا أن معظم ممثلي هذا التيار تحدثوا عن شغفهم بحكايات " ألف ليلة وليلة " وتأثيرها الكبير عليهم ، لدرجة أن الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس كان يحمل كتاب الليالي معه أينما حلّ ، وفضلاً عن ذلك فإن الواقعية السحرية موجودة في بعض الأعمال الروائية العربية المعاصرة .
وكتاب " في الواقعية السحرية " للدكتور حامد أبو أحمد ، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، يحدثنا عن هذا التيار الذي ملأ العالم شهرة ، وعن أشهر ممثليه ، وقد كان اهتمام أبو أحمد بهذا التيار ينبعث من أنه مازال يحتاج إلى فيض من الدراسات تتناول جذوره القديمة ، ونشأته الحديثة ، وازدهاره المثير للانتباه في بلدان أمريكا اللاتينية ، وكبار ممثليه في هذه القارة ، وغير ذلك من قضايا مهمة حاول الاقتراب منها على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق. فالكتاب جهد متميز للوقوف على بعض الجوانب البارزة في الواقعية السحرية ، ولعله يسهم في التعريف بأدب اللغة الإسبانية خلال القرن العشرين ، وهو أدب كانت له أصداء عالمية واسعة .
في البداية يوضح لنا الدكتور حامد أبو أحمد التيارات التي أثرت في أدب أمريكا اللاتينية ، فمما هو معلوم أن الرواية في أمريكا اللاتينية مع الأجيال التالية لذلك الجيل الرائد خطت خطوات واسعة وحظيت بشهرة عالمية لا مثيل لها ، ولعل من الأوفق أن نتوقف ، بإيجاز شديد ، عند أربع حركات تجديدية أو اتجاهات بارزة هي : الواقعية الاجتماعية ، والتي تأثرت إلى حد ما بكتاب من أمثال إميل زولا وبلزاك وكلارين وجالدوس ومن أبرز ممثليها البيرواني خوسيه ماريا أرجيداس والمكسيكي كارولس فوينتس والبيرواني أيضاً ماريو بارجس يوسا. والاتجاه الثاني هو الواقعية النفسية ، وهي التي تستخدم تقنيات مرتبطة بالحلم ، وتعبر عن اللاشعور ، وتيار الوعي ، والخيال الجامح ، واستبطان الذات ، ومن أبرز ممثلي هذا التيار أدولفو بيوكاساريس ، وخوسيه روبن ورميرو ، وبدرو برادو ، وإدوارد باريوس . والاتجاه الثالث هو الواقعية السحرية ، ويمثلها جابرييل جارثيا ماركيز ، وخوان رولف ، وخوليو كورتاثار . والاتجاه الرابع هو الواقعية البنائية ، ولها تجليات كثيرة في الأدب الروائي في أمريكا اللاتينية لدرجة أن النقاد رصدوا فيها ما يقرب من عشرة اتجاهات منها التعبير عن القبح ، والتعامل مع اللغة وكأننا في معمل ، ومحاولة فهم الواقع المتعالي ، والقصة الجديدة أو اللاقصة ، والتعبير عن اللامنطق ، والتجديد الظاهر للواقع .. إلخ . وكل هذه الاتجاهات أثرت وتثري حالياً أدب أمريكا اللاتينية .
أما عن الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية فإن ماريو بارجس يوسا يقول لا أحد يستطيع أن يعرفها بطريقة محددة وحاسمة ، فالبعض يقول إن أليخوكار بنتير هو أكثر من قدم هذا العالم الذي لا يمكن أن نسميه واقعياً ولا يمكن أن نسميه فانتازيا ، ومن هنا نشأ مصطلح " الواقعية السحرية " لكن الحقيقة أن كل قصاص ، في داخل هذا الإطار ، له عالمه الخاص ، فخوان رولف له عالمه المختلف ، وكذلك خورخي لويس بورخيس ، وكل منهما مختلف عن عالم ماركيز ، فعالم بورخيس مأخوذ من ثقافات متعددة ، على العكس من عالم ماركيز الذي يقتصر على الصنعة الروائية ، وهذا يعني أنه ليس هناك شكل واحد يجمع كل الكتاب في صفة واحدة .
ثم إن الواقعية السحرية ليست تراثاً خاصاً بأدب أمريكا اللاتينية ، ففي إسبانيا نجد في قصص الفرسان فانتازيا كثيرة مثلما نجد عند ماركيز ، كذلك في الأدب الألماني وفي الأدب الفرنسي ، ولعل ظهور عدد كبير من كتاب أمريكا اللاتينية في الخمسينيات هو الذي أدى إلى توثيق ارتباط هذا التيار بهم .
