Saturday, December 22, 2007

طقوس الفرسان

سأوجه كلماتي كرصاص طائش، وسألقي ما في صدري من ضيق، ستكون النهاية... والبداية. لن أهتم بالتفاصيل، ولن أضطر لترتيب الأفكار... أنا رجل ملول... فوضوي... وحقير... هكذا وإلا فلا... سأصرخ في وجهها حتى ترى حنجرتي وسيقذفها هواء رئتي خارج عتباتي المقدسة.. أنا لا أصلح للزواج... فهمت أم لم تفهم
* * *

قبل يومين، اغتاظت حين اختلست نظرة لزميلتها.. الفتاة جميلة، وحركة رأسي كانت مطاطية... أعترف أني استدرت مائة وثمانين درجة، ولكنه كان رد فعل انعكاسي، أي، لا إرادي، وأنا من جاهدت نفسي طوال الشهرين الماضيين، مارست كل سياسات القمع الذاتي حتى أركز رأسي باتجاهها، طبقت خواص التناظر حول محور واحد.. كان أمرًا جللاً.
لكني لا أنكر أن في عينيها شيئًا لم أره في عيون الأخريات، وأنها حين تهمس، أذوب في حروف الكلمات... وآه حين... لا فرضته،.. لا، لن أترك نفسي فريسة حلاوتها أو طلاوتها سأشق حصار اللاحوار الذي سأقول، منع التجول عندك أنت فقط، أما أنا فلا..
* * * *
البدلة تناسب ربطة العنق، وهي لم ترها، ستكون مهمة رسمية لفض شباكها، وسأبدو رجلاً محترمًا، وسياسيًّا محنكًا يحسن رسم النهايات. هذا العطر سيفوح على أرصفة منزلها، سيقلقها، سينفذ عبر أسوارها ونوافذها المعلقة، سيؤرق خلايا شمّها العصبية، وسأبدو وسيمًا تتهافت عليّ بنات الحي ولن آبه.. سألقي كلماتي وأستدير.. قبل أن أستدير، سأبتسم ابتسامة مقتضبة.. لن ألتفت.. ستناديني وسأمضي.. ستبكي، ويعز عليّ أن تبكي، سيعلو البكاء، وسأصمد.. سأفكر في فاتنة تغزو البطين الأيمن من خافقي ويذهب حبها أدراج أنفاسي.
* * * *
للفرسان طقوس في الحب.. سأهديها باقة ورد. أريدها أن تتألم وأن تعض أناملها الناعمة ندمًا وحسرة.. الجرح ستتلوه ندبة، بل قيحًا، ستعاني عواقب الهجر، ستذوب كشمعة. أما هذا النور المشع في عينيها فسينطفئ. ستقص شعرها الحريري وستخفي ملامحها الحزينة خلف أقنعة من المساحيق. البيت هو البيت بالخدر.. ساعة الميلاد ستأتي هكذا في لحظات، الجو ربيعي فاتن والنسيم يوحي
* * *
انتظرت وطال انتظاري، مللت من المارة والأرصفة وما عاد النسيم يوحي بشيء. فجأة قنصتها تصعد السلالم، تبعتها.. ناديتها، لم تلتفت، رفعت صوتي بالنداء، أسرعت وغلقت الأبواب؟؟؟
فار الدم في رأسي.. طرقت الباب مرتين، ثم توالت طرقات كريح صرصر.. هددت، أقسمت........ وعظمت..... توعدت واعتذرت،... ورجوت... وتأوهت.... وأذعنت فُتح الباب، قادتني من يدي أبصرت قمرًا غاب عني، وغنجا يقضي على أعنف الثورات.....
* * *
بان السيد - 34 عامًا - فلسطينية مقيمة بأمريكا
-------------------------------
النقد والتعليق
-------
تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان
في الحقيقة.. إن الحس الشعري الموجود فى العمل القصصي الذي بين أيدينا يجعلنا نقف قليلاً قبل أن نقضي بنوع الجنس الأدبي وبأنه قصة، ففيه تكتمل كل مقومات العمل القصصي من حبكة وحراك درامي واضح. وقد استطاعت القاصة أن تنتقل بين الأحداث برقة ورشاقة واضحيْن.
جاء الحسّ الذكوري عاليًا جدًّا، بمعنى أن المتلقي لا يمكنه أن يدرك أن الكاتب امرأة وذلك أمر محمود للقاصة، فهي تنتقل بين الأحداث بخفة وسلاسة، وكذلك بين الأزمنة فلا نشعر معها بفجوات زمنية على الإطلاق.
-----------
اللغة شاعرية جدًّا حتى إن القاصة تصُفّ كلماتها وكأنها قصيدة وتقطع الجمل القصيرة وكأنها بصدد ميزانها، على كل فقد خدمت الجمل القصيرة الإيقاع المتسارع الذي يُشعر المتلقي بأنه يلهث في إثر الحدث، كما جاءت القصة مكثفة جدًّا بلا خلل، وهو من الأمور المتميزة في هذا العمل. لكن القاصة وقعت في المباشرة وفي كونها لا بد أن تأتي بعنوان قصتها داخل الموضوع؛ إذ كان من الأفضل أن تتخلى عن هذه المباشرة، فعملها جيد جدًّا باستثناء المباشرة، وتقطيع الجمل في شكل الكتابة وهو ما يليق بالشعر أكثر من القصة.
-------------
منقول من موقع اون لاين

