Tuesday, October 24, 2006

المعالجون والكهنة

كان المعالجون والكهنة هم أوائل الأطباء وكانوا ينتقون نباتات يداوون بها المرضى ومع مرور الزمن تعلم الإنسان كيف يعالج نفسه من خلال ملاحظته لمفعول النباتات والمواد المعدنية وبعض ما يستخلصه من أجسام الحيوانات
وأول من وصف أعراض الأمراض ودعا إلى الالتزام بقواعد الصحة هو ابقراط( القرن الخامس قبل الميلاد) ولكن أول من مارس الصيدلة
هو جالينوس (القرن الثاني للميلاد)لقد كان هيئ الأدوية وبعمل على إقامة التوازن بين (الاختلاط) ودلك التوازن الذي يعتبره ضروريا لصحة الجسد . كما نجده مدونا في عدد من مؤلفاته.إلا أن قبل العصر الوسيط لم يكن تميز تام بين الطبوالصيدلة وكان الرهبان أطباء وصيادلة في نفس الوقت – فهم الدين يصنعون الأدوية بالمزج بين النباتات ذات المفعول العلاجي
ونشر العرب معارفهم الطبية في البلدان التي فتحوها وجلبوا إليها مواد معدنية ومواد أخرى تستعمل في المجال الطبي ماتزال تعرف في الغرب بأسمائها العربية محرفة بعض الشيء ( الإكسير، الكحول ، القلي )وبعد الحروب الصليبية ازدهرت الحضارة المدينية وانحسرت سلطة الكنيسة في الغربوتغيرت عدة أمور ... وطهر " بائع الأدوية " APOTHICAIRE " ومعناها صاحب الحانوت ( اسم ينطبق على بائع التوابل والعطور ....)وكان أولئك الباعة ، في البداية ، ضربا من العطارين ، اد كانوا يبيعون الأعشاب والتوابل ..وسرعان ما شكلوا " جمعيات مهنية
وأصبحت مهمتهم تنحصر في صنع الأدوية ( بحسب تعليمات الأطباء ) وكان ثمة مراقبون يقومون بزيارات منتظمة للحوانيت التي تصنع بها الأدوية.وفي سنة 1484 صدر مرسوم في فرنسا فرض بمقتضاه على " باعة الأدوية " الانضمام الى الجمعيات المهنية ،الأمر الذي مكنهم من الحصول على امتيازات بالمقارنة مع غيرهم من التجار . وقع منع على الأطباء بيع الأدويةومنع المشعوذون ورجال الدين أيضا من صنع " الأدوية " ولكنهم لم يضغنوا لهدا المنع في الواقع. ويحدد المرسوم شروط التعلم والحصولعلى الأهلية وعلى الحق في ممارسة المهنة . فالتعلم يستمر 8 سنوات وان يكون على المتعلم عند نهاية الدروس أن يبلغ الخامسة وعشرين سنة على الأقل وان يجتاز اختبار نهائيا