كذلك فإن الربط بين هذا التيار وأشياء أخرى كثيرة مثل الربط بين السحري والعجائبي ، أو بين السحري والأسطوري ، أو بين الواقعية السحرية والسيريالية ، وإذا كان التوسع كبيراً حول مفهوم الأسطورة وحول مفهوم السيريالية ، وحول مفهوم العجائبي ، فإننا ندرك إلى أي مدى يكون هذا المفهوم أكثر اتساعاً حول الواقعية السحرية ، ويقول الناقد الفرنسي الشهير تيفيتان تودوروف : إن وجود عناصر فوق طبيعية يمثل أحد المظاهر البارزة في رواية " مائة عام من العزلة " ، ولكن هذا العنصر فوق الطبيعي لا يتم تناوله هنا على نحو ما يحدث في الأدب العجائبي ، عالم الحكايات التي تسكن فيها الجنيات والحوريات والعفاريت ، وذلك لأن كتاب ماركيز يمثل عالمنا المعاصر ، وليس أي عالم آخر ، كما أن هذا العنصر لا يدخل ضمن الفانتازي ، وهو هذا العالم فوق الطبيعي الذي تؤدي مشاهده إلى إثارة الشكوك والتذبذب لدى الشاهد غير المصدق ، وذلك لأنه في " مائة عام من العزلة " لا أحد يشك في واقع الأحداث فوق الطبيعية .
وهكذا فإن الواقعية السحرية عند ماركيز تختلف عما هو واقعي وعما هو فانتازي ، مع ذلك فإن غالبية النقاد في أمريكا اللاتينية قد ربطوا بين السحري والعجائبي ، ومن هؤلاء خواكين ماركو .
لقد ظهرت الواقعية السحرية في فترة متقدمة من القرن العشرين ، ويتضح هذا من الأسماء التي مثلت هذا الاتجاه مثل أليخو كاربنتيير ، وميجيل آنخل أستورياس ، وبورخيس ، وخوليو كورتاثار ، وخوان رولف ، وماركيز ، ويقدم الدكتور حامد أبو أحمد نبذة عن كل واحد منهم في الكتاب .
ويفرق المؤلف بين الواقعية السحرية وثلاثة ارتباطات أولها : السحري والعجائبي ، وهو يرى رأي تودوروف في هذا الارتباط ، أما الارتباط الثاني فهو بينها وبين السيريالية ، أما الارتباط الثالث فكان مع الأسطورة ، أما فيما يتعلق بالصلة مع السيريالية ، فإن الصياغة الطاغية للدادائية والسيريالية حدثت خلال عقد العشرينيات من القرن الماضي ومعنى هذا أن مصطلح الواقعية السحرية من الممكن أن يكون قد صيغ في هذه الفترة ، ومن هنا يرى لانجويسكي أن هذه الصياغة في حد ذاتها تعكس الصلة القوية بينهما ، بالإضافة إلى أن السيريالية كانت تمثل المرحلة الأخيرة في المدارس الطليعية مثل: الابتداعية ، والمستقبلية ، والماورائية وغيرها .
أما عن الأسطورة وعلاقتها بالواقعية السحرية ، فإن الأسطورة لعبت دوراً في غاية الأهمية في الأدب والفن والثقافة بعامة خلال القرن العشرين حتى لقد أطلق بعض الكتاب على هذا القرن اسم "قرن الأسطورة" ، وقد رأينا الأسطورة تدخل في إبداعات الكثيرين منذ منتصف القرن التاسع عشر وربما قبل ذلك ، كما نجد عند البرناسيين في فرنسا ، ومن بعدهم الرمزيين ، وكذلك في الثقافة الإنجليزية عند إزرا باوند ، وبعد ذلك إليوت ، وفي إسبانيا نجد شعراء الحداثة وعلى رأسهم روبن داريو ثم لوركا ، وفي ألمانيا ريلكه ، واستمرت الأسطورة مؤثرة لدى شعراء أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين كما نجد عند أوكتابيوباث وبورخيس .
ويميز ميشيل بالينثيا بين وعيين عند ماركيز في " مائة عام من العزلة " الوعي الأسطوري والوعي العلمي ، بوصفهما أسلوبين لفهم العالم ، فالوعي الأسطوري مثل أي نسق فلسفي ، ما هو إلا نظرية للواقع .