Saturday, December 01, 2007

الثقافة العربية مقومات الصمود


أفرزت الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال عن ظهور الإنتاج الجماهيري والذي ينظر إلى العامل بكافة أجناسه وشعوبه باعتباره سوقًا واحدة يجب أن تخضع لمعايير موحدة؛ لذا كَرَّسَت فكرة السوق العالمية جهودها في مجال صناعة المضامين الثقافية والمضامين الأخرى ذات الارتباط بالثقافة كالإعلان والترفيه، وظهر بذلك مصطلح ثقافة عالمية كونية تدفع العلم إلى الاتجاه في الدخول إلى قالب ثقافي واحد، وتُعَدُّ هذه الثقافة العالمية الولايات المتحدة الأمريكية نظرًا لمكانتها الدولية وتفوقها التكنولوجي، وعن طريق حكوماتها في أحيان أخرى.
وقد ظلَّت مسألة إيجاد ثقافة عالمية هاجس القادة والساسة الأمريكيين، ويعتبرون عدم وجودها عقبة أمام تحقيق أحلام وطموحات الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، وفي ذلك يقول جورج بوش الرئيس الأمريكي السابق:
هناك شرطان أساسيان للنظام الدولي الجديد المُؤَسَّس على هيمنة القانون الدولي لم يتوافرا بعد وما زالا بعيدَيْن عن التحقيق في المستقبل القريب.




أولاً: عدم وجود ثقافة دولية ومجتمع دولي متماسك قادرين على العمل؛ لتخفيف التنافسات وسوء الفهم المتبادل المؤدي إلى الصراعات وتصادم القيم الحضارية بين الأمم


ثانيًا: ما زال الأمر الواقع الحالي غير مقبول لكثير من الأطراف التي لا تتوافق مطالبها بسهولة مع الإطار الدولي الحاضر
--------------------------
وجدت هذه النزعة الأمريكية تعزيزات أيديولوجية من قبل منظرين أمريكان الذي توصلوا لأي نظريات في حتمية سيطرة وقيادة أمريكا للعالم، مثل: نظرية نهاية التاريخ وظهور الرجل الجديد لفوكوياما والتي بَجَّلت النعرة القومية عن فكرة الرأسمالية وسمو العنصر الأمريكي، وكذلك نظرية صدام الحضارات لهانتجتون التي دعت حتمية الصراع الأيدلوجي بين الشرق المسلم والغرب المسيحي.
كل ذلك حمل الكثيرين من المفكرين للقول بخطورة تلك الإفرازات ومساسها للأمن الثقافي والفكري للعالم العربي والإسلامي، لما يشكله من تهديد مباشر للميراث الثقافي الغني له، وظهرت مصطلحات تعكس حالة القلق والتوجس من زحف الثقافة الأنجلو الأمريكية مثل: الغزو الفكري.. الاختراق الثقافي.. العولمة الثقافية.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإننا نرى أن للثقافة العربية بمفهومها العام والثقافة الوطنية المحلية، بوادر أمل للبقاء والمقاومة والصمود أمام أي زحف خارجي، ومستندنا في ذلك مقومات مستوحاة ومستنبطة من واقع البلاد العربية وأوضاعها العامة، ونلخصها في الآتي:

---------------------------
أولاً: أنظمة الحكم

من الفرص المتاحة لصمود الثقافة العربية والمحلية حماية أنظمة الحكم في البلاد العربية لها، فلا تزال تحظى بدفاع واهتمام كبيرين منها لما بينهما من علاقات ارتباطية وثيقة؛ لأن بقاء الأولى يُعَدُّ غذاء مقوِّيًا لبقاء الثانية، ولعل لغز الارتباط يتضح إذا نظرنا إلى واقع الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية أن كلاًّ منها يستمد مشروعية البقاء والاستمرار على سُدَّة الحكم من دعم القيم والمؤسسات المسئولة عن التنشئة الاجتماعية وغرس الثقافة العربية والوطنية في الناشئة وتأصيلها لدى كافة المواطنين، فهذه المؤسسات – بعامتها – تضفي الشرعية على النظام الحاكم أيًّا كان نوع حكمه واتجاهه تحت مظلة المحافظة على القيم والتماسك الاجتماعي، من هذه الناحية يأتي اهتمام تلك الأنظمة بدور هذه المؤسسات وما تقوم به من طقوس ونشاط حتى وإن لم تتفق معها في الاتجاه الفكري والأيدلوجي، بل يكفيها الدور الهام والأساسي الذي تقوم به من تطويع الشعب لهذه القيادة من خلال مختلف أنشطتها الثقافية المعتادة المألوفة لدى المواطنين
----------------------------
ثانيًا: التنوع الثقافي
من مقومات صمود الثقافة العربية أمام زحف العولمة ميزة التنوع والتباين، والتي وصلت إلى حد التعددية في بعض المناطق والأقطار حتى داخل الوطن الواحد، ويمكن أن يرجع ذلك إلى ظروف البيئة والإقليم والتنظيم الاجتماعي والوضع الاقتصادي وأسلوب الحياة والمعيشة والانتماءات ومستوى التخلف الاقتصادي والتقدم، كما يسهم في ذلك النظام السائد والثقافات الفرعية، وبالطبع فإن لهذا التنوع الشديد انعكاسات سلبية في واقع الممارسات العملية، حيث توقف مشروع الإنتاج البرامجي الطموح في الوطن العربي بسبب الخلافات حول مدى إسهام كل دولة تاريخيًّا في الحضارة العربية وتعثرت محاولات الإنتاج البرامجي لدول الخليج أيضًا بالسبب نفسه.
فإذا كانت هذه طبيعة التعامل العربي فيما بينها لمجرد التباين الطفيف في المستوى الثقافي، فكيف يكون مع غيره في مجال الثقافة ؟ فالجواب معروف أنه حتمًا سيكون أكثر رفضًا وصلابة أمام أي محاولات الاختراق من ثقافة تختلف عنها شكلاً ومضمونًا.