Saturday, October 21, 2006

الجارية (تودّد) في بلاط الرشيد

تنوعت الحكايات واختلفت حول الجواري في بلاط الخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد. وبصرف النظر عن صحة هذه الحكايات او عدمها، فإن حكاية (أبي الحسن وجاريته تودّد) التي تقدمها (ألف ليلة وليلة) تثير المخيلة، وتدعو الى التساؤل، وهي إن صحّت دلت على أنّ الخليفة لم يكن لاهياً على مثل تلك الصورة التي رسمت له،
وأنّ مفردة الجارية لاتدعو الى امتهان المرأة كما هو شائع في المجتمعات المتخلفة.ربما يكون الرشيد قد دفع مليون دينار ثمناً للجارية (خالصة)، وربع مليون درهم ثمناً للجارية (عنان)، إلا أنّ حكاية الجارية (تودّد)
عندما عرضها ابو الحسن عليه لشرائها تستدعي التوقف امامها، لما فيها من عبرة كبيرة، وحكمة يندر الحصول عليها من غيرها، فهي حكمة تنصف الخليفة والجارية معاً. وابو الحسن كما تخبرنا الحكاية ورث عن ابيه مالاً وفيراً، وأملاكاً وبساتين تكفيه للحياة زمناً طويلاً,لكنه ما إن مات أبوه وفارق الحياة، نسي وصيته، فاكل وشرب كما تقول الحكاية،
ولذّ وطرب وارتاح الى قهقهة القناني (جمع قنينة)، واستماع الأغاني, ولم يزل على هذه الحال، حتى ضيّع كل شيء، ولم يعد يمتلك في الدنيا غير الجارية (تودد)التي عرفت بالحسن والجمال، والبهاء والكمال، وبتفوقها على اهل عصرها في سعة علومها ومعارفها، وهو مما ادهش الخليفة والمجتمعين من الرجال حوله، الذين رأوا فيها نموذجاً تصعب محاكاته والتغلب عليه
عندما سألها الخليفة: يا تودّد.. ما تحسنين من العلوم؟ قالت: يا سيّدي اني اعرف النحو والشعر والفقه والتفسير واللغة, واعرف فن الموسيقى، وعلم الفرائض،والحساب والقسمة والمساحة، واعرف القرآن الكريم، واعرف مافيه من الناسخ والمنسوخ،والمدني والمكي، واسباب التنزيل، واعرف الحديث الشريف، دراية ورواية، المسند منه والمرسل، ونظرت في علوم الرياضة والهندسة، والفلسفة وعلم الحكمة والمنطق.. وبالجملة فإنني وصلت الى شيء لم يعرفه الا الراسخون في العلم.
ولما سمع الخليفة كلامها على صغر سنها، تعجب من فصاحة لسانها، والتفت الى مولاها ابي الحسن، وقال له: إني احضر من يناظرها في جميع ما ادعته، فإن اجابت دفعت لك ثمنها وزيادة، وإن لم تجب فأنت اولى بها. وبين جمع غفير من العلماء والأطباء والمنجمين والحكماء والمهندسين والفلاسفة، وقفت الجارية (تودّد)في بلاط الرشيد بلا خوف او رهبة. كانت ثقتها بعلومها وشخصيتها اكبر من ان توصف، فهي التي اقترحت على مولاها ابي الحسن ان يعرضها امام الخليفة،
يطلب ثمناً مرتفعاً: وصيفتي تساوي اكثر من عشرة آلاف دينار، فاختبرها يعظم قدرها في عينك، لأن هذه الجارية ليس لها نظير ولاتصلح إلا لمثلك. ناظرت اولاً العالم الفقيه في شؤون الدين، ولما انقطعت حجته نهض قائماً وقال امام الجميع: اشهد يا أمير المؤمنين أنّ الجارية اعلم مني بالفقه. ولما فرغت من المناظرة في علم الأديان، تقدم الطبيب الماهر وناظرها في علم الأبدان،ولم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا وناظرها فيها، فتأكد للرشيد انها ليست كمثل غيرها، وانها تستطيع ان تتغلب على الرجال،وازدادت دهشته عندما رأى الطبيب يقف ويقول: يا أمير المؤمنين اشهد على أنّ هذه الجارية اعلم مني بالطب وغيره، ولا طاقة لي عليها. كانت العادة ان ينزع المغلوب ثيابه، وان يخرج من مجلس الخليفة يجر ثياب الخيبة والخسران.
ثم تقدّم المنجم والفيلسوف والشطرنجي فانتصرت عليهم جميعاً، وخرجوا من مجلس الرشيد، بعد ان نزعوا ثيابهم هم الآخرون كما فعل الفقيه والطبيب. إنّ فعل التعرية على الرغم من إيحاءاته الواقعية، قد يعني أمراً آخر غير المنظور لنا كقراء او مشاهدين. ونميل الى تأويله، بأن تودّد الجارية الواسعة المعارف، استطاعت بلباقتها وعلمها، ان تفضح زيف المجتمع الرجالي، الذي يزعم المعرفة والعلم له فقط دون النساء. وبذلك تكون الجارية قد اعادت للأنوثة هيبتها، بحيث لايستطيع احد امتهانها بعد ذلك كما جرت العادة. ولعلّ الأمر الأهم في حكاية الجارية (توودد)، انها بحكمتها استطاعت ان تعيد لمولاها ابي الحسن، توازنه في الحياة، بعد ان ضيّع كل ما كان يملكه. فالخليفة الذي ادهشته بسعة معارفها وعلومها،
يعد يقدر على معاملتها كغيرها من الجواري، للدرجة التي جعلت يقول لها: يا تودّد تمنّي عليّ. فقالت: تمنيت عليك أن تردّني الى سيّدي الذي باعني.. وردها الخليفة اليه، واعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها، كما جعل سيّدها نديماً له، واطلق له في كل شهر الف دينار، استطاع ان يحيا بها حياة رغيدة هانئة، بعد ان ضاقت الدنيا امامه.