ثم يتناول الدكتور حامد أبو أحمد روايتي " خريف البطريرك " و" الحب وشياطين أخرى " لمركيز ، بالتحليل كمثال بارز على تيار الواقعية السحرية

Sunday, March 01, 2009

مصَّاصة دماء المراهقين المفضلة



2009 هي سنة مصاصي الدماء الادبية بامتياز. حمى سلالة دراكولا تجتاح الروايات ومصاصو الدماء يحتلون واجهات المكتبات ويمتصون هذه المرة ملايين الدولارات.
سلسلة الروائية الاميركية (4 روايات) ستيفاني ماير وهي الاشهر في كتابة هذا النوع الخرافي، بيع منها في العالم الى اليوم ( ابتداء من 2003) اكثر من 35 مليون نسخة وترجمت الى 37 لغة وما تزال منذ 134 اسبوعا تحتل قمة لائحة افضل المبيعات في صحيفة " نيويورك تايمز" ، آخر رواية لستيفاني ماير صدرت حديثا في اميركا وهي بعنوان " الارواح المتشردة" وهي رواية فانتازية للراشدين البالغين، اذ لا بد من ملاحظة ان كتبها السابقة توجهت اساساً للمراهقين، ونجاحها العالمي وشهرتها لربما عادلا الى حد شهرة ونجاح كاتبة سلسلة " هاري بوتر" ج.ك. رولينغ . بيد ان صعود شهرة ماير الصاروخي هذا العام يعود بالدرجة الاولى الى النجاح الهائل الذي يحققه فيلم " شفق" Twilight في الصالات الاميركية والعالمية وهو فيلم مستوحى من رباعيتهــا الروايـة الذي سبق وذكرناها، وهي رباعية كانت بدأت في جزئها الاول تحت عنوان " إفتتان" تلاه " اغواء" ثم " حيرة " واخيرا " تجل".
الى شهرة وبراعة ستيفاني ماير هناك تفصيل شخصي مثير للغرابة في شخصيتها فهي تنتمي الى طائفة الهرمون وهي طائفة دينية اميركية صغيرة في اميركا يعيش اعضاؤها عموما منعزلين داخل كانتونات خاصة بهم وبعاداتهم ومعتقداتهم الغريبة العجيبة ومنها اباحة تعدد الزوجات (هذه الاخيرة منعتهم عن ممارستها السلطات الاميركية) بيد ان المورمون مجتمع متزمت الى حد بعيد ويتبع بشكل خاص وتأويلي كلام الانجيل المسيحي وغالبا ما ينظر اليهم بعين الريبة او السخرية في المجتمع الاميركي.
ستيفاني ماير مؤمنة ممارسة لعقيدتها المورمونية، مواظبة في الكنيسة الخاصة بها، وتؤمن بالعفة وطهارة النفس وتمارس ذلك. متزوجة من محاسب وربة عائلة تقطن في بلدة كايف كريك في ولاية اريزونا، لا تدخن البتة ولا تشرب الكحول غير انها ترتكب احياناً خطيئة اصلية فتشرب قنينة كوكا كولا دايت بنكهة الكرز!. رباعية ماير عبارة عن ساغة متسلسلة او حكاية خرافية يتقاسم بطولتها مصاصو دماء وبشريون شبان ويتحابون ايضا- بطلها مصاص دماء شاب فاتن بشري المظهر كليا لا ينام البتة ولا يأكل ويتلألأ تحت نور الشمس. انه فتى جامعي تلتقيه بطلتها بيلا بعدما وصلت الى قريبة فوركس وهي القرية الاكثر مطرا في اميركا. الفتى يدعى ادوارد، بارد البشرة ومصاص دماء يملك قدرة تخاطرية مولود في 1918 (مصاصو الدماء لا يشيخون) وهو من نوع مصاصي الدماء الذين يتغذون عبر مص دماء الحيوانات لا البشر.
يغرم ادوارد ببيلا ويرغب بها بجموح غير انه لا يجرؤ على لمسها البتة اذ انه ان قام بمجرد لمسها فسوف يقتلها ليشرب دمها الشهي الطيب المذاق. خرافة معاصرة ضمن سياق شبابي وغرام ورومنسية وامتصاص دماء، كل هذا تكتبه ماير ببراعة وبلغة سلسلة غير معقدة وجذابة.
ينهم المراهقون كتب ماير نهماً اذ هي استطاعت في روايات الحب هذه ان تكتب ايروسية تعففية نجحت في إنجازها حتى الذروة كانت معاير في بداية مسيرتها ارسلت مخطوطة روايتها الاولى الى 15 دار للنشر انتقتها من دليل الهاتف. لم يجبها الا ناشر واحد وعرض عليها ثمنا لحقوقها شيكا بقيمة 750 الف دولار ومذاك انهمرت الثروة عليها، فتوقف زوجها المحاسب عن العمل ليكرس نفسه لتربية اولادهما الثلاثة
.