----------------------------
ثالثًا: القوة الروحية
تعتمد الثقافة العربية على قوة روحية معنوية ذات تأثير عالمي قوي في الإسلام، فاكتسب بذلك فعالية ونفوذًا عالميَّيْن، فكل مكان وُجِدَ فيه الإسلام وجدت فيه اللغة العربية وثقافتها بالطبع - لهذا لم تَعُد مقصورة على العرب فقط، بل بات الحفاظ عليها والاهتمام بها والذود عنها مسئولية العرب والمسلمين على السواء، فإذا تعرضت لأية محاولات هجوم من جراء تداعيات العولمة وإجراءاتها وأدواتها واستطاعت التأثير على بعض من أبناء وأصحاب هذه الثقافة، فإن ذلك يلقي معارضة شديدة لدى الشعوب الإسلامية المنطبعة بالثقافة العربية الإسلامية، وفي ذلك تحدٍّ كبير للعرب أصحاب الشأن في المقام الأول، فهذا مُقَوِّم عالمي يحمي الثقافة العربية من الذوبان ويدعم بقاءه وصموده أمام تحركات المناهضة لها
--------------------------
رابعًا: الاتجاه المضاد
تزايدت ردود فعل مضادة نحو العولمة وإجراءاتها لقولبة الثقافات الأخرى وتطبيعها في ثقافة واحدة، وتتمثل في اتجاهات الرفض المنتشرة بين أوساط المثقفين والنخبة من المبدعين، وبمقتضى هذا المقوِّم فكلما زادت محاولات السيطرة والاختراق الثقافي عن طريق الانفتاح والتعددية المشبوهة زاد الشعور لدى الفرد ضرورة لتمسك بالخصوصية الثقافية لميزة وحيدة للتفرد، ولعل هذا الاتجاه ماثل في ثلة من أفراد البعثات الواعين في بلاد الغرب، حيث ازدادوا مع الانفتاح تمسكًا بالهوية الوطنية
----------------------------
إشكاليات الذوبان
من واقع القراءة والاستعراض لبعض الكتابات وأدبيات الثقافة العربية تبين أن هناك عددًا من الإشكالات قد تمكِّن من الذوبان الثقافي؛ لهذا يجب أن تستحق الدراسة والتشخيص وهي تساؤلات مطروحة لإثارة بحوث مستقبلية أو على أقل تقدير رؤوس موضوعات في مجال الثقافة العربية ونجملها في الآتي
---------------------------
أولاً: إشكالية المصدر
يُعَدُّ عدم وجدود مصدر يحظى بإجماع الأمة العربية لأَنْ تُكَوِّن مردًّا أساسيًّا لثقافتها وتَكُون لها صفة الصدارة والشمولية تعكس التباين الموجود داخل هذه الثقافة، فهناك من يرى أن المصدر الأهم للثقافة العربية الدين الإسلامي، في حين يرى الآخرون أن العائلة هي المصدر الأهم وأن الكثير مما يسمَّى قيمًا دينية هي في الأساس قيم عائلية دخلت الدين واستمرت فيه وأخذت شكلاً دينيًّا، ويرى البعض الآخر أن المصدر الأهم هو أنماط المعيشة وأساليبها والبيئة بشكل عام، معلِّلين ذلك أن التنوع المشار إليه نشأ في الثقافة العربية نتيجة عمل البيئة والأساليب المعيشة، فأصبحت هناك ثقافة بدوية دعويَّة وأخرى ريفية زراعية كذلك ثقافية حضرية تجارية، في الوقت الذي يرفض الآخرون قصر مصدر الثقافة العربية على عمل واحد بحجة أن الثقافة العربية ثقافة عامة وعالمية؛ لذلك يجب أن تستمد من اللغة العربية وآدابها، ومن الدين والعائلة وأنماط الإنتاج المتشابهة ولتحديات والنظام لعام السائد ووحدة التجربة التاريخية، فأين تستقي ثقافتنا العربية ؟ فإذا تعارض أحد تلك المصادر فأيها يُقَدَّم ؟ هذه إشكالية تحتاج إلى حلٍّ بإجابة مقنعة
---------------------------
ثانيًا: إشكالية منهجية
تتمثل الإشكالية المنهجية في عدم وجود منهج للثقافة أو عدم وضوحه، وبمعنى آخر فقدان المعايير البنائية التي يتحدد بها الثوابت والمتغيرات في الثقافة العربية، بتحديد المسلمات غير القابلة للتغيير والتعديل، ووضع ضوابط معينة للمتغيرات ضوابط زمانية ومكانية وبيئية لا سيما في ظل معطيات لثورة العلمية والتقنية التي يمكن أن تصبح الثقافة في حالة من التغير السريع بتأثير هذا الفيض الهائل من المعومات والمعارف وسهَّلت عملية الاستعارة والتكيف في شكل أسرع من معدلها الطبيعي مما قد يوقع في فخ الذوبان.
------------------------
ثالثًا: إشكالية الخلط المفاهيمي
الخلط بين المفاهيم وبعض المصطلحات والمسميات إشكالية أخرى تواجه الثقافة العربية وتهددها بالذوبان، فمع نفوذ العولمة وأدواتها وإجراءاتها ازدادت الإشكالية غموضًا فعلى سبيل المثال:
نرى انحرافًا ثقافيًّا وفكريًّا واضحًا يُلَفَّ بغطاء الانفتاح والتثاقف في توليفة الأصالة والحفاظ على الهوية، وفي أحيان كثيرة يمكن لاختراق ثقافتنا وتعرض هوية الأمة بثمن بخس بحجة التحديث والمعارة، مما يسمح للتطاول والنيل من المبادئ والمسلمات والطعن في الثوابت تحت شعار التعددية والديمقراطية وحتمية الخلاف، في حين تُكْبَت الحريات وتُوأَد الحقوق تحت مظلمة الحفاظ على الأمن القومي والمصلحة الوطنية هذه بعض الإشكالات التي تواجه الثقافة العربية طرحناها؛ لتراجع نفسها وتفسح المجال أمام نقد ذاتي هادف.

---------------------------
بقلم /الخضر عبدالباقي محمد