Sunday, February 22, 2009

تزيف وعى الشباب



إن أردت أن تدرس حالة مجتمع ما من ماضيه إلى حاضره ، على نحو بليغ ومركز ، عليك بدراسة أحوال الشباب فيه ، وإذا أردت أن تستشرف مستقبل هذا المجتمع خلال العقود التالية ، فإن فهم أوضاع الشباب وفرصه تزودك بالكثير من أبعاد هذا الاستشراف . ذلك لأن الشباب ليسوا مجرد شريحة عمرية أو فئة سكانية واجتماعية ، أو جيل اجتماعي ثقافي في مرحلة تحول ، وفي عالم يموج بالتحول سرعة وعمقاً ومدى ، أو أنهم قوة واعدة بالتغيير ، ومحملة بالهموم والطموحات ، تكاد تتوزع على البنية الاجتماعية أفقياً ورأسياً ، ولهذا كانت قضاياها هي قضايا المجتمع بكل ما تحفل به من مفارقات وتناقضات ، وإنجازات وإخفاقات .
وكتاب " تزييف وعي الشباب ـ بين العولمة والدعاة الجدد " تأليف عبير أمين ، وتقديم د. عبد الباسط عبد المعطي ، الصادر من الهيئة العامة للكتاب ، يجسد هذا الوعي عند الشباب ، ويؤكد على الالتزام من جانبهم ، ولقد جمعت الباحثة بين الفهم التاريخي لوعي الشباب في علاقاته بالقوى الفاعلة في بنية المجتمع ، وبين فهم جدلي لإدراك التشابكات بين مكونات بنية الوعي الديني من ناحية ، وعلاقاته مع أنماط الوعي من ناحية أخرى ، إضافة إلى عمل ميداني ملموس لحالات من الشباب الجامعي ، باعتبار المرحلة الجامعية هي المرحلة التي تتمم إعداد الشباب ـ وبصرف النظر عن نوعية هذا الإعداد ـ للمشاركة في شئون المجتمع والدولة ، مشاركة واعية منتمية ، أو فردية أنانية آنية .
وقد أتى اختيار الباحثة الذي يربط بين الشباب كقوة مجتمعية وبين فهم الدين ، والوعي به ، باعتبار هذا الدين من أهم المكونات الثقافية الضاربة في عمق الشخصية المصرية ، والمؤثرة في تاريخها عبر العصور . وإذا كان العديد من المثقفين ذهبوا إلى القول بأن الحركة الإسلامية هي جزء من الأزمة والمأزق العربي ، وافترض بعضهم أن الشعب المتخلف يفهم دينه فهماً متخلفاً ، وطالبوا بالثورة الفكرية أو الثقافية ، والتي لا بد أن يلعب الدين دوراً فيها ، فإنه كان من الضروري الالتزام برؤية نقدية تستعين فيها الباحثة في بحثها عن خصائص الوعي الديني للشباب "الجامعي" ، والذي تم التركيز عليه بافتراض أنه يمثل الصفوة الأكثر إدراكاً لطبيعة التفاعل الاجتماعي والأيديولوجي السائد ، والأكثر تفاعلاً مع المتغيرات العالمية والمحلية ، خاصة في المجتمعات الحضرية ، ولعل مما يدعم هذا ، كون شباب الجامعات من أبرز الفئات الرافضة في المجتمعات النامية ، وأن عدداً لا بأس به من قيادات الجماعات الدينية من بين المتعلمين تعليماً جامعياً .
وتبرز أهمية ذلك البحث في أنه من الممكن أن يقدم مساهمة عملية في فهم خصائص الوعي لدى الشباب المصري ، من منظور التحليل التخصصي في علم الاجتماع ، الذي يسعى في تحليله للظواهر ، والقضايا الاجتماعية نحو الربط ما بين التحولات والتفاعلات المتباينة : الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في المجتمع المصري ، وأوضاع الشباب من ناحية ، وحصاد تأثير تلك التفاعلات على الوعي الديني لدى الشباب من ناحية أخرى .
وعلى الرغم من أن موضوع البحث يوحي بالاقتراب من علم الاجتماع الديني ، إلا أنه بقليل من التعمق نجده يستند إلى مؤالفة معرفية بين علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع المعرفي وعلم الاجتماع السياسي ، وكان اعتماد الباحثة على النظرية النقدية موجهاً للبحث ، هو السر في تضافر هذه العلوم مع بعضها البعض ، لما تحمله من رؤية دينامية تاريخية أقرب إلى الشمول . ففي الفصل الأول اعتمدت الباحثة على النظرية النقدية "مدرسة فرنكفورت" كإطار نظري للبحث ، ذلك لأن تلك النظرية تنطلق من فكرة أساسية تقول إن هناك شيئاً إنسانياً في جوهره ، وهو قدرة البشر على العمل يداً بيد لتحويل بيئتهم للأفضل ، وهذه الفكرة تزودنا بمعيار نقيِّم بواسطته المجتمعات القائمة وننتقدها . وقد اختارت عبير أمين النظرية النقدية نظراً لعدة أسباب أهمها أنها تتميز عن باقية النظريات بأنها تحفل بالمرونة التي لا تعوق الباحث عن استيعاب المستجدات التي تطرأ على الظواهر والعلاقات الاجتماعية . كما أنها تستوعب كثيراً من المميزات المعرفية في النظريات السابقة سواء كانت المادية التاريخية أم البنائية الوظيفية ، وأيضاً هي أكثر نظريات علم الاجتماع اهتماماً بقضايا الوعي ومحدداته الموضوعية والذاتية خاصة ما يرتبط به من معارف واتجاهات وقيم تتحدد بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأفراد .
وفي الفصل الثاني قامت الباحثة بتصنيف الدراسات السابقة في الموضوع إلى مجموعتين كبيرتين : الأولى لمجموعة من المثقفين والمفكرين والباحثين المعنيين بمختلف قضايا فهم الدين والوعي به ، أما المجموعة الثانية ، فهي مجموعة الدراسات الأكاديمية كالرسائل العلمية والبحوث المحلية والعالمية التي أنجزها متخصصون في علم الاجتماع وفروع أخرى ذات صلة ، كعلم النفس الاجتماعي وعلم السياسة . وقد حصدت الباحثة تلك الدراسات جميعاً استكمالاً للإطار النظري من حيث إثراها لوعي الباحثة .
وفي الفصل الثالث والمسمى بـ "العولمة وأوضاع الشباب" ، فإن الباحثة تؤكد على أن فهم قضايا الشباب تتطلب فهماً بكل المتغيرات العالمية المحيطة بالمجتمع المصري ، والمتغيرات المحلية التي تعد في كثير من جوانبها انعكاساً لتلك المتغيرات العالمية وما تحفل به من تطورات متلاحقة ، وإذا كانت الاستجابة المحلية للتأثيرات العالمية تتباين بالنظر إلى البعد الجيلي في بعض جوانبها ، فإننا نجد جيل الشباب أكثر استجابة للأحداث العالمية من أجيال الشيوخ ، وذلك لطبيعة التجديد الكامن في بناء شخصياتهم ، بالإضافة إلى ذلك ، فإن التباين قد يحدث من ناحية أخرى بالنظر إلى المجموعة الشبابية ذاتها ، فمن المؤكد أن الشباب المثقف والشباب الجامعي ـ الذي هو موضوع البحث ـ أكثر استجابة من الشباب العامل أو الفلاحين الشباب . وبهذه الرؤية لا يمكننا الفصل التام بين الشباب على مستوى العالم والشباب المصري ، كما كان في السابق ، حيث تتقارب تأثيرات العولمة على شباب العالم بأسره ، وتعني الباحثة هنا بالإشارة إلى العولمة إلى تلك الظواهر العالمية الجديدة التي تكونت ـ بصفة خاصة ـ في العقود الأربعة الماضية ، وينتظر أن تتطور في اتجاهها الموجود حالياً إلى ثلاثة أو أربعة عقود من القرن الحادي والعشرين . فالكوكبية أو العولمة وما صاحبها من ثورة معرفية ، وتراجع مكانة الدولة القومية وأشكال الاستقطاب الجديدة أصبحت أهم ما يتسم به عالم اليوم .
وتتناول الباحثة في الفصل الرابع الحركة الإسلامية ودورها في تشكيل الوعي الديني لدى الشباب فتقول : ينبغي الإشارة إلى ما يميز الأصولية الإسلامية من بذور القطيعة العقائدية ، فالانطلاق من الإيمان بأن الإسلام يمثل " الأيديولوجية الوحيدة الشاملة الصحيحة لكل زمان ومكان " ينطوي ـ صراحة أو ضمناً ـ على إدانة كل الأيديولوجيات الوضعية الأخرى بلا استثناء ، وعلى وصفها جميعاً بالزيف ، ورفض كل الأحزاب السياسية الأخرى ، واعتبارها مشبوهة ، ولهذا ظلت الحركات الأصولية في معظم البلاد الإسلامية لفترة طويلة ترفض أي شكل من أشكال التعاون مع الحركات العلمانية الأخرى ، وترفض المشاركة في اللعبة الديموقراطية في المرات القليلة التي مورست فيها هذه اللعبة ، وقد استطاعت الأصولية أن تستقطب عشرات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي ، خاصة الشباب الذين هم أكثر الفئات الباحثة عن اليقين والهوية ، وعن الحلول لما يعانونه من مشكلات .
غير أن فئة قليلة من تلك الأصولية هي التي تجشمت عناء النضال السياسي من أجل العقيدة باستخدام العنف " التطرف " ورغم أنهم لا يشكلون سوى شريحة محدودة فقط من قطاع واسع للغاية من الأصوليين ، فإنها شريحة عالية الصوت قوية التنظيم ومتأججة الحماس ، مشحونة بروح الاستشهاد ، وهذه الخصائص هي التي تفسر مواجهتها الدامية ضد نظم الحكم في الداخل وضد القوى الأجنبية في الخارج ، وقد أوضحت الدراسات أن أكثر الفئات المنضمة لتلك الحركات الإسلامية هم الشباب ذوو المستوى التعليمي المرتفع من أبناء الطبقة الدنيا والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى المهمشين اجتماعياً وسياسياً ، والتي استطاعت تلك الحركات الدينية الإسلامية أن تشكل وعيهم الديني .
وتعالج الباحثة في الفصل الخامس ملامح الوعي الديني عند الشباب فترى أن الاتجاهات العامة للمعارف الدينية عندهم معارف غير دقيقة ونقلية مستمدة من الخطاب الديني السائد ، كما أنها معارف جزئية نصية ، لا تربط القضية بسياقها التاريخي ولا تسعى لتأيلها في ضوء المستجدات العصرية ، إضافة إلى كونها معارف تكرس الفكر الغيبي والخرافي ، وتختلط بها الثقافة الشعبية والتصورات الذاتية للفرد ، وبعض هذه المعارف قد يكون معوقاص لتنمية الفرد والمجتمع . كما سعى الفصل الأخير من الدراسة إلى التعرف على الوعي الديني لطلاب الجامعات في ضوء علاقاته بمستويات وعيهم الاجتماعي : الاقتصادي والسياسي ، وببعض الاتجاهات والقيم ذات الصلة بالآخر : النوع الاجتماعي والآخر المغير عقائدياً ، معنى هل يتبلور وعيهم بالقضايا الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، في ضوء وعيهم الديني ، أم ينفصل كل منهم عن الآخر .

Friday, February 13, 2009

مفهوم الضوء والظلام فى العرض المسرحى


إن مفهوم الضوء ينطوي على حدين ، أحدهما مجرد ، والآخر مادي ، أما المجرد فيظهر في الفكر والفلسفة ، وهو إدراك مباشر دون براهين تجريبية للمعاني العقلية ، مثل إدراك المكان والزمان على أنهما نهائيان في وجود الضوء بعناصره المكونة له ، أما المادي فيتجسد في وجوده للعيان وهو الإدراك المباشر للمحسوسات ، مثل إدراك اللون والضوء المنعكس عن الأشياء ، سواء أكان على مستوى التطبيق أم النقل المجرد ، أي في إعادة التركيب ، وإن حاصل جمع المجرد والمادي يؤدي إلى الرؤية ، التي نتعرف من خلالها على الأشياء التي تلتقي في الحركة لتتخذ معاني جديدة .
وكتاب " مفهوم الضوء والظلام ـ في العرض المسرحي " تأليف جلال جميل محمد ، ومراجعة الدكتورة نهاد صليحة ، الصادر من الهيئة العامة للكتاب ، يتناول الضوء كموضوع يستطيع أن يستخلص بدقة متناهية روح صورته الدقيقة من شبكة الظروف التي تحدها ، ثم يعيد تجسيدها في ظروف فنية اختيرت كأدق ما يكون لها من تأثير في وظيفتها الجديدة ، ولا يكتفي الكتاب بطرح التطورات النظرية في الضوء ومفاهيمها ، بل يلاحقها في لحظة اشتغالها فلسفياً على العرض ، ويقابل بينها على مستويات متعددة ، مضيئاً كل مقترب بما يشابهه أو يخالفه ، ومحاولاً في الوقت نفسه تقديم مفهوم يتابع التفصيلات الدقيقة دون أن يغفل الانتباه إلى أن الاختلاف والتباين في الآراء جميعاً ، إقرارات حية تنطق بالحقيقة ، ويؤكد أن ثمة اتصالاً حقيقياً أو رابطاً ضمنياً يجمع بين تلك الآراء المتضاربة ، ولعل الأدل على ذلك ما قاله أفلاطون : " إن الحق لم يصبه الناس في وجوهه كلها ، ولا أخطؤوه في وجوهه كلها ، بل أصاب منه كل إنسان جهة " فهذا هو المفهوم الذي توضع في إطاره افتراضاتنا جميعها ، سواء أكانت صحيحة أم خاطئة ، إنها تتعامل بالدرجة الأولى مع المعاني ، ومع مفهوم ما يعرض .
وتتجلى أهمية الكتاب في تعزيز تقنية الضوء بمفاهيم فلسفية ، تبحث في جوهر الضوء قبل تكوين الصورة وبعده ، عبر فلسفة الصورة في الضوء والظلام متضمنة الألوان وعناصرها : كثافة وتشعباً وقيمة وسطوعاً ، من خلال آلية معينة ، وبعد تكوينها باعتبارها تحمل شكلاً وفكراً ومعنى . كما تكمن أيضاً أهمية الضوء في اعتماده الصورة لغة يخاطب من خلالها الممثل والمشاهد ، ليبسط عمليات التحول في الشكل واللون والتخيل والتأويل ومعانيها ، بحيث تدرك بسهولة .
والكتاب يحتوي على توطئة ومقدمة وثلاثة فصول ، أما التوطئة فتفتح باباً صغيراً وبسيطاً على كيفية الدخول إلى معضلات البحث الفلسفي وربطها بالضوء للخروج بمفهوم جديد يشكل توجهاً فنياً جديداً ، ويبين الباحث في الفصل الأول المشكلة التي يتعرض فيها لمفهوم الضوء على المستويين المادي والشكلي " المجرد " ، وأيهما يتفاعل مع الضوء ويحقق تأثيره ، وإذا ما تحقق ذلك ، الزمان بكيفيته في تصريفاته الثلاثة ـ ماض وحاضر ومستقبل ـ والمكان بكمه في الحجوم والمساحات والأبعاد وعلاقاتها الترابطية ، فعل تجاه حركة الضوء ، أم أن فعل الضوء تجاهها يحققها في ضوء حساب معضلات الشكل واللون ، بالاعتماد على التفسيرات العلمية والفنية له والجمع بينها ، واضعاً اليد على المشكلة ألا وهي: كيف يقدم مفهوماً فلسفياً للضوء في العرض المسرحي المنجز ؟
يهدف جلال جميل إلى فتح آفاق معرفية جديدة للدارسين في كليات الفنون الجميلة ومعاهدها ، وللعاملين في مجال الضوء بالمسرح والتليفزيون والسينما ، في الوطن العربي والعالم ، كما يهدف إلى إيجاد مفهوم جديد للضوء في العرض المسرحي ، عبر مرجعيات معرفية ، وفلسفية ، وجمالية ، وإدراكية ، لإبراز مركزيته في العرض ، ويناقش الكتاب مجموعة من المصطلحات التي ترد في متنه سواء في أبنية الضوء المعرفية ، أم في الضوء والتكوين البصري ، وبخاصة تلك التي تمارس فيها بشكل مستمر فيه ، ويورد المؤلف من خلالها تعريفاً إجرائياً ًلكل مصطلح ، معتمداً عليه في تحليله ، وذلك لضرورتها ولعدم الخلط في المفاهيم .
ويتناول الفصل الثاني من الكتاب أبنية الضوء المعرفية ، من حيث الضوء في مثالية أفلاطون وأرسطو ، ودور الشمس ودلالتها في العرض المسرحي الإغريقي ، وثنائية الجوهر والعارض ، في ثبات الجوهر " الضوء " وتحولات العارض " الظلام " ، الذي بالإمكان أن يتحول إلى جوهر ـ تتحول الظلام إلى ضوء ـ ولكن الجوهر لا يمكنه أن يتحول إلى عارض ، لأنه مادة وجود . كما يدرس هذا الفصل الضوء في المفهوم الديني المسيحي في العصور الوسطى ، حيث يتعرض لمفهوم الضوء الباطني " الداخلي " عند المسيحية متمثلاً نور الشمس وحركتها ، بوصفه نوراً داخلياً يشع ليهدي الإنسان إلى الطريق الصحيح ، ويبعده عن طريق الخطأ ، وأن الله يحرك الأشياء وهو لا يتحرك ، والفلسفة هي الحكمة ، والحكمة هي الكلمة ، والكلمة قد تجسدت على صورة مسيح ، وهذه الكلمة هي الحياة ، والحياة هي النور ، والنور لم يأت إلا مع المسيحية ، التي تدرك الجواهر ، وتلك الجواهر يدركها الحس واحدة بعد أخرى بوصفها عوارض ، وقد حملت هذه الفترة مفهوم الفترة الإغريقية نفسه ، في أن الضوء جوهر والظلام عارض ، وكيف انتقل هذا المفهوم إلى العرض المسرحي داخل الكنيسة وخارجها .
وأيضاً تناول الفصل المفهوم المثالي الذاتي الديكارتي والهيجلي للضوء ، ويتعرض إلى المركز واللا مركز في الضوء عند جاك دريدا ورينيه توم . فيعتبر ديكارت الضوء مادة وجود ، وهذا عكس الفكر ، فالمادة لا تفكر ، لكنها تحتل حيزاً في المكان ثلاثي الأبعاد ، تتمدد أو " تتشكل فيه " ، وتنطبق عليها الميكانيكا لإمكانية حركتها في زمان طبيعي ، ويزودنا الضوء بإحساسات متطابقة مع التجربة البصرية ووجود الضوء ، مع وجود منظومات تكوينية أخرى مثل التباين والتضاد والانسجام والتوافق والتطابق والتشابه والتكرار والاستمرارية ، وكلها تسهل عملية الإدراك ، بينما ينطلق هيجل من العقل للوصول إلى أعلى معرفة ، وهي المطلق ، ويرد المطلق بثلاث صيغ : الفن/المعرفة ، الدين/ التأمل ، الفلسفة / الفهم ، ويتم ذلك بالتمييز بين ماهيات مادية مثل الضوء ، وماهيات صورية من مثل الامتداد " الشكل " .
ويوضح الباحث أن اللا مركز عند جاك دريدا يلتقي مع المركز عند رينيه توم من خلال فلسفة الغياب التي تنطلق من أن في الذات جانباً سرياً ، لا يحضر في الوعي ولا يمكن تمثله ، ويبقى في غياب دائم ، وهي عكس فلسفة الحضور عند أفلاطون وأرسطو وديكارت وهيجل ، والتي تعتمد حضور الوعي ، ومن الغياب إلى الآخر المغاير تماماً لما في المركز ، بدفع كلمات ذات معنى مزدوج مثل : الضوء / الظلام ، تحمل في داخلها طاقة خلخلة وتفكيك ، حيث إنها كانت ذات معنى واحد لعصور طويلة ، ومن خلال عناصر العرض الأخرى التي تمثل الآخر " ألوان ، ديكور ، أزياء ، مكياج … إلخ ".
أما الفصل الثالث فإنه يقسم مفهوم " الظلام ـ الضوء " في التكوين البصري إلى مقدمة في العلامة الضوئية وثلاثة مباحث هي : الضوء والشكل ، ويتطرق فيه المؤلف إلى تأثيرات الضوء على الشكل ومركزيته فيه ، سواء بالانطلاق منه بوصفه مركزاً ، أم جذبه للعناصر الأخرى في نقطة الجذب (س) المفترضة ، وقسم الشكل فيه إلى جزأين ، الأول مادي والثاني شكلي ، والذي هو محط الدراسة والبحث والتقصي ، ويدرس علاقات عناصر الضوء من كثافة ، ولون ، وسطوع ، وقيمة ، وتباين ، بعضها مع بعض ، وتأثيراتها على الأشكال .
والمبحث الثاني يوجد علاقة بين التخيل والتأويل ، من خلال التصور باعتباره صيغة تكثيف ، وذلك لإمكانية تركيب الماضي في المستقبل عبر الآني في العرض المسرحي ، بوجود حقلي التخيل الماضي والحاضر عن طريق محفزات دورية تتمثل في الأشكال فوق خشبة المسرح ، ويكشف عن قيام الضوء والظلام بتضييق دائرة التأويل بتكثيفها لدى المشاهد ، وذلك لقدرة الضوء على اختزال الأوصاف المحددة للصور .
والمبحث الثالث يقدم تأثير الضوء على الأشكال وكيفية تحول بنياتها ، من خلال عناصر الضوء ما في بنيات المكان والزمان والشخصية وطريقة أدائها ، والملابس والماكياج والجو والأحداث والفضاء ، ليصل المبحث إلى مؤشرات الضوء بوصفه مركز انطلاق الأشكال كلها فوق الخشبة .